سحر البيان في القرآن - تناوب الحروف

سحر البيان في القرآن

د. محمود شمس

حلقة 27/4/2012م

تناوب الحروف

نلتقي في قضية القول بتناوب الحروف لنؤكد أن كل حرف استعمله الله تبارك وتعالى في كتابه إنما استعمله لتأدية المعنى المراد. ومن تلك الحروف التي قيل فيها بأنها بمعنى حرف آخر في قول الله تبارك وتعالى (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (39) ابراهيم) فيقولون بأن قوله تعالى (وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ) أن (على) بمعنى (مع) ليكون وهب لي مع الكبر أي أن الله وهب لخليله عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام وهب له مع وجود الكِبر. لكن عندما تتدبر معي لتدرك معنى حرف الاستعلاء هنا (وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَر) (على) حرف يفيد الاستعلاء والتمكن فما معنى الاستعلاء هنا في قول الله تبارك وتعالى (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ) لندرك أولاً قبل أن نتكلم في حرف الاستعلاء أن الله تبارك وتعالى عندما يتحدث عن انجاب الولد يستعمل لفظ الهبة (يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ ﴿٤٩﴾ الشورى) (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (39) ابراهيم) (وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا ﴿٥﴾ مريم) (هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ ﴿٣٨﴾ آل عمران) لماذا لفظ الهبة بالذات؟ إشارة أنك أيها الانسان لا تملك شيئا في إنجاب الولد لأن الهبة عطاء بلا مقابل منك وإنما هو الأخذ بالأسباب الذي تفعله إنما هو أن تأخذ بالأسباب فقط. فلا بد أن نعلم أن الكبر من أهم وأكبر العوامل التي تكون مانعة لانجاب الرجل، فالله تبارك وتعالى يشير هاهنا على لسان سيدنا ابراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام أنه يحمد الله أي يثني عليه أنه وهب له على الكبر، فما معنى الاستعلاء هاهنا؟ معنى الاستلاء أن إرادة الله تبارك وتعالى عندما يريد العطاء لعبد من عباده تستعلي فوق كل الموانع البشرية، الكبر من الموانع عند البشر، البشر يرون أن الكِبَر مانع للانجاب فالله جلّت قدرته يشير هاهنا إلى أن إراداته وإلى أنه عندما يعطي ويمنح فإن عطاءه ومنحته تستعلي على أكبر الأسباب البشرية وهذا دليل على أن الله تبارك وتعالى عندما يريد أن يعطي فلا مانع لعطائه أبداً لكن عليك بالدعاء. ولذلك علمنا الله تبارك وتعالى على لسان زكريا عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام أن يلجأ العبد لربه بالدعاء حتى لو كانت الأسباب البشرية تشعر وتوحي بأن هناك مانعاً ما. قال الله تبارك وتعالى على لسان سيدنا زكريا (إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا ﴿٣﴾ قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا ﴿٤﴾ مريم) وهن العظم مني أي أني بلغت الغاية العظمى في الضعف لأن العظم بالنسبة للإنسان هو الأعمدة التي يقوم عليها بنيان الانسان فإذا وهن العظم فمعنى هذا أن الإنسان قد بلغ الغاية العظمى في الضعف. وقيل أيضاً لأن في جسم الإنسان ثلاثة مخازن رئيسية تمد الجسم بالقوة وبالطاقة: المخزن الأول الشحوم التي في جسم الإنسان فمنها يمتد الجسم قوته وطاقته. إذا فقد الجسم تلك الشحوم ينتقل إلى المخزن الثاني الاحتياطي وهو اللحم ما بين الجلد والعظم، هذا اللحم يستمد الجسمُ طاقته وقوته منه إذا فقد الشحم. فإذا بلغ الإنسان مبلغاً من السنّ وفقد المخزن الثاني وهو هذا اللحم -ولذلك بعض أجدادنا أو جدّاتنا لو نظرنا إلى يدي الجدّ نجد الجلد والعظم، هل كانت يده هكذا وهو في مرحلة الشباب ومرحلة القوة؟ أبداً، كان هناك اللحم لكن فقد الجسم هذا اللحم. إذا فقد الجسم هذا اللحم ينتقل إلى المخزن الأخير وهو العظم. إذا العظم إذا وهن يكون الانسان في غاية الضعف. وقيل أيضاً بأن تكوين الحيوان المنوي يكون في النخاع العظمي ولذلك كانت الدقة في التعبير القرآني في قول الله تعالى (قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا (4) مريم) إذن عندما قال خليل الرحمن (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ) إشارة إلى أن عطاء الله تبارك وتعالى لا يمنعه مانع فإذا كانت هناك موانع بشرية وأراد الله لك أو أراد الله بك أن يعطيك أو يمنحك فإنه عطاءه لا يتوقف بسبب الموانع البشرية. وهذا هو المعنى الذي أبرزه وجود حرف الاستعلاء (على)

 

ومن المواضع التي قيل فيها (على) بمعنى (مع) في قول الله تبارك وتعالى (لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ (177) البقرة) فيقولون بأن (على) هاهنا بمعنى (مع) ليكون "وآتى المال مع حبه". لكن تعالوا نتأمل السياق ونتدبر معنى حرف الاستعلاء هاهنا نجد أن لحرف الاستعلاء دورا أساسياً في المعنى لأن حب المال في قلب الانسان فطرة فالإنسان يحب المال بفطرته والمال كما يقولون شقيق الروح فالله تبارك وتعالى من خلال وجود حرف الاستعلاء هاهنا (وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ) يشير إلى أن حب المال في قلبك فطرة بشرية ولا مانع من تلك الفطرة. لكن المؤمن عندما يُدعى للإنفاق وعندما يُدعى الصدقة وعندما يُطلب للعطاء فإن حُبّه للصدقة وحُبّه للإنفاق وحُبّه لما عند الله يستعلي على حُبّه في قلبه، فلو قال الله "وآتى المال مع حبه" ما أفاد هذا المعنى وإلا لكان المعنى أنه يعطي المال مع وجود حُبّه وهذا أمر فطريٌ.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل