وقفات مع سورة يوسف (يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ) - د. عمر المقبل

وقفات مع سورة يوسف (يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ)

د. عمر المقبل

(تفريغ موقع إسلاميات)

http://www.almuqbil.com/play-3893.html

قال الله عز وجل مخبرًا عن حال يعقوب (وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (84) يوسف) قال الله عز وجل (وَتَوَلَّى عَنْهُمْ) اشتدت عليه الحالة فترك أبناءه وذهب لوحده (وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ) أبٌ مكلوم، مفجوع ، وقال (يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ) قال له أبناؤه بعد أن سمعوه وقد انصرف عنهم فما سلم حتى من كلماتهم التي تجرح (قَالُواْ تَالله تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (85)) قال (قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (86)) الأسف هو اشتداد الحزن وكأن يعقوب عليه السلام نزّل الأسف كأنه رجل يناديه (يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ).

ثم يُخبر الله عز وجل عنه وهو العليم الخبير عز وجل العليم بما في النفوس والعليم بما في الصدور يقول (وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ) أي بسبب الحزن، وهنا لم يقل الله سبحانه وتعالى "وعميت عيناه" وذلك أن البياض الذي أصابه لم يأت مرة واحدة بل كان بسبب تتابع الأحزان والآلآم على قلبه عليه الصلاة والسلام فأفضى ذلك إلى أن تعطل عَصَب البصر بدليل أنه في أواخر السورة قال الله عز وجل (فَارْتَدَّ بَصِيرًا (96)) إشارة إلى أن لم يأت العمى مرة واحدة بل ضعف بصره شيئًا فشيئًا حتى عَمِيَ عليه الصلاة والسلام بسبب الحزن الشديد الذي امتلأ قلبه به حزنًا على يوسف وعلى إخوته عندما اشتدت لكن المقام هنا في الحديث عن يوسف وما أتى من مصائب، تتابع المصائب كان بسبب فقده لهذا كان من المناسب ذكره هنا كما ذكر بعض المفسرين.

(فَهُوَ كَظِيمٌ) الكظيم صيغة مبالغة من الكاظم وهو الذي يحبس الحزن في نفسه حبسًا مع كآبة فلا يُظهر ما في نفسه للناس بل يجنح إلى الخلوة ويبثّ نجواه ويرفع شكواه إلى مولاه سبحانه وتعالى ولذلك قال (قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ) وصَدَق، نبي ورسوب يعلم من الله ما لا يعلم أبناؤه.

 

من الوقفات مع هذه الآية الكريمة أن قتادة قال: كان يعقوب يردد حزنه في جوفه ولم يقل إلا خيرا. سبحان الله! سنوات طويلة من البؤس ومن الحزن والكمد الذي امتلآ به قلبه عليه الصلاة والسلام على هذه المصائب التي تتابعت لم تُسمع منه كلمة واحدة تُنبئ عن تضجر أو عن تسخّط، كله بثٌ للحزن والشكوى إلى الله سبحانه وتعالى وهكذا شأن المؤمن لا ينفك أبدًا عن حسن الظن بالله سبحانه وتعالى. تأتي على الإنسان مصائب ويظن أنه ليس هناك أحد اشد منه في الدنيا وتأتي عليه طوامّ وتضيق عليه الأرض بما رحبت حتى تصبح الدنيا كأنها قد جُمعت وكأنه يتنفس من شدة الهمّ من ثقب إبرة ولكن شأن المؤمن دائمًا الصبر وشأنه الأكمل من هذا أن يرضى عن الله عز وجل ويعلم أن خيرة الله خيرٌ من خيرته لنفسه. يعقوب عليه الصلاة والسلام امتدت البلاء به في قول بعض المفسرين ومنهم الحسن البصري ثمانين عامًا وقال بعضهم أربعين سنة. وهل أربعين سنة قليلة؟! وبعض الناس لا يحتمل أربعين ساعة فضلًا عن أربعين يومًا فضلًا عن أربعين أسبوعًا أو شهرًا ومع ذلك كل هذه المدة ما ظهرت منه كلمة تضجّر. وقد سمع بعض الفضلاء أحد الإخوة هداه الله وعفا عنه لما احتبست الإطارات عن النزول قام أحد الركاب وقال: يا رب ماذا عملت حتى تصنع بي هكذا؟! والعياذ بالله. وهذه لحظات ودقائق معدودة ضجر وقال هذه الكلمة الخطيرة عفى الله عنه وعنا. شأن المؤمن أنه مهما تقلبت عليه المصائب وتتابعت عليه المحن فإنه لا ينبغي أبدًا أن تظهر منه كلمة واحدة تُنبئ عن ضجره وتنبئ عن سوء ظنّه بربه عز وجل فإن شأن المؤمن الثقة بوعد الله عز وجل بعكس المنافق الذي قلبه متردد عياذًا بالله عند أدنى هيئة وصيحة يحصل له اضطراب وقلق!. 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل