سحر البيان في القرآن - تعدية الفعل

سحر البيان في القرآن

د. محمود شمس

حلقة 14/4/2012م

حلقة 30/3/2012م

رابط الحلقة

http://www.mashahd.net/video/118078c846006cebdf0

فقد بيّنت في اللقاء السابق مفهوم القول بالزيادة عند القائلين بذلك وبيّنت أن كل حرف في كتاب الله له دور في المعنى ولا يمنع أن يكون زائداً في الاعراب بمعنى أنه يجرّ ما بعده لفظاً فقط لكن لا بد أن يكون له دور في المعنى. لكن نتساءل ما الأسباب التي دعتهم للقول بالزيادة؟ لماذا قالوا بزيادة بعض الحروف وتمسك بذلك البعض؟ هناك بعض الأسباب حاولت أن أحصرها لكم وهي تتمثل في الآتي:

·         الفعل عندهم في اللغة يتعدى بنفسه ولا يحتاج إلى حرف جر بعده

·         هذا الفعل قد يرد في القرآن الكريم في موضع متعدياً بحرف جر وفي موضع آخر متعدياً بنفسه بدون حرف جر

القضية أنهم لا يحاولون الربط بين معنى الفعل ومعنى الحرف والسياق الذي ورد فيه الحرف والفعل. ولذلك سآتي بأمثلة لأبين بطلان قولهم هذا:

الفعل الأول: فعل ربط.

الفعل ربط في اللغة يتعدى بنفسه فأقول "ربطت الشنطة" و"ربطت الدابة". القرآن الكريم استعمل الفعل ربط في ثلاثة مواضع وفي المواضع الثلاثة نجد الفعل بعده متعدياً بحرف الجر (على). اقرأ قول الله تعالى في غزوة بدر (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ (9) وَمَا جَعَلَهُ اللّهُ إِلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (10) الأنفال) فقالوا (على) هاهنا زائدة لأن الأصل "ليربط قلوبكم".

الموضع الثاني في قصة أصحاب الكهف عندما قال تعالى (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (13) وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ (14)) لم يقل ربطنا قلوبهم

الموضع الثالث والأخير لهذا الفعل في القرآن الكريم في قصة موسى وأم موسى يوم أن ألقته في اليمّ. قال الله تعالى (وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (10) القصص) فنجد الفعل "ربط" لم يُستعمل في القرآن إلا بوجود حرف الجر (على) وحرف الجر (على) هاهنا هم يرون أنه لا دور له في المعنى. كيف هذا؟!

تدبروا السياق في المواضع الثلاثة، في المواضع الثلاثة عندما نتدبر نجد أن قلب الإنسان وعاء -وسيأتي الكلام عن القلب والصدر والفؤاد واللُّب بحول الله وقوته فيما بعد- القلب وعاء وعاء لليقين وعاء للإيمان وعاء للثبات فالقلوب في المواضع الثلاثة تدرك أنها قد امتلأت يقيناً وإيماناً وثباتاً بداية. ففي غزوة بدر الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين ما خرجوا لأجل القتال لكن عندما وجدوا أن القتال فالله تبارك وتعال أودع في قلوبهم الإيمان والثبات واليقين. القلوب امتلأت إيماناً وثباتاً ويقيناً أولاً ثم ظهرت النسبة البشرية في الإنسان عندما رأوا الفرق بين العدد والعُدّة عددهم وعدد المشركين والعُدّة التي معهم والعُدّة التي مع المشركين فأدركوا أن هذا الأمر لا يمكن بالعقل البشري أن يأتي النصر، كيف والعدد فارق كبير بالآلآف بيننا وبينهم؟! فهذا الأمر كاد أن يزحزح الإيمان والثبات واليقين من قلوبهم. فالله تبارك وتعالى ما ربط قلوبهم، لا، ربط على قلوبهم، على ما في القلوب حتى لا يتزحزح فالله ربط على قلوبهم بما فيها من إيمان وثبات ويقين حتى يثبّتهم وحتى يستمروا على ثباتهم. إذن الربط ليس للقلب ولكن الربط على ما في القلب من إيمان. أنت عندما تودع شيئاً في خزينة ِ تلك الخزينة فأنت أغلقت على ما في الخزينة، فالله ربط على ما في قلوبهم.

 

تعالوا لأم موسى، أم موسى عندما أوحى الله إليها (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (7) القصص) نفّذت لكن النسبة البشرية في الإنسان راودتها (وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (10) القصص) تنفيذها لأمر الله يؤكد أن قلبها امتلأ إيماناً وثباتاً ويقيناً في البداية لكن حدث ما قد يزحزح هذا الإيمان.  



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل