رسائل سورة الأعلى - د. عصام العويد

رسائل سورة الأعلى - د. عصام العويد

الله عز وجل يعظّم هذه السورة (إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى ﴿١٨﴾ صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى ﴿١٩﴾) نزلت في القرآن حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم يأمر معاذًا يقول له: اقرأ سبح اسم ربك الأعلى.

سورة الأعلى عظيمة وجاء تعظيمها في القرآن والنبي صلى الله عليه وسلم كان شغوفًا بها يقرؤها في الجمعة ويقرؤها في العيد ويقرؤها في اجتماع الناس. استمع لسورة الأعلى (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴿١﴾ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ﴿٢﴾ وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى ﴿٣﴾ وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى ﴿٤﴾ فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى ﴿٥﴾) هل تدخل سورة الأعلى إلى قلوبنا عندما نستمع إليها؟ هل نشعر بتعظيمها؟ هل نشعر ونحن تقرؤها منذ سنوات طويلة لم يقر تعظيمها في قلوبنا لأننا لم نفهم سورة الأعلى!

لنحاول أن نفتح هذه السورة ونتدبرها ونعيش مع عظمتها، الله سبحانه وتعالى سمّى هذه السورة (سبح اسم ربك الأعلى) وهكذا اسمها في كتب السيرة النبوية. ماذا يراد منا في سورة الأعلى؟ أن نعرف قدر الأعلى سبحانه وتعالى. إن كنت تريد أن تشعر وأنت تقرأ سورة الأعلى أن قلبك تغيّر؟ تريد أنك إذا قرأت سورة الأعلى أن تشعر ينطق بآيات من أعظم ما أنزل الرحمن؟

هل يمكن أن نقرأ سورة الأعلى ثم لا نعرف كثيرًا من كلمات هذه السورة ماذا تعني؟ كثيرٌ منا يحفظ هذه السورة ويقرؤها ومرّ على مسامعنا قول الله عز وجل (فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى) وما كلّف نفسه عناء أن يبحث عن معنى غثاء وأحوى! ولو سألنا عددًا ممن حولنا وممن نعرفهم فقد لا نجد من يعرف معناها! هذا أمر غريب فالقرآن رسائل من الله سبحانه وتعالى وعلينا أن نفهم معاني كلمات الرسالة من ملك الملوك سبحانه وتعالى حتى نعرف ما هو المقصود منها وما المطلوب منا! (غثاء يعني جافًّا وأحوى يعني متغيّرًا – من كتاب غريب القرآن – د. محمد الخضيري). إذن لا بد أن نعرف معناها إذا كنا نريد أن نتدبرها ونستشعر بعظمتها.

ما هو المراد منك وأنت تستمع لسورة الأعلى؟ سورة الأعلى بدأت بقوله سبحانه وتعالى (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴿١﴾ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ﴿٢﴾) خلق فسوّى الله سبحانه وتعالى خلقك فسواك، حينما خلقك الله عز وجل سوّاك في خلقتك فتخيل لو أن عيناك في مؤخرة رأسك أو أن إحدى أذنيك صغيرة جدًا والأخرى كبيرة جدًا، أو أن لسانك في جانب خدّك وليس في فمك، تخيل أن لك يدًأ طويلة وأخرى قصيرة، كيف ستكون خلقتك؟! الله سبحانه وتعالى خلقك فسوّاك فإذا كان عز وجل خلقك ومنّ عليك بخلقة سوية فالواجب منك مباشرة أن تسبح باسم ربك الأعلى الذي خلقك فسواك. عندما تسمع قوله تعالى (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) لِمَ أسبّحه؟ لأنه خلقني فسوّاني، فتذكر نعمة الخلق ونعمة التسوية فتسبح بلسانك وقلبك وتقول سبحان ربي الأعلى الذي خلق فسوى، تذكر نعمة الله عز وجل عليك.

وحتى تسبح هذا الرب الأعلى سبحانه وتعالى قال عز وجل (وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى) قدّر لك سبحانه وتعالى ثم هداك إلى ما تحب أنت سواء كان في أمور الدنيا أو في أمور الآخرة. انظر إلى الطفل الصغير يخرج من بطن أمه فيذهب مباشرة إلى صدرها للرضاعة، لا يرضع اصبعها ولا ظهرها وإنما يتوجه إلى صدرها لأن الله سبحانه وتعالى هداه له. (وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى) خصّنا نحن بالهداية فكلما رأيت ملايين الناس كلهم على غير الهدى فحينئذ فكّر بهذه النعمة وسبح باسم ربك الأعلى سبحانه وتعالى.

ولو تابعنا قرآءة آيات السورة (وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى ﴿١١﴾ الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى ﴿١٢﴾ ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا ﴿١٣﴾) تأمل في هذه الايات إن أنجاك الله من هذا المصير فسبح ربك الأعلى واشكره جلّ وعلا. ثم يقول سبحانه وتعالى وهو يحثّ الناس على الصلاة، على الزكاة، على مكارم الأخلاق كل ذلك جاء في سورة الأعلى (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى ﴿١٤﴾ وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ﴿١٥﴾)

هكذا علينا أن نقرأ سورة الأعلى، نتأملها، كل آية منها جاءت لنسبح الله عز وجل نسبّحه تسبيحًا يليق بالعليّ الأعلى الذي له العلو الكامل ذاته وله العلو الكامل في صفاته وله العلو الكامل جلّ وعلا فيما قدّر وهدى.

المقياس في النهاية: واحد إن ختمت السورة تلاوة أو سماعًا فعظّمت الأعلى فقد فهمتها وإن لم تعظّم الأعلى عُد إليها، جعلنا الله من أهلها.

سورة الناس

خاتمة القرآن، من أعظم سور هذا الكتاب العظيم، سورة الناس. هذه السورة كثير منا يحتاج أن يُدرك سرّها ولأي شيء نزلت، إن سورة الناس نزلت لتحفظك من الشرور الداخلية من شرور الشيطان من داخل النفس. سورة الفلق تحميك من الشرور الخارجية أنا سورة الناس فهي أعظم نزلت لتحمي من شرور النفس ومن وساوس الشيطان. أنت بحاجة إلى جاءتك النفس الأمارة بالسوء تقول لك هيّا إلى المعصية، الآن جاءك الشيطان وسوس لك اندفعت النفس تريد أن تعصي الله بالمال تأكل حرامًا، تظلم أيّ إنسان عاجز فتأخذ حقه، تعتدي على أيّ مرفق عام من مرافق المسلمين وهذا كله من الحرام، يأتي عليك الشيطان يوسوس لك أن تقطع رحمك، هذا خالك وعمك دعك منهم إنهم يسيؤون إليك، في أمر من الأمور الشيطان يؤزّك إليها أزًّا عادة النفس تضعف تريد أن تستجيب، من الذي يحميك من ذلك؟ معاصي الفرج، معاصي اللسان، معاصي العينين، معاصي الجوارح، المعاصي كلها من الذي يحميك من هذا كله؟ إنه رب الناس، ملك الناس، إله الناس سبحانه وتعالى الذي يحفظك من شر الوسواس الخناس.

افتح قلبك لسورة الناس لما تقرأ في سورة الناس تتأمل في آياتها ستلحظ أن صفات الرب سبحانه وتعالى التي تستعيذ بها في سورة الناس ثلاث (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ﴿١﴾ مَلِكِ النَّاسِ ﴿٢﴾ إِلَهِ النَّاسِ ﴿٣﴾) في سورة الفلق صفة واحدة تستيعذ بها (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ) لأن الأمر في سورة الناس في غاية الخطورة، هناك في سورة الفلق كنا نستعيذ من شر المصائب والمصيبة في النهاية هي شيء حصل عليك لا تريده لكن في سورة الناس نحن نستعيذ من شر المعائب من شر المعاصي والذنوب ولذلك تحتاج أن تتعلق بالله أكثر وأكثر وأكثر فتحتاج أن تستعيذ مرة برب الناس الذي ربّاك بنعمه فتذكر نعمه سبحانه وتعالى عليك ثم تستعيذ بملك الناس القوي القادر الذي كل شيء تحت ملكه ثم تستعيذ بإله الناس الذي أنت تعبده وتصلي وتدعوه سبحانه وتعالى هذه الصفات الثلاث تستعيذ بها من شيء واحد (مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ) الوسواس الخناس هو الشيطان، يصفه الله عز وجل مرة بالوسواس ومرة بالخناس، الوسواس في حال قوته، أعلى ما يصل الشيطان منك أن يوسوس لك ما يستطيع أن يستمر عليك حتى يحملك على المعصية حملًا، هذا ما يستطيعه الشيطان، لا، يستطيع أن يوسوس، سوسوس، اِفعل المعصية، افعل الفاحشة، اِفعل الزنا، اقطع رحمك، يوسوس لك فقط. وهناك خنّاس إذا استعذت بالله أصبح خنّاسًا، خنّاس بمعنى ضعُف فاختفى، لكنه موجود يتربص بك فهو بين حالين: إما أنه يوسوس في حال قوته وإما أنه يخنس في حال ضعفه. في حال القوة لا يستطيع أن يحملك على المعصية، في حال الضعف لا يذهب ويزول عنك وإنما هو بين هذا وذاك ولذلك إذا أردت أن يخنس الشيطان عنك، أردت أن يضعف عن الوسوسة لك، أردت أن لا تنجرّ إلى معصية الله عز وجل، أردت أن تحافظ على واجبات الله سبحانه وتعالى أردت ذلك كله ما عليك إلا أن تقرأ سورة الناس بقلبك كما تقرأها بلسانك.

 

لا تقل قرأتُ سورة الناس ومع ذلك وقعت في المعصية وسوس الشيطان لي فانجررت إلى المواقع الإباحية أو الأغاني أو ترك صلاة الفجر لأنك لو كنت قرأت سورة الناس حقّاً بلسانك وقلبك سيحفظك الله عز وجل الذي لا يخلف الميعاد. تقول قرأتُ سورة الناس بلساني وبقلبي ووقعت في المعصية فأقول لك هذه المعصية لن تكون أبدًا شر عليك، هي قرب فإذا التجأت إلى الله صدقًا سيقلبها الله عز وجل حتى تكون هذه المعصية وهذا الذنب حسنة بالنسبة لك، كيف هذا؟ قال الله عز وجل في سورة الفرقان (فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ (70)) لو كنا استعذنا بحق بسورة الناس ثم وقعنا في المعصية والله لا يتركنا ربنا سبحانه وتعالى حتى نعود ونتوب عن المعصية، فإذا تبنا تصبح السيئات حسنات فإذا كان لدينا مئة ألف سيئة أصبحت مئة ألف حسنة هذا بفضل أننا استعذنا صدقًا من شر الوسواس الخناس. ولذلك لا تملّ ولا تكلّ من أن تستعيذ بالله بسورة الناس من شر هذا الشيطان وإن وقعت في معصية ستعود إلى حسنة. 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل