دروس وعِبَر من قصة سبأ - د. عمر المقبل

دروس وعبر من قصة سبأ - د. عمر المقبل

(تفريغ موقع إسلاميات حصريًا)

عندما لا يذكر القرآن تفاصيل في القصص فهذا يدل على أنه لا حاجة لمعرفته.

اختيار قصة سبأ لسبب مهم وهو أن الخير الذي عاشت فيه مملكة سبأ التي ذهبت في غابر التاريخ وكان مقرّها اليمن بل قال بعضهم سبأ هي صنعاء وهي من أقدم العواصم في الدنيا.

اختيارها لوجود تشابه بين ما كانوا عليه وبين ما نحن عليه من نعم تترى، يُجبى إلينا ثمرات كل شيء ونجد أنه يُتخطف الناس من حولها، نحن نعيش في نعم ما إن لم نشكرها فإنه يُخشى علينا من عواقبها ومآل عدم شكران النعم

يجب للمتأمل أن يتدبر سبب ورود قصة سبأ في هذه السورة العظيمة

ما دلالة تسمية السورة باسم هذه القصة؟ السور خصوصاً تلك التي ليس لها إلا اسم واحد ومنها سورة سبأ هذه لا شك أنها تبعث على التأمل، ما سر اختيار هذا الاسم للسورة؟ سورة البقرة على سبيل المثال لها أكثر من اسم لكنها سميت سورة البقرة فما دلالة اختيار هذا الاسم ليكون علماً على أطول سورة في القرآن ومن أعظم سور القرآن؟ ذلك لرسالة ينبغي أن تفهمها الأمة وهي أن لا يسلكوا طريق أصحاب البقرة الذين لما جاءهم الأمر من الله تلكأوا فيه وأصبحوا يسألون تفاصيل لا مبرر لها. رسالة للأمة إذا جاءكم أمر من الله افعلوه مباشرة لا تتلكأوا ولذلك قال تعالى في خاتمة السورة (آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ﴿٢٨٥﴾) هذا من فضائل هذه الأمة على عكس بني إسرائيل الذين عاني موسة عليه السىلام منهم ما عانى.

كون سورة سبأ ليس لها إلا هذا الاسم يجعلنا نتفكر أن هذه القصة تشكل العمود الفقري، الرسالة القوية التي ينبغي أن يعيها المؤمن من خلال السورة.

مقصود السورة وموضوعها العام الذي يشملها من أولها لآخرها: من تدبر السورة ولاحظ مفتتحها ومختتمها وجد أنها تتحدث عن معنى وهو قدرة الله عز وجل على تبديل الأمور من حال إلى حال، من حال الرخاء إلى حال الشدة والعكس. وذكر الله عز وجل فيها نموذجين: نموذج العبد الشاكر ونموذج الأمة الكافرة وكيف آل أمر هذا وأمر هؤلاء. أناس على حال من النعمة بدّل الله تعالى عليهم لما بدّلوا، وعبد صالح وهو داوود عليه السلام شكر فأنعم الله عز وجل عليه من أنواع النعم ومنها أن يكون له ولد من صلبه ويكون نبياً ووهبه الله عز وجل ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده.

هذه القصة جاءت في العهد المكي وهي رسالة لأهل مكة الذين قيل لهم (وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا ۖ فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا ۖ وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ (58) القصص) (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ ۚ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ (67) العنكوت) رسالة لأهل مكة ولكل قرية أو دولة أو مملكة من بلاد الدنيا لا تستقيم على أمر الله، المصير واحد والسُنّة الإلهية لا تحابي أحداً ولا تجامل أحداً، فهي رسالة واضحة لأهل مكة إن لم تفعلوا فمصيركم سيكون كمصير مملكة سبأ.

سبأ هي قبيلة نسبت إلى رجل من العرب تكاثرت ذريته فكانوا عدة قبائل منها حِميَر لكن كان من شأنهم أن الله عز وجل أرغد عليهم. سكنوا بين واديين عظيمين وكانت السيول تأتيهم من كل جهة فعملوا ردماً حتى يستطيعوا أن ينتفعوا بهذه السيول في كل وقت من العام حتى قال بعض المؤرخين أنهم وضعوا في السد ثلاثة أبواب فإذا فاض الماء جداً فتحوا الباب الأول فإذا نقص الماء فتحوا الباب الثاني إلى الباب الثالث. وكانوا بزعمهم أنهم أحكموا السد إحكاماً شديداً ليستمر ما هم فيه من نعم وترف. وكان من شأن مملكة سبأ كما قال تعالى (لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آَيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ).

يأتي التوجيه الرباني (كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ) وأضيف الرزق إلى صفة الربوبية لأن هذا من آثار ربوبيته عز وجل ولم يقل كلوا من رزق الله إشارة إلى منّته عز وجل عليهم.

لما أمرهم بأكل الرزق أمرهم بالشكر (وَاشْكُرُوا لَهُ) لو نظرنا إلى قول الله تعالى في قصة داوود (اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْرًا) وقال (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ) داوود وأهل بيته

(بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ) الطيبة هنا تعود إلى طيب الطبيعة التي عاشوا فيها ولا تعود عليهم لأنهم لو كانوا طيبين ما استحقوا العذاب.

(وَرَبٌّ غَفُورٌ) اِلتمس العلماء حكمة بختم الآية بهذا الاسم العظيم (وَرَبٌّ غَفُورٌ ﴿١٥﴾) الله عز وجل إذا قست ما أنعم به من النعم على ما يأتي من عباده من الشكر فلا مقارنة (وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا (34) النحل) فضلاً عن أن تقدروا على شكرها!. ومع ذلك فربنا عز وجل غفور وربنا عز وجل شكور يقبل من عباده أن يأتوا بالواجبات ويتركوا المحرّمات، فهو عز وجل مع كثرة إنعامه وإفضاله فإنه عز وجل يرضى من عباده بالقليل. ومع ذلك أدرك هذه القرية الخذلان حينما كفرت بنعم الله عز وجل ويقال إنه جاءهم عدد من الأنبياء فاستعلنوا بالمعاضي وكفروا نعمة الله عز وجل

(فَأَعْرَضُوا) وهذا أحد الأصلين الكبيرين في تكذيب جميع الأمم، الأصل الأول الإعراض والأصل الثاني هو التكذيب وهذا كثير جداً قال تعالى في سورة الليل (لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى ﴿١٥﴾ الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى ﴿١٦﴾ الليل) جمعت أصلي الكفر عند الأمم.

(فَأَرْسَلْنَا) وفي إبراز سبب الكفر حكمة ينبغي أن ننتبه لها وهي أن الله لا يظلم الناس شيئاً، عذّبهم بما كسبت أيديهم. إذا أردت أن تعاقب أحداً فبيّله سبب العقوبة حتى لا يظن أنك ظلمته أو بهته. والله سبحانه وتعالى لو عذّب لا يعذّب إلا من يستحق ومع هذا يُبرز لنا الله عز وجل في هذه القصة أكثر من سبب من أسباب تعذيبهم (فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ)

(فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ) لما بنوا السد أراد الله عز وجل أن يبيّن هشاشة ما بنوا فأرسل على أصل السد فأرة نقبت هذا السد ولهذا يشتهر المثل السائد: ّثقبٌ في سد مأرب" ويشار به إلى عدم الاستهانة بالذنب الصغير أو العمل الصغير الذي قد يتطور إلى هدم سد وإغراق بلد كامل. بعض الذنوب إذا استعلنت ولم تُنكر فإن عاقبتها قد تكون وخيمة جداً.

أرسل الله عز وجل السيل العرم الذي أتى على بيوتهم وثمارهم وأنهارهم وكل النعم التي كانوا فيها فاقتلعت الأشجار وفسدت الثمار وطمرت الأنهار وحصل من الفساد شيء لا يخطر لهم على بال.

قال سبحانه وتعالى (وَبَدَّلْنَاهُمْ) وهذه عقوبة لكن الله تعالى لا يعاقب إلا بعد قيام الحُجة (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (28) إبراهيم) لما بدّلوا بُدل عليهم، بدلوا الشكر بالكفر، بدلوا الإقبال بالإعراض، بدلوا الطاعة بالمعصية، بدلوا الإيمان بالكفر والتكذيب فبُدلت حياتهم. وهذه لا تقتصر على هؤلاء القوم والبعض يعتقد أن عقوبة الله تعالى محصورة في أشياء حسّية يراها الناس كهدم أو غرق، عقوبات الله تتنوع أحياناً قد تأتي عقوبات تستنزف اقتصاد الناس، تأتي عقوبات بأن يسلّط الله بعض الناس على بعض، تأتي عقوبات أخرى كثيرة تُشغل الناس بعضهم ببعض وتشغل الحكومات والدول حنى تتراكم المشاكل على بعضها لا تخطر لهم على بال أنها وصلت إلى هذه المرحلة وإذا فتّشت وإذا هي ذنوب على ذنوب ومعاصي على معاصي ومنكرات لم تُنكر ومعروف لم يؤمر به حتى يأتي أمر الله وتحق عليهم السُنن، قال الله عز وجل (وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَىٰ إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ (59) القصص) وقال عز وجل (وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (16) الإسراء) والتدمير قد يأتي بالصورة التي وقعت لسبأ وقد يأتي بالتدمير الاقتصادي وقد يأتي بالتدمير النفسي وقد يسلّط على الناس من سوى أنفسهم عدواً يستبيح بيضتهم فليحذر الإنسان ولا يأمن مكر الله (فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (99) الأعراف)

قال عز وجل (وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ ﴿١٦﴾) جزاء وفاقاً وكلها أشجار كريهة الرائحة لا يُنتفع بها كما قال جاء في كلام المفسرين. بدل أن كانت تلك الأودية والقرى فيها من أنواع الثمار ما الله به عليم حتى قال الحسن البصري: إن المرأة تخرج ومعها مغزلها وتحمل فوق رأسها المكتل فلا تحتاج أن تقطف الثمار، فقط وهي تمر في الأودية ومشغولة بمغزلها يمتلئ المكتل من كثرة ما يسقط فيه من الثمار والنعم. فلما بدلوا بُدل عليهم. وهذا كما يكون على مستوى الأمم فهو كذلك على مستوى الأفراد ولهذا نلحظ في القصة نموذجاً للعبد الشاكر، والأسرة الشاكرة (داوود وآله) وأمة كافرة (قوم سبأ). العبد نفسه إذا بدّل بدّل الله عليه، كم من الصالحين والأخيار والأفاضل كان يعيش لذّة مناجاة الله عز وجل، كان يعيش لذّة القرآن الكريم وتدبره، كان يعيش لذّة الصيام، لذة القيام بالليل، لذة البكاء من خشية الله فلم يشكر هذه النعمة، كيف؟ بدأ يُطلق بصره مثلاً فيما حرّمه الله عز وجل أو بدأ يُطلق لسانه في أعراض الناس وبدأ ينتقصهم ويذكر عيوبهم فيعاقبه الله من حيث لا يشعر، تخبو جذوة الإيمان في قلبه شيئاً فشيئاً حتى يُحرم من هذه النعم، هذا من أعظم ما يكون من العقوبات حتى يقسو قلبه ولا يكاد يعتبر بشيء، نسأل الله العافية والسلامة. فلينتبه العبد أنا كما يكون الكلام عن الأمم والجماعات نستفيد منه فيما يتعلق بالأفراد والله تعالى يقول (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ (11) الرعد) وهذه كما تكون في الأقوام فكذلك تكون في الأفراد فمن غيّر غيّر الله عز وجل عليه ولا يظلم ربك أحداً.

(ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا) يعود التذكير بسبب العقوبة حتى يعتبر الناس. وهنا تعليل آخر لمجريات سنة الله عز وجل عليهم والباء المتصلة (بما) سببية أي بسبب كفرهم وأغلب آيات القرآن تبين أن هلاك القرى إنما هو بالظلم إلا في هذه الآية فقد بينت أن سبب هلاكها هو الكفر فإذا اجتمع في أمة أو جماعة الظلم والكفر فقد استجمعوا أسباب الهلاك. وقد يُهلك الله تعالى القرى بالظلم ولو لم تكن تعلن الكفر والعكس كذلك قد يُهلك الله تعالى الأمم بالكفر وإن لم تعلن الظلم لكن يقرر شيخ الاسلام اين تيمية قاعدة أن الهلاك بالظلم أعمّ وأشمل من الهلاك بالكفر وذكر كلمته المشهورة: إن الله تعالى قد ينصر الدولة الكافرة إذا كانت عادلة وقد يُهلك الله الدولة الظالمة ولو كانت مسلمة تدين بالإسلام لكن ينتشر فيها الظلم ويفشو فيها فشوا عظيماً فهذا مؤذن بالعقوبة (وَتِلْكَ الْقُرَىٰ أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا (59) الكهف)

الناس الذين يمارسون الظلم في محيطهم الصغير كذلك، أب يتسلط على أبنائه، زوج على زوجته، رجل يتولى رعاية ايتام فيظلمهم، مدرس يظلم الطلاب الذين تحت يده، مدير دائرة يظلم الموظفين الذين تحت يده لا يعاملهم بالعدل فهذا مؤذن بسلب نعمة الله عز وجل عليه فالسنن تمضي وربك لا يظلم أحداً.

قال سبحانه وتعالى (وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ ﴿١٧﴾) استفهام يريد الله سبحانه وتعالى منه أن نعتبر ليقرر لنا هذه الحقيقة وفي قرآءة (وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ ﴿١٧﴾) لا يجازى إلا من كفر نعمة الله سبحانه وتعالى

ثم قال الله عز وجل مبيناً شيئاً من سيرة هذه الدولة (وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً) والمعنى أنهم كانت بين هذه القرى مسافات ظاهرة، بعض العلماء يقول ظاهرة أي بارزة وبعضهم يقول معروفة وكلا المعنيين صحيح فهي مرتفعة بارزة وهي معروفة حتى قالوا إن الإنسان منهم إذا سافر لم يحتج أن يتزوّد. وقيل يمشي مسافة قليلة ثم يقف.

 

 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل