(إن قارون كان من قوم موسى) - د. عمر المقبل

وقفات مع قول الله تعالى (إن قارون كان من قوم موسى)

د. عمر المقبل

25 ربيع الآخر 1434 هـ

بسم الله الرحمن الرحيم.

بين يدي الحديث عن هذه القصة أذكِّر بنقاط مهمة ينبغي لأهل القرآن أن يستحضروا وألا تغيب عن أذهانهم وهم يقرأون القصص القرآني ذلك أن بعض الناس ربما توقف همّه عند مجرد تلاوة القصة وعدم الانتفاع والاعتبار بها وربما عاش على أنها معلومات تضاف إلى معلوماته وهذا لا شك أن قصور عظيم وتقصير في تحقيق مراد الله سبحانه وتعالى من نزول هذا القرآن الذي قال تبارك وتعالى فيه (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ (29) ص) وهذه الآية العظيمة في سورة ص جاءت بقرآءة أخرى (ليتدبروا آياته) وجاءت أيضاً في ثنايا قصص قصها الله سبحانه وتعالى عن نبيه داوود عليه الصلاة والسلام وعن ابنه سليمان عليه الصلاة والسلام ثم عن أيوب عليه السلام وغير ذلك وهذا من أوضح الأدلة على أن هذه القصص مما يحب الله سبحانه وتعالى أن تُتدبر وتُتأمل وهذا وإن لم يأت في سياق هذه القصة فالآية صريحة في الأمر بالتدبر فضلاً عن بقية الآيات الكريمة.

أمر آخر وهو أن الله عز وجل لما قصّ قصة يوسف وهي من القصص العظيمة في كتاب الله تبارك وتعالى ختمها بآية عظيمة ينبغي أن ينتبه لها المؤمن وهو يقرأ القصص القرآني فقد قال عز وجل (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَٰكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (111) يوسف) ينبغي هنا أن يتأمل المؤمن في الحكم الثلاث التي ذكرها الله تبارك وتعالى فقال (وَلَٰكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) فإذا قرأت القصة فابحث عن هذه الثلاث الأمور حينما تقرؤها:

·         أين الهدايات في هذه القصة وما نصيبي من الاهتداء بها؟

·         الثانية أين مواطن الرحمة التي تلتمسها في هذه القصة؟

·         والثالثة أين أثرها في زيادة الإيمان؟

ثم قال الله عز وجل في موضع آخر في سورة الأعراف (فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (176) الأعراف) وفي هذا إشارة إلى أن الإنسان إنما ينتفع بالقصة حقاً حينما يُعمل ذهنه ويتفكر ويتأمل وهذا التفكر والتأمل درجات طويلة كبيرة ومقامات يتفاوت فيها الناس بحسب ما يفتح الله عز وجل عليهم. المهم أن لا نتجاوز قصص القرآن بدون تأمل ولا تدبر ولا التماس لهداياتها فإن ذلك يفوّت علينا خيراً كثيراً.

أما فيما يخص قصة قارون فإنها لم تُذكر في القرآن إلا في موضع واحد وذكرت في سورة القصص فما شأنها حتى وردت في هذه السورة وما علاقتها بموضوع السورة؟ فما هو موضوع السورة وما هو الشأن الأبرز الذي تحدثت عنه سورة القصص؟ من تأملها وجد أنها تتحدث عن أحوال المستضعفين من أهل الإيمان وهذا واضح جداً في مقدمة السورة وفي الأحوال التي مر بها نبي الله موسى عليه الصلاة والسلام. ثم تحدثت السورة في رسائل واضحة جداً لأهل مكة الذين عاشوا نعمة الأمن وعاشوا نعمة جلب الثمرات إليها من كل مكان أن لا يعاندوا وأن لا يستكبروا كما استكبر فرعون ومن معه فيصيبهم ما أصابه. والرسالة الأخرى التي تحملها سورة القصص هي رسالة قوية للمستكبرين أو المستعلين أو المفتخرين بأموالهم ومناصبهم وجاههم وهذه الرسالة واضحة جلية جداً في قصة قارون وفي قصة هامان لكنها في قصة قارون بما أنها بسطت في سورة القصص أظهر وأبرز؟ ففي مكة أناس تجار وأناس أصحاب جاه وأناس ذوو مكانة فيراد من هذه القصة – والله أعلم بمراده – إيصال رسالة قوية جداً للذين يستكبرون أو يفتخرون بما عندهم كما قال قائلهم في سورة سبأ (وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (35) سبأ) في ذلك يكررون نفس القصة التي قالها قارون (قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُون (78) القصص). إذن سورة القصص تتلخص في قصتين كبيرتين:

·         القصة الأولى تعرض قوة الحكم والسلطان قوة فرعون الطاغية المتجبر الذي كان حذراً في مواجهة ما أوحى إليه الكهان والمنجمون بأن هلاك ملكك على يد طفل من بني غسرائيل فاحتاط كل الاحتياطات فأوتي من حيث لم يحتسب، حيث نشأ الطفل الصغير في مملكته بل في بيته وقصره ليريه الله عز وجل عجزه وليريه الله عز وجل هوانه وهو الذي ادّعى الربوبية! على الأقل كيف لا تعلم أن هذا الطفل الصغير سينشأ ف بيتك وسيكون خراب ملكك على يديه؟!

·         القصة الأبرز الثانية في هذه السورة العظيمة تعرض قيمة المال والجاه ومعها قيمة العلم. أما قيمة المال فحين لا يُنتفع به ولا يصرف في الوجه الحقيقي تأتي قصة قارون وفي ثناياها إشارة إلى أثر العلم وبركته في الثبات أمام الفتن والمغريات.

هذا باختصار ما يتعلق بمحاور سورة القصص بشكل مجمل وموجز.

أيضاً مما ينبغي أن اشير إليه في هذه المقدمة أن في الإخبار أن قارون كان من قوم موسى فيها إشارة وتسلية لنبينا صلى الله عليه وسلم حيث حصل عليه البغي والطغيان من أقاربه وسنشير لاحقاً إلى الحكمة من قول الله تعالى (إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى (76) القصص) ولم يقل من بني إسرائيل ففيها تسلية لنبينا عليه الصلاة والسلام أنه كما بغى عليك قومك وآذوك وظلموك فقد سبقك رسل من قبلك، موسى أخوك قد ابتلي بطغيان بعض أقاربه عليه.

كذلك أيضا نلحظ ملمحاً عاماً في هذه السورة وهي أن الله عز وجل قد يحجب الدنيا عن أخصّ أوليائه وأحبهم إليه ويعطيها أبغض الخلق إليه، قد يعطيها الطغاة، قد يعطيها المتجبرين، قد يعطيها من سبق في علمه عز وجل أنهم يطفرون هذه النعمة ولا يشكرونها، نعم قد يجمع الله عز وجل الدين والدنيا لبعض الناس لكن إذا تأملت قصة موسى وهو في هروبه من مصر إلى مدين ثم لا يجد في تلك الأيام - كما قال بعض المفسرين - لا يجد شيئاً يستظل به إلا ظل شجرة ربما سقط منها شيء فأكله حتى قال ابن عطية في هذا الموضع: من هوان الدنيا على الله عز وجل أن يكون أفضل أهل الأرض في ذلك الوقت لا يجد ظلاً يستظل به إلا شجرة وهو موسى عليه الصلاة والسلام بينما فرعون في مصر في ملكه وسلطانه وطغيانه يعيش ما يعيش من النعيم!

ثم نجد في نفس ثنايا هذه القصة أن الله سبحانه وتعالى أعطى الدنيا أناساً متكبرين متجبرين طغاة ظلمة استعبدوا الناس وأهانوهم لكن آل أمرهم إلى ما آل وهي رسالة واضحة لأهل مكة.

أيضاً نلحظ في جو القصة بدءاً من نشأة موسى عليه الصلاة والسلام ومروراً بقصته في مدين سلوى للنبي صلى الله عليه وسلم وهي أن العبرة ليست بنقص البدايات وإنما بكمال النهايات. فقد يبدأ الإنسان بدعوته ويُحارَب ويستضعف ويهان كما اضطر موسى للهرب بدينه فقد اضطر بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى الهجرة والنبي صلى الله عليه وسلم في مكة هاجروا مرتين بل اضطر عليه الصلاة والسلام هو وبأمر من الله أن يهاجر من أحب البلاد إلى الله من مكة شرّفها الله إلى المدينة حيث تكونت دولة الإسلام ففي هذا كله سلوة للنبي صلى الله عليه وسلم وسلوة لأهل الإيمان الذين مسّهم ما مسّهم من الضر والأواء حتى صارت العاقبة لما علمتم بفضل من الله تعالى وعونه.

ثم بعد ففيما يخص قصة قارون فإن الذين يحفظون سورة القصص يعرفون أن هذه القصة سُبقت بقول الله عز وجل (وَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ (60)) هذه الآية العظيمة سبقت قصة قارون وهي أشبه بالعنوان العريض أو التقدمة الواضحة بين يدي هذه القصة حتى لا يغتر الإنسان بأي زينة يراها ولا يتعلق قلبه بشيء من هذه العلائق إذا كانت تصده وتحجبه عن الآخرة. قال الله عز وجل (إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى) وهنا يبحث العلماء عن الحكمة من التعبير بهذه الكلمة (مِن قَوْمِ مُوسَى) ولم يقل من بني إسرائيل وما ذاك إلا لأن قارون كان ابن عم لموسى عليه الصلاة والسلام جدّهما واحد وقد نصّ على هذا أئمة السلف رحمهم الله، قال ابن جرير: هذا هو قول عامة السلف بل هو قول أهل الكتابين من اليهود والنصارى أنه كان ابن عم لموسى عليه الصلاة والسلام وهذا يكشف أيضاً ما تتضمنه هذه القصة من رسائل للنبي صلى الله عليه وسلم، فكون ابن عم ويبغي على رسول الله موسى عليه الصلاة والسلام هذه اشد مرارة على القلب كما قال الشاعر:

وظلم ذوي القربى أشد مضاضة        على النفس من وقع الحسام المهنّد

فإذا كان موسى رسول الله عليه الصلاة والسلام وهو المفضّل وبفضل الله ثم بفضله آمن قارون أول ما اتبع موسى ثم ينقلب عليه ويبغي حتى ذُكر في الإسرائيليات أنه حاول أن يشوّه سمعة موسى أن يلطّخ به فعل الفاحشة وهذا من أعظم ما يكون من البغي والبهتان. قارون لما منّ الله عز وجل عليه بما منّ من المال والخزائن العظيمة التي جاء وصفها في الايات الكريمة بغى عليهم وطغى عليهم وأول من ناله الأذى منهم موسى عليه الصلاة والسلام وذلك أن قارون بغى على هؤلاء وتكبر وتجبر، قال له قومه (لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76)) وهنا يسأل الإنسان سؤالاً هل الفرح مذموم؟ كيف وقد قرأنا في سورة يونس (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ (58) يونس)؟ والجواب عن هذا أن يقال إن الفرح في كتاب الله تعالى نوعان:

الفرح بنعمة الله والفرح بفضله والفرح العادي الذي لا يحجب عن الشكر هذا فرح إما أن يكون فاضلاً وإما أن يكون جائزاً لا إشكال فيه. أما الآية الكريمة هنا فإنها إنما تذمّ من فرح فرحاً حجبه عن الشكر لله عز وجل وعن الاعتراف بمنته وفضله.

قال الله تعالى (وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ (76)) والعصبة كما هو قول الأكثرين ورجحه جماعة من المحققين من العشرة إلى الخمسة عشر ويؤيد هذا قول الله تعالى في قصة يوسف (قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَّخَاسِرُونَ (14) يوسف) وقد كانوا عشرة من الإخوة. فالعصبة في أقرب الأقوال أنها من عشرة إلى خمسة عشر. فهذا العدد الكبير من الرجال يعجز ينوء ويتعب ويجد مشقة في حمل مفاتيح هذه الخزائن التي امتلأت بها كنوز هذا الرجل المالي وهذه من بلاغة القرآن الكريم حينما يريد أن يشير إلى شيء عظيم يشير غليه بطريقة الأدنى حتى يذهب ذهنك كل مذهب في تصور المعنى الأعلى. وهنا إذا كانت العصبة من الرجال تعجز عن حمل هذا المفتاح فما ظنك بالخزائن نفسها؟! هذه المفاتيح عجزوا عن حملها بهذا العدد فما ظنك بالخزائن؟!! ونظير ذلك في القرآن الكريم في ذكر الأدنى للتنبيه على الأعلى قول الله تباك وتعالى في سورة الإنسان مبيناً شيئاً من نعيم أهل الجنة – جعلنا الله وإياكم من أهلنا – قول الله عز وجل (وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَّنثُورًا (19) الإنسان) هذا وصف الخدم فما ظنّك بالمخدومين؟! الأمر أعظم. ومن الأمثلة في وصف نعيم أهل الجنة قول الله سبحانه وتعالى في سورة الرحمن (مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ (54)) ومن المعلوم في الدنيا أن الناس إنما يستبطنون الأردأ من الأقمشة لأنه لا يُرى فإذا كانت البطائن من استبرق فما ظنك بالذي يباشر الإنسان الجلوس عليه؟! لا شك أنه أعظم وهذه طريقة معروفة في القرآن الكريم. بل وفي السُنة نقرأ قول النبي عليه الصلاة والسلام "إن أدنى أهل النار عذاباً من هو في ضحضاح من نار عليه نعلان يغلي منهما دماغه" فإذا كان هذا الأدنى من المعذَبين في النار فما ظنك بالأعلى والعياذ بالله؟! وهذه طريقة ينتفع بها طالب فهم القرآن وهي أن الله تعالى يذكر في كتابه الأدنى ليُستدلّ به على الأعلى سواء كان في النعيم أو في العذاب. فهنا هذه الآية شاهد لذلك، إذا كانت المفاتح يعجز عنها أولو العصبة من الرجال تسعة، عشرة، اثنا عشر، خمسة عشر يعجزون عن حمل المفاتح فإذا كان هذا شأن المفاتح فالخزائن لا شك شيء لا يكاد يوصف!

قال الله تعالى (إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ) وهذا فيه إشارة إلى أنه من حق الباغي أو المنحرف أو المخطئ من أبناء الأسرة أن يكون أهله وعشيرته هم أولى من يبادره بالنصح فهؤلاء بادروا بنصحه (إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ) والفرح الذي نهوه عنه هو الفرح الذي يحجب عن شكر النعمة أما الفرح بفضل الله، أن الفرح بمزيد من المال والتمتع به فإن الله عز وجل لا ينهانا عنه.

ثم أوصوه بوصية أخرى فقالوا (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ) لأنه كل نعمة لا تقربك إلى الله فهي نقمة وإن كانت في الظاهر زينة فالله عز وجل في سورة الكهف ضرب لنا مثلين عجيبين: قال تعالى في وسط السورة (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا (46) الكهف) لكن أحياناً تنقلب هذه الزينة إلى فتنة وعقوبة ففي قصة الغلام الذي قتله الخضر جاء في تأويل القتل (وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (80) الكهف) وقد ثبت في صحيح مسلم عن كعب بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "إن غلام الخضر طُبع كافراً ولو عاش لأرهق والديه طغياناً وكفراً". كذلك المال قد ينقلب إلى نقمة حينما يسخّره الإنسان في معصية الله عز وجل أو يمنع حق الله تعالى فيه ولهذا قال تعالى في موضع آخر (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ (28) الأنفال) ويكونون فتنة حينما يحولون بين الإنسان وبين مرضاة الله عز وجل. هذا نموذج للافتتان بالمال وينجو الإنسان من الافتتان بالمال حينما يسخره في أدنى الأحوال فيما أباح الله عز وجل وأكمل من ذلك وأعظم أن يسخره فيما يقرّبه إلى الله سبحانه وتعالى ولهذا وعظ النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة يوماً في هذا فقال: أيكم ماله أحب إليه من مال وارثه؟ قالوا كلنا ماله أحب إليه من مال وارثه، قال فماله ما قدّم ومال وارثه ما أبقى أو ما أخّر. فأنت حينما تقدّم المال، تتصدق وتبذل إنما تبدي مالك أنت لتجده أمامك يوم القيامة ولهذا جاء رجل مرة إلى شيخنا ابن عثيمين رحمه الله تعالى من التجار يستشيره في إدارة بعض ماله وقد وسّع الله عز وجل عليه قال: يا شيخ أنا سأكتب وأوصي وإن شاء الله تعالى لن يقصّروا وسينفذوا الوصية. فقال له الشيخ كلمة حكيمة - لعل الله تعالى أن ينفع بها لعل من أفاء الله عليه ينتفع بها – قال له الشيخ يا فلان أنت إذا أردت أن تسافر هل تحمل معك العفش والأغراض أو تقول للأولاد الحقوني بالأغراض والعفش أم تأخذها معك؟ قال بل آخذها معي، قال: اكتب الآن ما تيسر وضع شيئاً للوصية لكن لا تؤخر إلى أن تموت فإنك لا تدري هل يُنفّذ ولا تدري هل سيستمر معك المال إلى أن يأتيك الأجل. فكان لهذه الوصية أثر عظيم على هذا الرجل وبالفعل بادر فأوقف ما تيسر وأوصى بما تيسر. إذن (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ) وإن كانت الآية في سياق المال إلا أن الآية يمكن أن يعمم معناها إلى ما هو أوسع من ذلك فمن الناس من يؤتى طاقات ويؤتى قدرات ويؤتى مواهب والموفق من سخّرها لمرضاة الله عز وجل. من الناس من يؤتى صوتاً لكن فرق بين من يبذله في التربم والتغني بآيات الله عز وجل حتى القصيد المباح والنشيد المباح وبين من يسخره في غناء يصد عن الله عز وجل وعن ذكره وعن قرآنه سبحانه وتعالى. من الناس من يؤتى قدرة في الإدارة لكن فرق بين من يسخر هذه القدرة في إدارة الأعمال المباحة النافعة أو في الأعمال الخيرية وبين من يسخرها في أمور ضارة على الناس وعلى المجتمع.

ثم جاءت الآية الثانية (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ (77)) عقد متلألئ من الوصايا تضمن أربع لآلئ:

العبارة الأولى: (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ) كل ما تستطيعهمن إمكانات حسية ومعنوية فسخّرها للآخرة لأن أول من ينتفع بها أنت فإنت عكست المطلوب وسخّرتها في غير ما يرضي لك فإن أول من يخسر أنت.

النقطة الثانية (وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا) ما أجمل هذه الوصية! المتوقع أن يقال "ولا تنس نصيبك من الآخرة" خاصة في هذا السياق بمعنى أن الإنسان ما يحتاج يوصى على أمر الدنيا لأنه فطرةً متعلق بها لا يحتاج يوصى بأمر الدنيا، متعلق بالمال، متعلق بالزوجة، بالعقار، بالولد. لكن لما وجّه هؤلاء القوم الناصحون لابن عشيرتهم النصيحة وهي أن يبتغي فيما آتاه الله الدار الآخرة قد يظن ظانّ انهم يريدون منه أن ينقطع من شهوات الدنيا المباحة وزينتها والجواب ليس كذلك فالله تعالى قال (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ (14) آل عمران) (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا (46) الكهف) والإسلام والشرائع السماوية المتفقة مع الفِطَر لا تريد من الناس أن يخرّبوا دنياهم، لا، إنما تريدم منهم أن يعمروا الدنيا بالدين وأن يعيشوا عيشة متوازنة فيعمروا دنياهم لكن لا يخربوا أخراهم بل يعمرون هذه وهذه وقد فقِه الصحابة رضي الله عنهم هذا فكانت حياتهم أعظم حياة بعد حياة الأنبياء عليهم صلوات الله وسلامه. قال (وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا) لأن بعض الناس أحياناً قد يأخذ الجزء الأول ويفهمه فهماً خاطئاً كما وقع لبعض الطوائف التي غلت في مسالك التعبد والتزهّد على غير الطريقة الشرعية فتجد بعضهم ينكّب في زاوية من زوايا المسجد وهذا موجود في بعض النواحي وفي التاريخ معروف وتكلم عنهم ابن الجوزي وتكلم عنهم انن تيمية وغيره من أهل العلم ينكب في زاوية من الزوايا ويظن أن الله يريد منه أن ينقطع عن الدنيا تماماً بل وُجِد في عهد عمر بن الخطاب رجل وجده عمر كثير البقاء في المسجد فقال له: ما شأنك يا أخا العرب؟ قال أتعبد كما ترى يا أمير المؤمنين، قال هل لك زوجة وولد؟ قال نعم، قال ومن يعولهم؟ قال أخي، قال أخوك خير منك، قُم فإن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة. نعم الدعاء مطلوب لكن بذل الأسباب مطلوب فالله الذي أمرك بالتعبد هو الذي قال لك (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (15) الملك) ما أمرنا أن ننام أو نقعد بل أرنا أن نعمر هذه الأرض وفق مراده سبحانه وتعالى فقيل (وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا) فالأصل حضور الآخرة والدنيا تؤخذ بقدرها وحسبها بحيث لا تطغى على أمر الآخرة.

ثم الوصية الثالثة (َأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ) وهذه من القواعد العظيمة في تربية النفس وتهذيبها وتزكيتها والله تعالى يقول في موضع آخر ممتناً على عباده في سورة الرحمن (هَلْ جَزَاء الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (60)) الله تعالى أحسن إليك فكيف تكفر النعمة يا قارون؟! هذا المال الذي عندك أتظن أنك ولدت وحصّلته كما يقال ولدتَ وفي فمك ملعقة من ذهب؟! لا، هذا الفضل والإحسان الذي تعيشه إنما هو أثر من آثار إحسان الله إليك فإذا أحسن الله إليك فقابل هذا الإحسان بإحسان ولا تقابله ببغي وكفر وطغيان.

الرابعة (وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ) وهذا فيه إشارة إلى أن غالب الفساد الموجود في الأرض إنما يأتي من أرباب الأموال الذين يسخرونها في غير مرضاة الله سبحانه وتعالى. انظُر إلى مشاريع الإفساد في الأمة ونحن نتكلم عن بلاد المسلمين، انظر إلى مشاريع الإفساد ستجد أن الذي يقودها تجار لم يراعوا حق الله في أموالهم، سخّروا أموالهم في نشر الفساد في الأرض ولو لم يكن عندهم مال لما استطاعوا أن يفعلوا ذلك وبهذا تعلم درساً عظيماً وهو أن الله سبحانه وتعالى يرحم عبده حينما يحجبه عن المال وهو لا يشكر وقد جاء في أثر إسرائيلي كما يقال إن من عبادي من لا يصلح له إلا الفقر ولو أغنيته لكفر وإن من عبادي من لا يصلح له إلا الغنى ولو أفقرته لكفر. والواقع يشهد أن بعض الناس في حال فقره أو في حال مكابدته للدنيا يوماً يخسر ويوماً يربح، يوم مدين ويوم متحرر من الديون تجده في الغالب حالته الدينية مستقيمة مقبولة ثم ينعم الله عز وجل وتنتفح عليه الدنيا فيقصّر وينسى ويبتعد عن صلة الرحم ويقصّر في حق الله تعالى في المال ويقصر في الصلاة، هنا تعرف أن بقاء الرجل على حاله الأولى ولله الحكمة البالغة بقاؤه على حاله الأول أفضل وأحسن ولهذا طان بعض السلف يقول: إن الله تعالى يرحم بعض أوليائه بأن يزوي عنهم الدنيا. إلى هذا الحد قد يقول الإنسان ما لي حيلة لكن الفخر والنعيم الحقيقي هو أن تصل إلى مرحلة تعرف أن زوي الدنيا عنك وحجبها عنك مظهر من مظاهر الرحمة وهذا يسكب اليقين والطمأنينة في قلبك بل ويوصلك أحياناً وهذا من توفيق الله سبحانه وتعالى لعباده يوصلك إلى مرحلة الرضى بحيث تقول بلسان الحال والمقال: رضيت بما قسم الله لي وخيرة الله خير من خيرتي لنفسي وهذه ليست دعوة إلى البقاء في حال الديون ولا دعوة للرضى بالفقر ولا دعوة إلى عدم السعي في الأرض، لا، لكن من الناس من يسعى ويسعى ويسعى ولا تنفتح له الدنيا، هنا ينبغي أن يتأمل هذا المعنى جيداً. يسعى ويسعى ويركض ويريد وربما خسر أحياناً فهو هنا يعلم أنه لن يبلغ منزلة اليقين والرضى حتى يعلم أن خيرة الله خير من خيرته لنفسه.

ثم ختمت الآية بالتعليل لهذه الجملة الأخيرة (إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ)

هنا يأتي جواب هذا الطاغي الباغي على قومه والعياذ بالله حتى جاءت بعبارة الحصر التي توحي بالنفسية الطاغية المتكبرة (قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي) ولم يقل جزء من هذا المال حصّلته بكدّي وتعبي، لا، كل هذا المال الذي ترونه إنما أوتيته على علم عندي. وقد قال بعض العلماء إن مراده بقوله (عَلَى عِلْمٍ عِندِي) أي أنني أُعلِمتُ من الله إلهاماً أو شيء من هذا، أن الله سبحانه وتعالى علّمني علماً استطعت أن أجمع به هذا المال، أن الله سبحانه وتعالى آتاني هذا المال وأني مستحقٌ له والمعنى الثاني ولعله الأقرب أنني بذلت ما بذلت وتعبت وفكرت وقدرت ونظرت حتى حصلت عليه بجهدي وكأنه يقول لا فضل لك يا رب ولا منّة لك يا رب. قال الله سبحانه وتعالى مبيناً عجزه الحسي والمعنوي (َوَلَمْ يَعْلَمْ) هذا الطاغي المتكبر (أوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا) وفي هذه الآية الكريمة إشارة إلى أن الإنسان إنما يطغى ليس حينما يكون غنياً ولكن حينما يستغني وهذا معنى قوله تعالى في سورة العلق (كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى (6) أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى (7) العلق) ولم يقل الله تعالى "أن رآه غنياً" لأن بعض الناس يظن (أن رآه استغنى) يعني صار غنياً، لا، الغنى ليس مذموماً بذاته كيف وبعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم كانوا من تجار الناس؟! إنما المعنى أنه إذا حصّل هذا المل استغنى به وارتفع وتكبر وتجبر فإذا وصل إلى هذه المرحلة هلك والعياذ بالله، إذا وصل إلى مرحلة الطغيان وإذا سنبل مثل هذا النوع من الناس أوشك زرعه أن يُحصَد ولهذا قال الله سبحانه وتعالى مبيناً سنته في الخلق (أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا) وهو هنا ادّعى ما عنده من قوة مادية وأشارت الآية إليه بعجز العصبة عن حمل المفاتح وأشارت أيضاً إلى كثرة ما جمع بهذه الآية الكريمة فلا هو أكثر منهم قوة ولا هو أكثر جمعاً ومع ذلك هلكوا وليست المسألة واحد ولا اثنين قرون طويلة متطاولة لكن إذا وصل الإنسان إلى مرحلة الطغيان عمي عن الاعتبار والعياذ بالله ولم يدّكر ولم يعتبر وانظروا إلى الطغاة الذين تساقطوا في السنوات الماضية ألم يعلموا مثلاً أن من سنة الله تعالى أن هذه الكراسي التي كانوا فيها قد سبقهم إليها أناس ولو دامت لن قبلهم لم يصلوا إليها لكن الإنسان إذا وصل إلى مرحلة من الطغيان والعياذ بالله عمي عن الاعتبار والادّكار ولهذا في مثل هذه المواضع إذا أنعم الله عليك دائماً اضرع إلى الله سبحانه وتعالى وانكسر بين يديه حامداً شاكراً مثنياً على الله سبحانه وتعالى الذي وهبك هذه النعم فإن الشكر موجبٌ للمزيد وحافظٌ للنعمة مشعرٌ بالقيام بالعبودية في هذا الملقام لأن زيادة النعمة ينبغي أن يقابلها زيادة الشكر قال الله تعالى في سورة ابراهيم (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (7)).

(وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ) وهنا سؤال: الله سبحانه وتعالى نفى السؤال هنا السؤال عن ذنوب المجرمين وفي مواضع أخرى من كتاب الله تبارك وتعالى أثبت الله تعالى السؤال فما هو الجمع بين هاتين الآيتين؟ والجواب عن ذلك أن يقال إن هؤلاء لا يُسألون سؤال تقرير وإنما يُسألون سؤال تقريع وتوبيخ وهذا كثير في القرآن الكريم.

ثم قال الله تبارك وتعالى مبيناً هذا الطغيان الذي كان يعيشه قارون (فَخَرَجَ) وهنا التعقيب بالفاء يشير والعياذ بالله إلى سرعة رد الفعل والطغيان الذي كان يعيشه حينما وُجه بهذه النصائح كأنه يقول سأُريكم أنتم لا تعرفون من أنا، فماذا صنع؟ لم يخرد بزينته العادية ولا بالألبهة المعتادة بل خرج على قومه قال الله تعالى (فِي زِينَتِهِ) وهذا التعبير بـ (في) التي تدل على الظرفية يشير إلى أن هذا الرجل خرج بأفضل زينته وبأفخر ما يملك من الثياب والخدم والحشم ليريهم دعواه التي ادّعاها قال الله تعالى (فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ) فكأن الزينة شيء أحاط به من كثرة ما تزيّن وتوشى بالألبسة والحُلل.

هنا انقسم الناس أمام هذا المنظر المهيب من مناظر الزينة كعادة الناس اليوم يرون رجلاً معه سيارة قيمتها ستمائة ألف وعليه من الثياب ما لو قُيّم لبلغ الآلآف وودخل قصراً لو قُيّم لبلغ الملايين، هنا تنقسم أنظار الناس أمام هذه المفاتن الدنيوية: أما القسم الأول وهم الأكثرون (قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ) لماذا؟ (إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) وهذا خليق بأهل الدنيا أن يقولوا ذلك. حينما وصفوا ما أوتيه بأنه حظ عظيم الذي جعلهم يقولون ذلك هو تعلّقهم بالدنيا وواضح أن الذين قالوا هذا المعنى كانوا يعيشون حالة من الفقر والبؤس أو تواضع الإمكانات كما يُقال، هذا القسم الأول من الناس وما أكثر هؤلاء الصنف.

أما الآخرون فإن الله تعالى لم يصفهم إلا بوصف واحد فقال (وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ) وهذه من أعظم بركات العلم (وَيْلَكُمْ) بمعنى ويحكم، يُنكرون عليهم (وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ (80)) وصدق الله عز وجل ثواب الله، ما يعده الله سبحانه وتعالى لأهل طاعته في الآخرة خير في العاجل وفي الآجل. أما في العاجل فبما يملأ الله سبحانه وتعالى به قلوبهم من اليقين والرضى والمحبة والأنس بطاعته سبحانه وتعالى ما تذوب وتصغر عنده لذّات الدنيا حتى قال بعضهم: إنه لتمر على القلب ساعات أقول فيها إن كان أهل الجنة فيما أنا فيه من النعيم إنهم لفي عيش طيب. ويقول أحدهم وهو يغطّ كسرة من الخبز يابسة في ماء البحر المالح: والله لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من النعيم لجاهدونا عليه بالسيوف. لكن هذه لا يدركها إلا من آمن وعمل صالحاً، ذاق طعم الإيمان. والله إن سجدة يفتح الله بها قلبك لمناجاته والتلذذ بدعائه والله إنها خير من الدنيا وما فيها وآية ترددها ينفتح لك قلبك ويرقّ لها فؤادك وتدمع لها عينك وتخشع معها جوارحك والله إنها خير من الدنيا وما فيها، ما الدليل؟ قال الله تبارك وتعالى (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ (58) يونس) قال ابن عباس وغيره من السلف، القرآن والإسلام فضل الله الإسلام ورحمته القرآن (فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ) وفي قرآءة سبعية أخرى (خير مما تجمعون) تصور ما يجمعه أهل الأرض كلهم أصحاب البنوك والعقارات والأصول والمراكب كله لا يعادل آية من كتاب الله عز وجل ولا يعادل لذة يجدها الإنسان وهو ساجد لله تعالى ولكن هذه نِعَم وقد يستبعدها أهل الدنيا ويقولون هذه مبالغات أنتم تقولون هذا لأنكم ما ذقتم طعم الغنى! لا، قالها من وفقه الله وجمع بين الأمرين واقرأ قصة سليمان عليه الصلاة والسلام حتى تعرف قيمة الدنيا عند أهل الآخرة مهما توسعت عليك. ثواب الله خير بهذين الشرطين (لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا). ثم قال تعالى (وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ) لأن الإنسان أمام بهارج الدنيا قلّ أن يصبر إلا من وفقه الله سبحانه وتعالى فبعض الناس ينهار أمام امرأة جميلة وبعضهم ينهار أمام صفقة مالية مغرية، برشوة، بصفقة ربوية، بسرقة، بغير ذلك من صور جذب المال (وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ) لا يمتنع عن هذه المباهج والمفاتن والزينة بصورها المحرّمة إلا من يصبر ويرجو ما عند الله سبحانه وتعالى ولهذا لما تمكن الرجل أحد الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة ما هزّه إلا كلمة حرّكت كل ساكن فيه "إتّق الله ولا تفضّ الخاتم إلا بحق" والثاني صبر على فتنة المال فردّ بدل شاة ردّ وادياً من الغنم وهذه لا يلقّاها إلا الصابرون ومن ابتي بهذه الفتن عرف معنى كلمة الصابرون هنا.

قال الله عز وجل مبيناً عاقبة هذا المتكبر (فَخَسَفْنَا بِهِ) والخسف نزول وشرخ في الأرض احتواه وابتلعه. ومن حكمة الله تعالى أنه لم تأتيه صاعقة من السماء ولم تأته ريح تقتله وإنما أراد الله عز وجل أن يبين ذلّه وخزيه فخسف به الأرض عقوبة له على تكبّره. ألم يكن قبل قليل يمشي عليها متبختراً مفتخراً بزينته؟! أراد الله عز وجل أن يريه خزيه وأن يريه الخسف الحقيقي يراه الناس الذين فتنتهم الدنيا يرونه كيف خُسف به فلم يستطع أحد أن يحول بينه وبين عقوبة الله عز وجل له. (فَخَسَفْنَا بِهِ) فقط؟ (فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ) حتى داره التي فتنت هؤلاء الناس خسف الله بها معه. وقد أخذ بعض أهل العلم من هذا معنى وهو أن الله سبحانه وتعالى رحم هؤلاء المفتونين وعاقب هذا الذي افتتن، فالذي انفتن تكبر وطغى بسبب هذا المال فذهب هو وما افتتن به. ومن رحمة الله أنه أعمى هذه المواد والأمور التي افتتن بها هذا الطاغية حتى لا يبقى في قلوبهم أيّ تعلق بهذه الأموال وإلا لو بقيت لربما تعلق بها الإنسان. وهذا يقودنا إلى نقطة وهي أن الإنسان إذا مرّ بحالة من البعد عن الله عز وجل وكان سبب البعد عن الله شيء من المال أو شيء من التحف أو أشياء معينة فينبغي له أن يعمّي بصره عنها، هنا شاهد وشاهد آخر أوضح في قصة موسى مع السامري فإنه لما جاء موسى عليه الصلاة والسلام ووجد أن بني إسرائيل قد عبدوا العجل والعجل صيغَ من ذهب لم يرض موسى عليه الصلاة والسلام أن تعاد صياغة العجل ويقول هذا ذهب يمكن أن نستفيد منه ونعيد صياغته ولو أن نجعله على شكل حُليّ تستفيد منه نساء بني إسرائيل أو نضعه في بيت المال، لم يفعل من ذلك شيئاً وإنما قطع العلائق مع هذا الذي عُبِد من دون الله تماماً فقال (وَانظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا (97) طه) ولهذا بعض التائبين يُخطئ حينما يبقي بعضاً من آثار حياة الغفلة كما يقال أو حياة البعد عن الله في بيته ويقول أتذكرها وأتذكر نعمة الله عليّ، نقول لا، اقطع العلائق تماماً. بعض الشباب احتفظ ببعض الصور والذكريات القديمة بينه وبين أصدقائه ويقول أتركها ويمكن أن أتذكر فضل الله. وبعض الذين تابوا من الغناء أبقى العود عنده وتمر الأيام ويعود مرة أخرى لأنه بدل أن تنقطع ذاكرته كلما رأى هذا المشهد أو هذه الصورة ذكّرته بمجالس المُنكَر التي كان يجلسها مع أصدقائه. فيا أيها التائب ويا أيتها التائبة اِقطعوا العلائق بالماضي تماماً حتى الأصدقاء الذين تتردد عليهم لست ملزماً بالبداية أن تتردد عليهم وتقول إني أريد أن أدعوهم، لا، اِجعل غيرك يأتي إليهم حتى تثبت قدمك على طريق الاستقامة ثم بعد ذلك يمكنك أن تسلك طرقاً أخرى في دعوتهم.

قال الله عز وجل مبيناً عجزه أيضاً (فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ) لا خدم ولا حشم ولا جند (وَمَا كَانَ مِنَ المُنتَصِرِينَ) بل كان من المخذولين. ثم قال الله (وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ) (وي) كلمة تندّم في هذا المقام (وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ) الله تعالى يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب أما الآخرة فلا يعطيها الله إلا لمن يحب. الله تعالى أعطى سبأ من الآيات والنعم شيئاً عظيماً فلما كفروا عوقبوا (ذَٰلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا ۖ وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ (17) سبأ) وهنا هذا الرجل بسط الله عز وجل الرزق لكنه لم يشكر والله سبحانه وتعالى يقدر أي يضيّق الرزق على بعض العباد وأنت إذا تأملت في حال عامة أولياء الله وعلى راسهم الأنبياء والصالحون وجدت أن أقل الناس حظاً من الدنيا وما ذاك إلا لأن الدنيا لا تساوي عند الله جناح بعوضة، ولو كانت تساوي عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافراً شربة ماء. لكنها لا تساوي شيئاً عند الله لأنها دار ممر لا دار مقرّ (لَوْلَا أَن مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا) وهذا من الإعلان بالتوبة والندم من هذه الفئة (وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ) وهذا دليل على أن قارون لم يكن مجرد مسلم متكبّر بل وصل به الطغيان إلى حد الكفر وإلا لو تأملت سياق القصة ما وجدت فيها كلمة صريحة بالكفر لكن ما قام في قلبه واضح أنه بلغ مرحلة الكفر بالاستغناء عن الله عز وجل وكفر نعمته وجحود واهبها سبحانه وتعالى فأدّى به ذلك إلى الكفر.

ثم ختمت هذه الآيات وهي خاتمة هذه القصة لكن من العلماء من يرى أن الآية التي بعدها تعقيب عليها - ولا بأس أن نشير إليها باختصار حتى نختم الحديث - قال الله تعالى (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا) لا يدخل الجنة كما قال صلى الله عليه وسلم من كان في قلبه مثقال ذرة من كِبر، فما ظنك بالذي تلبّس بالكِبر من شاش رأسه إلى أخمص قدمه؟! سحقاً للمتكبرين! لهوانهم على الله يُجمعون يوم القيامة كأمثال الذرّ يطؤهم الناس. وأنت إذا تأملت القرآن وجدت أن أصول الكفر التي ذكرها الله تعالى تعود إلى أصلين: التكذيب والإعراض، والإعراض هو الكِبر قال الله تعالى (لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (15) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (16) الليل) فهو لكبره والعياذ بالله يترجم هذا التكذيب بالخصلة الثانية وهي خصلة الكبر.

من الدروس والعِبَر غير ما تقدم أن من بطّأ به عمله لم يُسرع به نسبه فقارون كان من قوم موسى، كان ابن عمه لكن الأديان لا تعترف بالقرابات إنما تعترف بالولاية لله سبحانه وتعالى.

وفي هذا أيضاً أنه ما حُفظت النعم بمثل شكر مُنعمها سبحانه وتعالى ويكون الشكر بالأركان الثلاث كما قال الشاعر:

أفادتكم النعماء مني ثلاثة              يدي ولساني والضمير المحجّبا

فيكون الشكر بالقلب ويكون الشكر باللسان ويكون الشكر بالعمل وهو أعظم كما قال تعالى ( اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (13) سبأ)

أخيراً من العبر في هذه القصة أن العلماء العاملين هم صمام الأمان بإذن الله تعالى لأقوامهم ولأمتهم وهم أعظم النَصَحة للأمة وللشعوب وللحُكام، هم أعظم النصحة فيجب على العلماء أن يؤدوا واجبهم كما أن على الناس أن يعرفوا مقدارهم وأن يعرفوا عظيم نصيحتهم وعظيم صدقهم فيما يؤدونه من رسالات وبلاغ. وفي هذا إشارة كما في الآية بل فيها صراحة على بركة العلم وأثره في النجاة من عقوبات الدنيا قبل عقوبات الآخرة ولهذا في سورة النحل ذكر الله تعالى مشهداً من مشاهد القيامة فقال الله تعالى (قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ (27) النحل) يعني يوم القيامة (وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ).

لعلي أختم بهذه القصة سألت شيخنا ابن عثيمين رحمه الله مرة وقلت يا شيخنا هل

التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل