أسماء السور - د. عصام العويد

أسماء السور

د. عصام العويد

هل لأسماء السور علاقة بحياة الناس؟

قال الله تعالى في سورة القمر (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ) الله عز وجل يسّر هذا القرآن لمن أرد أن يتذكر مع أنه قال عنه أنه ثقيل (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (5) المزّمل) ولكن هذا الثقل يسّره الله عز وجل بفضل منه جل وعلا. ومن جوانب التيسير في فهم القرآن هي أسماء السور ولذا كان الصحابة رضوان الله عليهم يعتنون بمسائل أسماء السور خصوصاً مثل ابن عباس ترجمان القرآن. جاءه رجل مرة فقال له يا ابن عباس سورة التوبة (وفي بعض الألفاظ سورة براءة) فقال ابن عباس سورة التوبة؟! بل هي المقشقشة هي الفاضحة ما زالت تنزل (ومنهم ومنهم) حتى فضحتهم، فما رضي باسم التوبة وبراءة مع أنها اسم صحيح لا إشكال فيه لكنه يريد الإشارة إلى الاسم الذي يدل على مضمون ومقصود هذه السورة، ولذا كان اختيارات في مسألة الأسماء رضي الله عنه فمثلاً الأنفال كان يقول هي في بدر كلها. بل إن حزب المفصل كان ابن عباس يسميه حزب المُحكم لأن دلالة اسم المحكم على شيء مقصود في هذا الحزب من القرآن لأن هذا الحزب سوره محكمة المتشابه فيها قليل على عكس غيره من القرآن. فالمسميات مؤثرة جداً فيما يتعلق بالسور نفسها وابن القيم في زاد المعاد أصّل قاعدة مشهورة جداً يقول: الإسم له تأثير في المسمى وهو يتكلم ليس عن اسم السورة والسورة بل هو يتكلم عن أسماء الناس والأماكن والبلدان. يقول مثلاً من اسمه سليمان أو اسمه خالد هذا الاسم له تأثير على المسمى وأطال في تأصيل ذلك من الكتب والسنة ومن كلام أهل العلم في كتابه زاد المعاد.

إذا كان هذا في الأسماء عموماً فكيف إذا كنا نتكلم عن أسماء السور والسور ونحن نتحدث عن هذا الكتاب المعجز العظيم وهو أعظم ما أنزل الله سبحانه وتعالى إلى الناس.

نأخذ مثلاً سورة الملك لها أسماء في كتب التفسير تسمى سورة الملك، سورة تبارك، سورة تبارك الذي بيده الملك. نلحظ من كل أسمائها أنها تتحدث عن عظمة الله عز وجل عن هذا الملك العظيم سبحانه وتعالى. من اسم السورة نأخذ أن السورة تتحدث عن ملك هذا الملك جل في علاه ولذا بداية السورة تؤيد هذا المعنى (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿١﴾) وكل السورة تتنقل في جوانب عظمة الله، في جوانب ملك الله في خلقه سبحانه وتعالى فلا بد ونحن نقرأ سورة الملك أن نستشعر ذلك.

إذا انتهينا من سورة الملك فازدادت معرفتنا بربنا سبحانه وتعالى وازدادت معرفة قلوبنا بربنا سبحانه وتعالى فنحن قد قرأنا سورة الملك كما يريد الله سبحانه وتعالى. إذا بدأنا بسورة الملك من أولها إلى ختامها وما تغيّر شيء في قلوبنا عندها ما عرفنا كيف نقرأ سورة الملك! إذا بقيت على نفس المستوى ما تشعر أن قلبك ازداد معرفة بالله سبحانه وتعالى أكثر من ذي قبل فقراءتك إذن غير صحيحة. تعرف أن قرآءتك صحيحة إذا كان مقصود السورة ظاهراً في نفسك في أعمالك في أقوالك. لو تأملنا في وسط سورة الملك يقول الله عز وجل (أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ ﴿١٦﴾ أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ ﴿١٧﴾) الآيات تتكلم عن إخبار لصفة عظيمة من صفات الله عز وجل أنه يستطيع أن يرسل حاصباً ويحرك الأرض من تحت الناس فيصيبهم مصيبة عظيمة جداً بأمر يسير من الله عز وجل، هذا إنذار! ثم يقول الله تعالى (أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴿٢٢﴾) الذي يعرف الله عز وجل سيمشي في حياته سوياً على صراط مستقيم ومن جهل الله ولم يعرف مقداره سبحانه وتعالى سيمشي مكباً على وجهه. ثم يختم السورة بقوله سبحانه وتعالى (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ ﴿٣٠﴾) كان الإمام أحمد رحمه الله إذا أخذ الماء من البئر فخرج الدلو وفيه ماء يقول: الحمد لله، الحمد لله، الحمد لله، فتعجب ابنه صالح الذي كان معه من كثرة ما يحمد أباه الله على الماء فقال لبيه يا أبت لم كلما أخرجت الماء قلت الحمد لله، قال يا بني أما قرأت قول الله عز وجل (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ ﴿٣٠﴾)؟. لو تعطلت محطات التحلية في السعودية الناس سيرون معنى قوله تعالى (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ ﴿٣٠﴾) والحرب القادمة حرب مياه. فمن تفكر في هذه السورة العظيمة أدرك مقدار عظمة الله ومقدار رحمة الله ومقدار ما يحتاجه هو من معرفته لربه ومولاه.

مثال آخر سورة المطففين (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ) عندما نقرأ السورة لا ينبغي أن يغيب اسمها عن أذهاننا، لما تكلم الله عز وجل عن المطففين ليس فقط لأن بداية السورة ويل للمطففين وإنما هذا جزء من الأسباب التي سميت السورة لأجلها سورة المطففين لكن ليست هي كل الأسباب.

(وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴿١﴾ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ﴿٢﴾ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ ﴿٣﴾) التطفيف هو الزيادة في أخذ حقي أو النقصان في إعطاء حق الناس وهذا ليس خاصاً بالوزن والمكيال والصاع فقط وإنما هو عام في كل مطفّف. الإمام ابن سعدي رحمه في تفسيره قال ومن التطفيف في بعض أهل العلم أن المسألة إذا كانت فيما يراه هو ويختاره عند ذلك يذكر كل البراهين والحجج فإذا جاء إلى ما لخصمه من البراهين انتقص منها فلم يذكرها، هذا تطفيف. عندما يقول الله عز وجل (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ) انتبه لأن المسألة خطيرة جداً (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴿١﴾ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ﴿٢﴾ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ ﴿٣﴾ أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ ﴿٤﴾ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ ﴿٥﴾ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿٦﴾) الذي يطفف لا بد أن يعلم أنه سيقوم لرب العالمين في يوم عظيم جداً. لما تخطئ على زميلك أو جارك وتريده أن يسامحك فسامحه أنت إذا أخطأ هو عليك أيضاً لكن لا تأخذ حقك وافياً من الناس ثم تبخس الناس حقوقهم. القضية ليست في الخطأ وإنما في التطفيف تتعامل مع الناس بأسلوب وتريدهم أن يتعاملوا معك بأسلوب آخر. لو قرأنا سورة المطففين واستوعبنا دلالة هذا الاسم العظيم لزالت كثير من خلافاتنا ومشاكلنا.

 

مثال أخير نختم به من قصار السور في سورة الشمس. أقسم الله سبحانه وتعالى في بدايتها (وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا ﴿١﴾ وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا ﴿٢﴾ وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا ﴿٣﴾ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا ﴿٤﴾ وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا ﴿٥﴾ وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا ﴿٦﴾ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ﴿٧﴾ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ﴿٨﴾) وجواب القسم (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ﴿٩﴾ وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴿١٠﴾) الذي زكّى نفسه أفلح والذي دسّاها خاب. عندما نقرأ سورة الشمس الإسم الشمس كل من زكّى نفسه يكون النور في قلبه كالشمس وكل من خاب ودسّ نفسه يكون قلبه فيه ظلمة أعظم من ظلمة الليل. فسورة الشمس هي سورة النور والضياء لمن زكّى نفسه ومن دسّ نفسه فهي الخيبة والظلمات في الدنيا والآخرة. 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل