وقفات مع سورة مريم - الشبخ خالد الخليوي

وقفات مع سورة مريم

الشيخ خالد الخليوي

·         رأيان لأهل العلم في مريم عليها السلام بعضهم يقول أنها نبية لأنها قابلت جبريل عليه السلام وحصل حوار بينها وبين جبريل (وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ(42) آل عمران) لكن هذا في الحقيقة لا يكفي لإثبات النبوة لها فالأصل في الإنسان أنه ليس نبيًا ونثبت أنه نبي، ولذلك الصحيح أنها ليست نبيّة، النبوة لا تثبت إلا بأمر يقيني، القول الثاني وهو الصحيح مريم هي من الصديقين من أولياء الله سبحانه وتعالى اصطفاها الله سبحانه وتعالى على نساء العالمين فهي ليست بنبية ولكنها أم نبي والآية (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ(109) يوسف) يستدل بها على أنها ليست نبية فجميع أنبياء الله سبحانه وتعالى ورسل الله عز وجل من الرجال. لا يُمنع أن يقال عليها السلام من باب الدعاء ولي على سبيل الدوام.

·         قال صلى الله عليه وسلم: خير نسائها مريم وخير نسائها خديجة. يقصد نساء الزمان الذي كانت فيه، وهناك خلاف بين العلماء من هي أفضل نساء العالمين فقال بعضهم مريم وقال بعضهم خديجة وبعضهم قال فاطمة رضي الله عنها والتفضيل لا يكون من أشخاص وإنما من حديث النبي صلى الله عليه وسلم فقد قال: وإنما فضل عائشة على سائر النساء كفضل الثريد على سائر الطعام ثم قال كمل من الرجال كثير ولم يكمل من الناسء إلا أربع مريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون وخديجة بنت خويلد رضي الله عنها وفاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم.

·         (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا) أمر للنبي صلى الله عليه وسلم أن يتلو ما في الكتاب من قصة مريم والحديث عن مريم في الأناجيل مبتور لأن في قصة مريم الحقيقية قال عيسى عليه السلام (إني عبد الله) والنصارى في غالب أمرهم لا يرون أن عيسى عبد الله إنما يرون أن عيسى هو الله أو ابن الله. فجاء النص القرآني ليثبت هذه الحقيقة حتى وإن أخفوها أو حرفوها 

·         قبل سرد قصة مريم يجب الإشارة إلى قصة زكريا وقصة امرأة عمران وهي أم مريم، أما زكريا فكان الله عز وجل يقول (يا زكريا  سميا) ما كان أحد من قبل يتسمى بيحيى وقرابة زكريا لمريم أنه زوج أختها فزكريا وعمران زوجا أختين، الأخت الأولى مريم وهي أم لعيسى والأخت الثانية أم ليحيى لذلك النبي صلى الله عليه وسلم عندما عُرج به إلى السماء قال: رأيت عيسى ويحيى ابنا الخالة. آل عمران كان بيت نبوة في رجالهم وبيت صديقية وأولياء بالنسبة لنسائهم. والثانية أنه كفلها.

·         (وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ(37)) كان هناك صدق في العبادة مع الله فرزقها الله عز وجل حتى بدون بذل سبب مرئي سبب معقول بالنسبة لنا ولكنها بذلت السبب الشرعي وهو الصدق مع الله عز وجل   (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا(2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ(3) الطلاق)

·         (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا) أي ابتعدت أي أصبحت وحيدة تريد أن تتفرغ للعبادة لربها سبحانه وتعالى ولذلك لقبت مريم بالبتول أي المنقطعة للعبادة

·         (فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا) هذه إضافة تشريف يعني جبريل روح الله سبحانه وتعالى، لا أنه من الله ولكن كما نقول كعبة الله أو عبد الله وسماه الله تعالى روحا في أكثر من أية في القرآن.

·         (قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ) هنا وقفة وفائدة متى ما رأيت ما يفجعك إلجأ إلى الله فهو خير معاذ، مريم عنما فجعت بهذا الرجل خشيت أن يريد بها شرا ويهجم عليها وهي متفرغة للعبادة فهي لا تفكر في المعصية فقالت (قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ) ثم هيجت معنى التقوى والإيمان في نفسه (إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا) هذا اسمه اسلوب تهييج.

·         (قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا) (لأهب) المتكلم هنا جبريل فهل هو الوهاب؟ لا ، فلماذا قال (لأهب)؟ لأنه هو المباشر للعمل هو الذي سقوم بالنفخ ولكن أصل الموهبة من الله عز وجل ولأنه هو الذي أمر ، ولكن نسب الفعل لجبريل عليه السلام لأنه المباشر له هو المنفذ لأمر الله عز وجل. هناك قراءة أخرى سبعية (ليهب لك) أي الله عز وجل.

·         (فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا) لدينا هنا عدة مسائل

-                    الأصل ألا يتمنى الإنسان لنفسه الموت لضر نزل به كما قال النبي صلى الله عليه وسلم (لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به فإن كان ولا بد فليقل اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي وتوفني ما كانت الوفاة خيرا لي) ومع ذلك أخذ أهل العلم من هذه الأية جواز تمني الموت خشية من الإفتتان في دينه أو في عرضه

-                    المسألة الثانية هناك قراءة سبعية (يا ليتني مُت) ما الفرق بين مِت ومُت؟

-                    المسألة الثالثة (يا ليني مت قبل هذا) ما هو (هذا)؟ أهل العلم قالوا المقصود بـ(هذا) قبل الحمل وليس المخاض والدليل على ذلك أنها تمنت الموت حتى لا تتهم بالعار بما لم تفعله، فلو أن المقصود هو المخاض لم يفدها ذلك بشيء.

·         (فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا) من الذي ناداها ؟ هناك قولان إما أن يكون عيسى عليه السلام وإما أن يكون جبريل عليه السلام وكلا القولين قوي ، إما أنها كانت في علو فناداها جبريل من تحتها يطمئنها، وإما أن يكون عيسى ناداها من تحتها زيادة في تطمينها أنه تكلم عند خروجه من بطن أمه (فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا) وهناك قولان لأهل العلم في (السري) إما أنه جدول من الماء وإما أن المراد بالسري هو الرئيس أو الشريف أو السيد وكلا القولين قوي.

·         (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا) هنا سؤال هل يستطيع الرجل أن هز جذع النخلة وهو رجل فما بالك بامرأة ضعيفة في حالة مخاض ولكن أراد الله سبحانه وتعالى لها أن تبذل  بشيء من الأسباب ولو يسيراً ليري الله تعالى صدقه وصدق توجهه

·         (قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا) (ربك) إضافة تدل على الرعاية والعناية من الله عز وجل كما قال تعالى (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (1) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ(2) الكوثر) هذه الربوبية الأخص، هناك ربوبية خاصة لأهل الإيمان وربوبية عامة للناس أجمع. (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا) في قرآءة سبعية تسّاقط (رُطَبًا جَنِيًّا) لا جافاً ولا طرياً وأفضل ما في التمر أن يكون رطبًا لم يقل بُصرة وإنما رطبًا  قال أهل العلم إن من أفضل ما يفيد المرأة التي اصابها المخاض هو الرطب يعوضها السوائل التي خرجت منها ويعيد لها اتزانها الغذائي.

·         (تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (25) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا (26)) ما أجمل هذا العطاء المبارك! كلي من هذا التمر المبارك والنبي صلى الله عليه وسلم يقول لصاحبه في صحيح مسلم: بيت لا تمر فيه جياع أهله. وكان التمر زاد الصحابة ولم يكن في بيت النبي صلى الله عليه وسلم لشهر أو شهرين إلا التمر. (فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا) اشربي من هذا النهر وقري عيناً لتسكن عينك وتنشرح صدرك وترتاح روحك من بشائر الله سبحانه وتعالى.

(فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا) من الآن فصاعدًا ارجعي إلى قومك والآن عندك ثقة وقد رأيت جبريل عليه السلام وقد تمثل لك بشرًا سويًا وأوحى الله سبحانه وتعالى إليك أنه سيخرج منك هذا النبي الكريم. (فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا) إذا قابلت أحدًا من الآن فصاعداً لا تكلمي أحدًا وكان هذا مشروعاً في تلك الشرائع، جزء من حقيقة الصيام عندهم هو الصمت ونُسخت في شريعتنا بل جاء في شريعتنا: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو فليصمت. الأصل أن تقول خيرا أو تصمت. كم من الناس يحتاج إلى عبادة الصمت وقد هلك فئام من الناس بسبب ألسنتهم، أبو بكر الصديق رضي الله عنه كان يمسك لسانه ويقول هذا الذي أوردني المهالك فماذا نقول نحن؟؟؟!!! 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل