تفسير سورة الهمزة - د. عويض العطوي

سورة الهمزة - د. عويض العطوي

(تفريغ موقع إسلاميات حصرياً)

موضوع السورة: الغرور بالمال وما ينتج عنه من أخلاق أو ما ينبني عليه من عقاب

مناسبة السورة لما قبلها:

من حيث موضوع السورتين: موضوع سورة العصر السابقة كان عن بيان منهج الربح والخسارة، الحكم العام بالخسارة ومنهج الخروج من الخسارة، وسورة الهمزة تتحدث عن المال بشكل خاص وكأننا دخلنا من العموم العام في قضية الحكم بالخسارة إلى تخصيص سبب كبير من أسباب هذه الخسارة وهو الاغترار بالمال فإنه من أعظم ما يؤول بالإنسان إلى الخسارة.

من حيث الموضوع الرئيس أيضاً: إذا كانت سورة العصر قد تركز الحديث فيها على صفات الناجين وهي الصفات الأربع: الذين آمنوا، وعملوا الصالحات، وتواصوا بالحق، وتواصوا بالصبر، إذا كانت هذه السورة تركزت المعاني فيها في صفات الناجين فإن سورة الهمزة قد تركز الأمر فيها على صفات الخاسرين إلى حدّ معين ولذلك نلاحظ كثرة الصفات الواردة في السورة (همزة، لمزة، جمع مالاً، وعدّده) وما بعدها من الصفات.

من حيث آخر السورة مع مطلع السورة: ختمت سورة العصر بقوله تعالى (وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر) بمعنى أنها انتهت بصفات الناجين وآخرها الصبر وأقوى ما يمكن أن يصبر عنه الإنسان هو المال ولذلك المال هو أخطر شيء يمكن أن يؤول بالإنسان إلى الانحراف ولذلك ليس له إلا منهج واحد يمكن أن يسيطر فيه على المال ألا وهو إنفاقه فإذا استطاع أن ينفق المال بدأ هو يتحكم في المال وإذا بدأ يعدده ويجمعه بدأ المال هو الذي يسيطر. ولذلك المال من أكبر أسباب الانتكاسة وقد يكون إنساناً صالحاً وطيباً وأموره جيدة لكن مجرد أن يدخل في تجارات وتكثر أمواله (إن الإنسان ليطغى* أن رآه استغنى) بمعنى ما تحققت عنه صفة الطغيان والتكبر إلا لما صار عنده مال ولذلك يجب على المسلم أن ينظر للمال من هذا المنظار: المال خطر، والنبي صلى الله عليه وسلم لما رأى الصحابة يتجمعون بعد أن جاءت غنائم البحرين قال: على رسلكم والله ما الفقر أخشى عليكم ولكني أخشى أن تُفتح الدنيا عليكم فتنافسوها كما تنافسوها وتهلكهم كما أهلكتهم. إذن الخطورة في الغنى أكثر من الخطورة في الفقر، إذن المنهج الوحيد فيه هو إنفاقه، العطاء. فلما انتهت سورة العصر بالتواصي بالحق والتواصي بالصبر افتتحت سورة الهمزة بما يدل على عكس التواصي ألا وهي الأخلاق التي تتسبب في شحناء الناس وبغضهم لبعضهم. التواصي يدل على المودة، أوصيك وتوصيني، أقف معك وتقف معي أما الهمزة اللمزة وتسخير المال في التعالي على الناس وتفريق الناس فكأن سورة العصر ذكرت الأخلاق الطيبة التي تجمع وسورة الهمزة بدأت بالأخلاق التي تفرّق.

بدأت سورة العصر بكلمة (والعصر) الذي هو الزمن ثم ذكر بعد ذلك الخسران فبدأت بقسم على خسارة وبدأت سورة الهمزة بوعيد مع صفات ومعلوم أن الصفات التي ذكرت همزة ولمزة علّلها الله تعالى بعد ذلك بسبب، صار الإنسان همزة لمزة لأنه عنده مال فرأى نفسه كبيراً على الناس فبدأ يهمز هذا ويلمز هذا ويتعالى على الناس فكأن السبب الرئيس في وقوعه بهذه الصفات وهو تعاليه وسبب التعالي هو المال. وأيضاً ذكر الله تعالى لهذا المال صفة خاصة وهو أنه جمعه (الذي جمعه) وفي بعض القرآءات (جمّعه) بمعنى اشغل عمره كله في قضية جمع المال وتعداده وحسابه بدليل أنه ظنّ أن هذا المال سيخلده. هذه الصفات كلها تعني أن هذا الإنسان استغرق عمره كله في جمع المال وهنا (والعصر إن الإنسان لفي خسر) أي إذا استغرق الإنسان عمره كله في الملهاة وفي ملذات الدنيا فهو خاسر فناسب القَسَم هنا الموضوع هناك.

مناسبة مطلع السورة لخاتمتها:

بدأت السورة بكلمة (ويل) وهي كلمة تدل على وعيد شديد وحدد هذا الويل بالهمزة واللمزة وهما صفتان بهذه الصياغة تدلان على وجوبهما في صاحبهما وتكرارهما بمعنى أنها ليست صفة عارضة حصلت مرة واحدة بل هي صفة دائمة متعددة في هذا الإنسان. وجاءت خاتمة السورة بالنار المؤصدة التي في عمد ممددة. إذا كان الإنسان يخاف من النار فإن المخرج الوحيد هو الهروب منها، يقول تعالى في أول السورة (ويل) وعيد لكن لا يُتخيل ذلك الوعيد. السورة بدأت بالوعيد وهذا الوعيد تحقق في الكلمات الأخيرة من السورة فكأن هنا تشويق أو بيان لويل سيأتي وهناك تفصيل لهذا الويل الذي ذكر في قول الله تعالى (نار الله الموقدة* التي تطلع على الأفئدة* إنها عليهم مؤصدة* في عمد ممددة) هذه الصفات الأخيرة هي تفصيل لكلمة (ويل).

ما مناسبة (ويل) كتهديد كبير وعظيم؟ لأنها ذُكرت مع النار والمخرج من النار هو الهروب منها ولكن هذه النار مؤصدة أي مغلقة على أصحابها فهي ليست نار يمكن الهروب منها ولذلك جاء الوعيد في أول السورة. أيضاً بدأت بـ (ويل) رغم أنها سورة قصيرة ثم جاء وصف الويل هذا بأنه نار وربما تكون هذه السورة على قصرها تكون من أشد السور إظهاراً لقوة وشناعة وحرق النار من الأوصاف التي ذُكرت لها في السورة.

(ويل) كلمة ويل جاءت في القرآن في عدة مواضع ليست كثيرة لكن لم ترد في القرآن في مفتتح السور إلا في سورتين: هذه السورة وسورة المطففين. والعجيب أن هناك رابطاً بين هاتين السورتين وهو المال: هنا وعيد شديد على المال وكيف أن صاحب المال استثمره في مضايقة الآخرين وازدرائهم والتكبر عليهم وهناك في أخذ حقوق الناس وأكلها في التطفيف في الميزان والمكيال. إذا افتتحت في القرآن سورتين بالوعيد الشديد بكلمة (ويل) وكان الموضوع متحداً وهو المال فمعناه أن المال خطر ولذلك يجب أن يكون المال في يد الإنسان وحتى تسيطر على المال عوِّد نفسك على الإنفاق. في مقابل هذا الوعيد الشديد ما ذكر الله شيئاً بصفات متعددة متنوعة كما ذكر الإنفاق وهو من أكثر الموضوعات في القرآن. حبس المال عليه وعيد شديد والطغيان بسبب المال عليه وعيد شديد فلينتبه الإنسان إذا أراد أن يعيش في علاقة صحيحة مع هذا المال عليه أن ينفق لا أن يكنز ويكنز، عوِّد نفسك على الإنفاق ولو قليلاً حتى تخرج من الخوف أن يحصل معك ما ذكر في السورتين.

الله سبحانه وتعالى لما ذكر كلمة (ويل) ربما يتساءل متسائل أو يتحرك في الذهن سؤال: لمن هذا الوعيد يا رب؟ فقال: (لكل همزة لمزة) دخول كلمة (كل) الدالة على العموم يبعد القول أن لها سبباً خاصاً في النزول ولذلك بعض المفسرين يقول نزلت في فلان الوليد بن المغيرة أو العاص بن وائل أو غيره والصحيح أنه لم يرد أنها نزلت في أحد من الناس بل الصحيح أنه ويل لكل همزة لمزة معناه هذا وصف عام يدخل فيه كل من هذه صفاته وليست محددة بشخص ولا بزمن ولا بغيره.

من المعلومات العامة أن كلمة (ويل) الواردة في القرآن كلها للكفار إلا في هذين الموضعين سورة الهمزة والمطففين لأنه يمكن أن يكون المخاطب بها مؤمن على عكس باقي السور (ويل للمكذبين) هذه المخاطب بها الكفار من أصل سياق الآيات إلا في هذين الموضعين فلا يعتقد أحد أنه بعيد عن هذا فقد يطاله هذا الوصف.

(لكل همزة لمزة) ذكر الله سبحانه وتعالى صفتين من الصفات الواردة لو جمعناها مع صفات المال الواردة بعدها مع اعتقاد هذا الإنسان وجدنا أننا أمام بيان واضح عن سبب خسارة هذا الإنسان: أولاً (همزة) الصفة الأولى همزة والثانية لمزة بدأ الله سبحانه وتعالى السورة بهاتين الصفتين وهما على وزن (فُعَلة) بينما جاءت في مواطن أخرى (همّاز) على صيغة (فعّال) وفرق بين همّاز وهمزة. همّاز صيغة مبالغة لكن الهمزة أكثر مبالغة من همّاز. صيغ المبالغة تعني مثلاً الفعل همز إذا الإنسان همز مرة واحدة نستعمل اسم الفاعل فنقول هامز وإذا كرر الفعل نقول همّاز وإذا كان يكرره عشرات وعشرات المرات فزادت عن المبالغة الطبيعية الأولى يستخدم صيغ مبالغة أكثر دلالة مثل فُعَلة (همزة) لما نقول فلان ضُحَكة يعني يُضحك الناس وضُحْكة يعني الناس يضحكون منه أو يضحكون عليه. فدلّ ذلك على أن الصفة التي معنا هي أعلة صفة المبالغة لاتصاف هذا الإنسان بهاتين الصفتين ولأجل هذا جاء الوعيد الشديد عليها ولم يأت الوعيد بهذا القدر مع (هماز مشاء بنميم) فهنا غاية المبالغة فكأنها صيغة المبالغة هماز مع هماز مع هماز فصارت صيغة المبالغة هُمزة فأصبخت صفته المميزة. وصيغة فُعلة تدل على التتابع والتتالي فهذا شيء متكرر ومستمر ودائم معه وليس خُلُقاً حاصلاً مرة أو مرتين. وهمزة ولمزة خُلُقان يتعلقان بمعاملة الناس للآخرين وازدرائه لهم واحتقاره لهم إما بالهمز أو باللمز. واختلفوا في قضية الهمز واللمز بعضهم قال الهمز باليد أو بالشيء المحسوس واللمز باللسان وبعضهم قال الهمز يدخل فيه المحسوسات سواء كان بلسانه أو بعينه أو بكتابته أو بإشارته هذا كله يدخل في الهمز بينما اللمز هو بما يخفى بمعنى لا يظهر فيه الذمّ الواضح ولكنه في داخله يُشعره بهذا ولهذا يقول الله سبحانه وتعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ (11) الحجرات) قالوا اللمز أن تقول كلاماً ظاهره ليس فيه عيب وداخله فيه عيب. قد يكون منطوق الكلام ليس فيه شيء لكن مفهومه فيه شيء وراء النص ووراء الظاهر فإذا فهم الناس منه كلاماً معيباً فهو من اللمز. اللمز فيما خفي والهمز فيما ظهر وبعضهم قال القضية غير متعلقة بالفعل وإنما متعلقة بالمهموز أو الملموز فإن كان حاضراً فهذا هو الهمز وإن كان غائباً فهذا هو اللمز وهذا يتسق مع المعنى. هذه التفصيلات لا تخرج الفكرة عن مدارها الأصلي وهو أن هذا الإنسان يتعمد أن يؤذي الآخرين بكلماته أو بإشاراته. ومن يفعل هذا فليُبشر بأنه لن تكون له علاقات بين الناس، سيكون من أكثر الناس بعداً وكراهية في قلوب الناس لأنه مهما كانت منزلته سيكون محتَقراً في قلوب الناس لأن القضية قضية أن أي إنسان إذا احترمته احترمك وإذا احتقرته احتقرك حتى لو كنت أعلى منه منزلة، هذا لا يهم، هذه قاعدة عامة: تريد أن يقدّرك الناس قدّرهم وإذا أردت أن تحصل على العكس فافعل العكس

من أين نتج هذا الخُلُق السيء؟ هذه الصفات الذميمة الشنيعة التي لا يتصف بها إلا ذميم الأخلاق ربما يسأل سائل ما الذي أوصله إلى هذا؟ جاء الجواب بعدها (الذي جمع مالاً وعدده) فعرّفه بالاسم الموصول وكأنه مثل التعليل للصفات السابقة والذي أوصله لهاتين الصفتين الذميمتين هو حصوله على المال والتهاؤه به واستغناؤه به فأصبح لا يرى الناس شيئاً وبما أنه لا يرى الناس شيئاً سيتحدث عن أعراضهم وينتقصهم علانية أو غياباً في حضورهم أو غيابهم. بما أن الله سبحانه وتعالى ذكر هاتين الصفتين المذمومتين في أول الصفات المذمومة في من هذه صفته وجعل بعد (ويل) مباشرة هذا يدلنا على أن أذى الناس من أخطر الأعمال ومن أسوئها ومما يجب التنبه عليه لأن البعض يهتم بقضايا ويترك قضايا فتجده قد يهتم بالعبادات والأحكام العامة لكنه لا يرى بأساً في ذمّ الناس واحتقارهم والحديث في أعراضهم ولومهم وانتقاصهم. تجد بعض الشباب يجلسون وينتقدون عالماً من العلماء وهو لا يفقه شيئاً عن حياة هذا العالم وينتقصه وكأنه أعلى منه بل تسمع عبارات تستغرب أن تقال ولا يستطيع هو أن يقولها لزميله ويستحي منه ولا يستحي من رجل له فضل على الأمة وعلى الناس، هذه خطورة! إذا بدأت ترفع نفسك ولكن ليس بالطريقة المشروعة وإنما بطريق إنقاص الآخرين فتحطّمهم فترتفع في عيون أتباعك ومن يسمعون كلامك على الأقل فأنت ترفع نفسك لكن ليس بالطريقة المشروعة وإنما بطريق تحطيم وإنقاص الآخرين وعلى أكتاف الآخرين وهذا خطأ ليس بالضرورة إن أردت أن أصل إلى منزلة معينة أن أحطّم الناس أو أن أزيلهم من طريقي! فالله سبحانه وتعالى خلق الكون واسعاً وفيه خيرات كثيرة فلا تشغل بهذه المنافسات إنما اطلب الخير لك وللآخرين وكن محباً الخير لنفسك وللآخرين ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم يقول: لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحبه لنفسه. هذا مبدأ كبير لو أننا حاكمنا أنفسنا عليه لرسبنا في مواقع كثيرة! هذا هو الإيمان، له مقاييس ومحددات نغفل عنها ولا نشعر بها لذا لا بد من الاهتمام بعلاقاتنا مع الآخرين، لا يصل للآخرين أذى بسببنا من كلامنا من حركاتنا من سلوكياتنا بل نكون دائماً ننتج الخير ولا ننتج الشر.

(الذي جمع مالاً وعدده) عرّفه الله سبحانه وتعالى أنه جمع ماله وفي قرآءة صحيحة (جمّع ماله) والقرآءة الثانية تدل على أنه أكثر في جمع المال لأن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى والقرآءتان صحيحتان. فالقضية الرئيسية التي ذكرها الله تعالى لهذا الرجل والممارسة التي مارسها في حياته هو أنه يجمع المال. والمال هو اسم لكل ما يكتسبه الإنسان فهو عند أهل البادية يسمى بهيمة الأنعام وعند أهل الزراعة في الزراعة والثمر وعند أهل المدن ممثل في النقود فالمال شيء عام وأحياناً يدخل فيه أمور كثيرة لا يستطيع الإنسان أن يعددها لأنها تختلف من مصر إلى مصر ومن إنسان إلى إنسان ومن زمن إلى زمن فكل ما يكتسبه الإنسان يعدّ مالاً.

(الذي جمع مالاً وعدده) قوله (وعدده) إما أن يكون المقصود أنه من التعديد بمعنى أنه نوّع فهو عنده مال من بهيمة الأنعام وعنده مال من النقود وعنده مال من الزروع ويمكن أن يكون مالاً واحداً وقسّمه كما نرى بعض الناس يفتح مؤسسات ثم تنفصل إلى مؤسسات ذات أنشطة كثيرة ومتعددة. إذا كان الإنسان قام بهذا المال على ما يرضي الله فهو خير "نعم المال الصالح للعبد الصالح" لا خير في هذا المال إلا من قام به هكذا وهكذا وهكذا (وأشار النبي صلى الله عليه وسلم عن يمينه وعن شماله والمقصود أنفقه في وجوه الخير. فكلما زاد المال المفترض أن يزيد الإنفاق لكن العكس موجود عند الناس كلما زاد الرصيد قلّ الإنفاق وكلما عظمت الزكاة ربما دخل الشيطان وربما جعله لا يطيق الزكاة لأنه أصبحت الزكاة مثلاً عشرين مليون! لكن هذا المبلغ هو زكاة مال ضخم جداً! وبالتالي كلما كثر المال صعب على الإنسان أن ينفق منه. فقد يكون هذا معنى عدده وربما يكون عدده يعني حسبه وهو من حرصه عليه يحسبه كل مرة يعدّه ويحسبه وهذه طبيعة الإنسان إذا كان يحب كنز المال ينظر دائماً في الرصيد هل زاد أو ما زاد وإذا كان عنده نقود يعدّها أنقصت أم لا، فهو حريص على متابعة الحسابات بدقة شديدة، لا يذهب شيء منها، لكنه في المقابل غير حريص أن يحسب ما أنفق في وجوه الخير!

(يحسب أن ماله أخلده) هذه جملة حالية تفسيرية، لماذا يفعل الإنسان هذا لماذا يحتقر الناس ويزديهم وهو همزة لمزة؟ ولماذا يجمع المال ويعدده؟ كل هذا لأنه ظنّ أن هذا المال هو الذي سيسبب له السعادة ويجعل عمره في هناء وسرور وهو الذي يوصله إلى كل صور السعادة ولذلك هو يحسب أن هذا المال سيخلده. وهو إن لم يقل هذا بقوله لكن أفعاله تدل على ذلك لأنه واضح منه أنه لا يعمل خيرا ولا يهتم بالخير لأنه لو كان كذلك لا يكون همزة لمزة ولن يجمع مالاً ويعدده فالصفات المذكورة تدل على أن المال سيطر على هذا الإنسان وبالتالي هذا الإنسان وإن آمن باليوم الآخر وعرف أن هناك جنة ونار لكن أعماله لا تدل على ذلك فهذا المسكين هو يظن أن ماله أخلده. هناك أناس من كثرة ثرائهم لو ذكرت له الموت أو سمع خطبة الجمعة تلكأ وبعض الكُتّاب ينزعجون ويكتبون لماذا الوعّاظ يذكرون الموت؟ لم لا نذكره والله تعالى ذكره والرسول صلى الله عليه وسلم ذكره والصحابة ذكروه لكنه لا يحب أن يذكر الموت لأنه قضية مزعجة بالنسبة له وهذه قضية كأنما هو يرى نفسه خالداً لا يريد أن ينغص عليه شيء كأن ماله أخلده. ولذلك كررت كلمة المال مرتان (الذي جمع مالاً وعدده * يحسب أن ماله أخلده) والمعتاد في اللغة أنك إذا تكلمت عن شيء وأعدت الكلام عنه لا تذكره وإنما تذكره بضميره فيكون السياق: الذي جمع مالاً وعدده يحسب أنه أخلده لأن الحديث عن المال لكن لأجل الاهتمام بالمال وحتى لا يظن ظانّ أن الضمير يعود إلى شيء آخر ذكر الله تعالى المال مرة ثانية فيما نسميه نحن وضع الظاهر موضع المُضمَر للاهتمام بهذا المظهر وهو المال حتى يُعلم أن السبب هو المال نفسه.

(يحسب أن ماله أخلده) المتوقع أن يقال يحسب أن ماله يُخلده لأنه أمر مستقبل، هو الآن يجمع المال والإخلاد أمر مستقبلي وليس أمراً ماضياً ومع هذا قال تعالى (أخلده) بالماضي ولم يقل يخلده بالمستقبل للدلالة على أن هذا الإنسان موقن أن هذا المال سيخلده لدرجة كأنه تحقق ومضى وهذا موجود في القرآن بكثرة: إذا أريد التعبير عن معنى وهو متحقق موجود ولو كان في المستقبل فيعبّر عنه بالمضي للدلالة على أنه من شدة الإيمان بوقوعه وحصوله كأنه شيء قد وقع مثل قول الله تعالى (أتى أمر الله فلا تستعجلوه) والمعلوم أن المقصود (أتى أمر الله) القيامة والقيامة لم تأت إلى الآن ولكن لأنها حاصلة حقاً فكأنما هي حصلت في الماضي ولذلك قال تعالى عنها (أتى) بالماضي ولم يقل (ستأتي).

(كلا ) صفات هذا الرجل: همزة، لمزة، مؤذي للناس بوجودهم وعدم وجودهم وبكل أنواع الأذى وهذه الصفات تنبئ عن احتقاره وازدرائه للناس، والسبب في هذا وجود مال التهى بهذا المال بمجموعة صفات ارتبطت بالمال أنه جمعه وعدده وبنى على ذلك اعتقاداً فاسداً وهو أنه يحسب أن هذا المال سبب لدخوله الجنة. هذه الأخطاء سواء في الاعتقاد أو في الأخلاق جاء التكذيب لها بقوله تعالى (كلا) يعني كل هذه الاعتقادات غير صحيحة وجاءت كلمة الردع العظمى في اللغة العربية وهي كلمة (كلا)

(لينبذن في الحطمة) تناسب بين الصفات الأولى والعقوبات القادمة:

أولاً: (كلا لينبذن في الحطمة) الكلام مؤكّد باللام، لام القسم ونون التوكيد الثقيلة الموجودة في نهاية الكلمة (لينبذنّ)

جاءت كلمة النبذ وهي كلمة تدل على الاحتقار للمنبوذ والنبذ هو أن تأخذ شيئاً بيدك وتضعه بين أصابعك وترميه أو في يدك وترميه ولا يُنبذ إلا الشيء المستغنى عنه أو المُستكره أو المُستقذر كأن تأكل تمراً فتبقى النواة لما ترميها يسمى هذا نبذاً ولو كان فيها شيء يؤكل لما نبذتها وإنما تأكلها فكأنك تأخذ المفيد وترمي غير المفيد، فهذا الإنسان عوقب بهذا، ولذلك قال الله عز وجل (لينبذن) ولم يقل ليدخلنّ، (لينبذن) أي ليرمينّ رمياً كما يُرمى الشيء التافه الحقير لأنه بنى كل أفعاله على الاحتقار للناس لأنه غني يحنقر الناس فيُعاقب يوم القيامة بضدّ فعله، إذا كان هو متكبراً على الناس فينبذ نبذاً في الحطمة

وقال (في الحطمة) لأن الذي يحتقر الناس هو يحطّم مشاعرهم فناسب هذا أن يأتيه ما يحطّمه حسياً ومعنوياً يوم القيامة، فجاءت (الحطمة) مناسبة له هو، فهذا الذي يزدري الناس ليس فقط يحطّم مشاعرهم بل ويحطمهم كلهم لأنه يريد أن يكون الأول في المال وهذا موجود في بعض أرباب المال يتكلمون عن التجار الذين ينافسونهم من أجل أن يسقطوهم حتى يبقوا هم الوحيدين. يحطم الناس أخلاقياً واجتماعياً وحسياً ومعنوياً وفي مشاعرهم وقد يتسبب في سجنهم وأذاهم فناسب أن يأتي العقاب الذي يتوعده الله به بهذه الكلمة (الحطمة). ولذلك قالوا سمّى الله تعالى النار هنا حُطمة وسماها في موضع آخر جهنم وسماها لظى، كل اسم له معنى يتناسب مع الدلالة الموجودة فيه.

(لينبذن في الحطمة) والحُطمة هي النار كما قال الله سبحانه وتعالى بعد ذلك (وما أدراك ما الحطمة * نار الله الموقدة) ذكر الله تعالى الحطمة وجعلها ناراً لأن هذا يتناسب بضد ما كان عليه، ألم يكن هذا غنياً ومترفاً ويعيش في قصور وكان يظن أنه خالد؟! الآن يُعاقب بضد ما كان فيه فإذا كان في قصور فهو الآن في نار، وفرق بين المعيشتين!!

(وما أدراك ما الحطمة) للتشويق، وإذا نفي الإدراك فقد نُفيت الإحاطة أي وما أدراك أي أن إدراكها والإحاطة بها فوق تصور الإنسان ولذلك لا بد أن يعرّفها الله سبحانه وتعالى فقال (نار الله الموقدة) وإضافة النار إلى الله للتهويل والتعظيم الشديد لأننا إذا كنا نخاف من النار التي يُنشئها الناس فما بالك بنار الله؟! وجاء لفظ الجلالة دون أي اسم من أسماء الله الأخرى لأنه الاسم المربّي للمهابة في النفوس فإن (الله) هذا اللفظ من أعظم الألفاظ مهابة في نفوس الناس مسلمين وغير مسلمين، وهو الاسم الذي لم يتسمى به غير الله سبحانه وتعالى بينما نجد بعض الأسماء الأخرى يمكن أن يتّصف بها الإنسان اتصافاً مع الفارق طبعاً.

(نار الله الموقدة) الإضافة للفظ الجلالة للتهويل والتفخيم والتعظيم. (الموقدة) معلوم أن النار في الغالب تكون موقدة ووصفت هنا بالإيقاد للدلالة على أنها مشتعلة، مجرد ذكر النار يمكن أن تكون خبت هذه النار أو صارت جمراً لكن كونه يقول موقدة يعني ما زالت بشعلتها وهذا أشد إيلاماً وأشد إحراقاً. (نار الله الموقدة) أي دائمة الإيقاد.

(التي تطّلع على الأفئدة) تعريف للنار، عندما نسمع كلمة نار في العادة يتوجه التفكير للأجساد أو الجلود لأن هذا مكانها، هذه الآيات مع قصرها هي أشد سور القرآن تصويراً لعظم النار وهولها. هذه النار التي وُعِد بها هذا الرجل ستنفذ إلى الفؤاد. وبما أنها ستنفذ إلى الفؤاد وهو القلب معنى هذا أنها أحرقت ما قبله الأجساد والعظام والأعصاب ولهذا قال بعضهم معنى (تطلع على الأفئدة) تصل وبعضهم قال تعرف وكلاهما صحيح أن الله سبحانه وتعالى يعرّف النار بما في قلوب هؤلاء الناس فبحسب ظنّهم الفاسد الذي ورد في قوله تعالى (يحسب) تكون سطوة النار على قلوبهم فيعرّف الله النار بما في قلوب هؤلاء فتحرقهم بما في قلوبهم من اعتقاداتهم الفاسدة أو أنها تطلع عليهم اي تصل إلى قلوبهم.

(التي تطلع على الأفئدة) اي بعد أن أهلكت ما قبلها فوصلت إليها. بعضهم قال هذا من غاية الشناعة في التعذيب لأن الأفئدة هي ألطف ما عند الإنسان قد تتحمل بعض الأعضاء حرقاً بسيطاً لكن لا يمكن أن يتحمل القلب شيئاً من هذا وهذا من أعظم المخوّفات في هذه السورة.

(إنها) اي النار (عليهم مؤصدة) والتعبير بحرف الجر (على) دون أي حرف آخر للدلالة على تمكنها منهم (مؤصدة) أي هذه النار التي أحرقت قلوبهم مغلقة عليهم ومؤصدة مأخوذة من إيصاد الباب مغلقة وبما أنها مغلقة ذهب الأمل في الطريقة الوحيدة للهروب وهي الخروج فلا أمل في الخروج لأن النار مغلقة عليهم وطبيعي جداً أن النار تكون أكثر إحراقاً إذا أغلق عليها والأفران تُغلق حتى ينضج ما فيها بسرعة لأن النار تنكتم وتزداد إحراقاً فإذا كانت هي مُحرِقة في الأصل فإنه إذا أُغلقت الأبواب ستكون أكثر إحراقاً عياذاً بالله!

(في عمد ممددة) قُرئت (عُمُد) جمع عامود وعَمَد اسم جمع وكلاهما يدل على الجمع في النهاية والمقصود أنها جمع لعَمَد والمقصود (في عمد ممددة) قالوا قد يكون المراد أن الحديث عن أبواب والأبواب مغلقة فهذه الأبواب في عمد وهذه العمد ممددة قد يكون المقصود طويلة فهذه الأبواب ضخمة جداً تحجزها عمد كثيرة ضخمة وقد يكون المراد إن هذه النار في عمد كما تدل عليه (في) الدالّة على الظرفية يعني في وسط عمد فهذه النار تتخلل هذه الأعمدة من كثرة هذه الأعمدة النار في وسطها. وعلاقة هذا بالموضوع أن هذا يعني أن حالهم في العذاب يشبه حال الشواء فعندما تريد أن تشوي شيئاً تجعل عوداً هنا وعوداً هنا وتملأ المكان جمراً فتكون هذه النار محجوزة بين العُمد فهي فيها فتكون العُمد ظرفاً للنار حجزتها ويكون المشوي منصوباً على هذه العُمد يشوى عليها.

(في عمد ممددة) عمد كثيرة ممتدة وقد تكون بعدد المعذّبين واختلف المفسرون في قضية عمد لكنها قد تكون صفة للأبواب وقد تكون صفة للنار على المعنيين اللذين ذكرنا.

مناسبات خمسة وردت في هذه السورة وهي لُبّ هذه السورة:

لما ذكر الله سبحانه وتعالى الصفات السيئة لهذا الإنسان ذكر عقابات مناسبة لها فأولاً

ذكر الله سبحانه وتعالى الهمزة واللمزة وهو إنسان يتحدث في أعراض الناس ينتقصهم فذكر الله سبحانه وتعالى ما يحطّم ويكسر نفوسهم ومشاعرهم أو ذوات بحبس أو إبعاد فجاء أول عقاب له بصفة (الحُطمة)

كلمة الهمزة واللمزة وكونه يجمع مالاً كله مبني على احتقار الناس وازدرائهم لأنه لا يمكن أن تتحدث في عرض إنسان وتهمزه وتلمزه إلا إذا كنت لا تراه شيئاً أصلاً فتحتقره فناسب بعد ذلك أن يُحتقر في طريقة إدخاله للنار فقال (لينبذن) والنبذ هو رمي الشيء الذي لا تهتم به وتستغني عنه.

هذا الرجل محب للمال جداً وموقع الحب يكون في الفؤاد والقلب فهو جمع مالا وعدده يحسب أن ماله أخلده أهلك عمره كله بحب المال وموطن حب المال هو القلب والفؤاد فجاء العقاب موجهاً مباشرة إلى الفؤاد.

ذكر الله سبحانه وتعالى تجميع المال وتعديده بمعنى أن هذا الإنسان نذر نفسه حارساً على المال وبما أنه حارس على المال فإنه سيوصد الأبواب ويغلق الخزائن حرصاً على أن لا يضيع شيء من هذا المال فعوقب في العذاب بمثل ذلك فأوصدت النار عليه.

الله عز وجل لما قال (يحسب أن ماله أخلده) معناه أن هذا الرجل عنده طول أمل في العمر فهو ممتد في الأمل بعيداً وبالتالي هو سائر في هذه المعاصي زمناً طويلاً فناسب أن يكون العذاب أيضاً ممتداً في عمد ممدداً مستمراً كذلك.

 روابط المحاضرات المرئية

الجزء الأول

الجزء الثاني

الجزء الثالث

 



التعليقات

  1. فايز علق :

    جزاك الله خير

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل