سحر البيان في القرآن - حرف الباء

سحر البيان في القرآن

د. محمود شمس

حلقة 21/4/2012م

القول بزيادة بعض الحروف في القرآن لا ينبغي أن نقول به وإنما لكل حرف دور في المعنى. وقد بينا ذلك في الحلقات السابقة ومن خلال ورود الآيات التي قيل فيها بالزيادة ومن الآيات التي اشتهر القول فيها بالزيادة:

قول الله تبارك وتعالى (فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ (31) يوسف) في قصة نبي الله يوسف عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام. والسبب الذي دعاهم للقول بزيادة الباء هاهنا في قول الله تعالى (فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ) أن الفعل سمع يتعدى بنفسه كما ورد في قول الله تعالى (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا (1) المجادلة) فلم يقل الله "قد سمع الله بقول التي" فيرون أن الباء هاهنا زائدة ويكون المعنى "فلما سمعت مكرههنّ". عندما نتدبر السياق الذي وردت فيه تلك الآية الكريمة ندرك أن الباء لا بد من وجودها ولو لم توجد الباء في قوله (فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ) لاختل المعنى، ولقلنا بأن هناك خللًأ هاهنا، لم؟

أولاً الفعل سمع الذي يتعدى بنفسه هو الذي يكون السمع فيه سمعاً مباشراً، أنا سمعتك تتكلم سمعتك وأنت تتكلم لكن إذا كان الكلام قد حُكي لي ولم أسمعك مباشرة وإنما وصلني عن طريق من أخبرني فإني أقول سمعت بك أو سمعت عنك لكن إن كنت قد سمعتني مباشرة فأنت تقول قد سمعتك. تعالوا نتدبر هذا الكلام النسوة اللآئي تكلمن في حال امرأة العزيز هم بالتأكيد قلة وهؤلاء النسوة بالتأكيد كنّ يتكلمن في خفاء فيما بينهن بدليل أن الله تبارك وتعالى سماه مكراً والمكر تدبير خفيٌ لا يُسمع عندما تمكر بأحد لا ينبغي أن يسمع ما تمكر به وإلا ليس بمكر. فالمكر تدبير خفيٌ إذن الباء هاهنا لا بد منها لو قال الله "فلما سمعت مكرههن" لقلنا كيف سمعت المكر؟! وهل المكر يُسمع؟! المكر لا يُسمه وهي لم تسمع مباشرة وإنما جاء من يُسمِعها وجاء من يبلغها الخبر.

عندنا أيضاً في قول الله تبارك وتعالى (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ (228) البقرة) يرون أن الباء في (بِأَنفُسِهِنَّ) زائدة لأن التربص يكون بالغير انا أتربص بك وأنت تتربص بي فيقولون كيف تتربص المطلقة بنفسها؟ هي تتربص بغيرها إنما تتربص بنفسها فهذا لا يمكن أن يكون. إذا قلتم أن الباء زائدة ماذا ستفعلون بكلمة أنفسهن؟ قالوا تكون توكيداً لنون النسوة الضمير الذي في قول الله تعالى (يَتَرَبَّصْنَ) كأنهن يقولون "يتربصن أنفسهن" لكن لا يمكن أن تكون أنفسهن توكيد هاهنا لا من الناحية اللفظية أو الصنعة النحوية ولا من ناحية المعنى لأننا نؤكد بالنفس عندما يكون هناك التباس في المعنى، لبس حاصل في المعنى. عندما تقول زارنا الشيخ بالأمس فقد تكون أنت تبالغ ربما الشيخ لم يزرك وإنما ارسل أحدًا من تلاميذه فإذا أردت أن تؤكد هذا الأمر تقول زارني الشيخ نفسه. ونحن هنا لا نحتاج لهذا التوكيد لأنه لا يوجد لبس (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ) لن تقول لي من اللآئي يتربصن لأنه من الواضح أنهن المطلقات.

ثانياً توكيد الضمير لا بد أن آتي بضمير منفصل بين الضمير المتصل والمؤكد وهذا ليس بموجود.

 

دور الباء هنا عندنا ما يسمى بأسلوب التجريد. وأسلوب وارد في القرآن الكريم كما في قوله تعالى (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) النازعات) نهى فعل ماض والنفس مفعول به، أين الفاعل؟ نهى هو، أي أن الإنسان هو الذي ينهى نفسه، كيف ينهى الإنسان نفسه؟ هذا الذي نسميه أسلوب التجريد بمعنى أن الله تبارك وتعالى يقول لك اعتبر نفسك صديقاً لك وجاراً لك وقل لنفسك يا نفسي ابتعدي عن الهوى. فالله تبارك وتعالى يشير هاهنا إلى أن المطلقة يجب أن تجرد نفسها وأن تقول لنفسها ّتربصي مدة العدة وهي ثلاثة قروء" وهذه تبرز الحالة النفسية للمطلقة لأنه كما نعلم أن المطلقة تكون في ظروف نفسية صعبة وتريد أن تثبت ذاتها وتريد أن تثبت أنها صالحة للحياة فربما يتقدّم إليها زوج أو عريس خاطب جديد فتحاول أن تخفي عدتها حتى تتزوج وتثبت جدارتها وتثبت رغبة الغير فيها وتلك حالة نفسية في المرأة المطلقة أنها تريد أن تثبت أنها ناجحة وأنها صالحة فالله يقول لها تمهلي تربصي اعتبري نفسك صديقا لك لن يتربص بنفسك إلا أنت، أنت المهيمنة على نفسك (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ) إذن الباء ليست زائدة وإنما الباء لها دور أكيد تأسيس في المعنى لا يمكن الاستغناء عنه كما بيّنت.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل