تأمل في سورة الهُمزة (همزة، لُمزة، حُطمة)

تأمُّل في سورة الهمزة

(إعداد سمر الأرناؤوط - صفحة إسلاميات)

هُمَزَة، لُمَزَة، حُطَمَة

وردت في السورة الألفاظ التالية: هُمزة، لُمزة وحُطمة على وزن فُعَلة وهي من صيغ المبالغة وتستخدم للدلالة على أن الصفات المذكورة تلبّست بالإنسان وصارت جزءاً من شخصيته بل لعلها أبرز معالم شخصيته.

وكما ورد في معاجم اللغة أن هُمَزة صيغة مبالغة من همَزَ، وهمّاز أي عيّاب طعّان في أعراض النَّاس، كثير الاغتياب" {وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ } ".

لُمَزَة تقال للذَّكر والأنثى، ولُمزة أي عيَّاب للنَّاس في وجوههم ، طعّان في أعراضهم {وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ}.

أما الحُطَمة فمعناها في اللغة:

الراعي: العَسوف العنيف .

والحُطَمة: الأكول الذي لا يشبع .

والحُطَمة: ومن الإبلِ والغنمِ: الكثيرة التي تحطم الأرض بخِفافِها وأظلافها وتَكسر شجرها وبقلها فتأَكله .

والحُطَمة: النار الشديدة .

وهذه المعاني واستخدام هذه الصيغة في هذه السورة رغم قصرها ثلاث مرات ووصف النار على تعدد أوصافها في القرآن الكريم بوصف (حُطمة) تحديداً ولم يرد في غير هذه السورة لا بد وأن له لمسة بيانية تُظهر المعنى بدقة ومدى ارتباط مشاهد الآيات مع بعضها البعض وتناسبها مع السياق. فكما أن هذا الإنسان الهمّاز الطعّان اللّماز الذي صار الهمز واللمز جزءاً من شخصيته بحيث لا يتردد في فعله ولا يلقي بالاً لعاقبته ولا لأثره على الآخرين جاء وصف النار بالحُطمة بهذه الصيغة لتدلنا على أن النار التي يُعذّب بها هذا الإنسان وأمثاله إنما صار التحطيم صفة ملازمة لها وكأنها صارت مخصوصة بهم فهم اختصوا بالهمز واللمز في حياتهم ونار الله التي سيعذّبون بها يوم القيامة مختصة بهم ولها وظيفة محددة وهي تحطيمهم كما كانوا يحطّمون كرامات الناس بهمزهم ولمزهم لهم دون أن يردعهم رادع. وكما أنهم كانوا لا يشبعون من الطعن بأعراض الآخرين والنيل منهم فوصف الحطمة بمعناه الأكول الذي لا يشبع يدلّنا على أن الجزاء من جنس العمل.

ولشناعة الهمز واللمز والطعن في الناس وصف الله تعالى إلقاء هؤلاء الهمازين اللمازين في النار بالنبذ والنبذ هو الإلقاء والطرح وأكثر استعماله في إلقاء ما يكره. ثم وصف الله تعالى النار التي سيعذّب فيها من يرتكب هذه الذنوب الفظيعة بأوصاف قوية شديدة تخيف القلب الغافل وتهزّه هزّاً لعله يتعظّ فجاء أوصاف هذه النار كما يلي:

نار الله: إضافة (نار) إلى اسم الجلالة للترويع بها بأنها نار خلقها القادر على خلق الأمور العظيمة (الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير)

الموقدة: أي لا تزال تلتهب ولا يزول لهيبها. فكما أن اللهمّازين اللّمازين لا ينفكون عن همز ولمز غيرهم فكذلك النار التي سيعذبهم الله بها لا ينفك لهيبها ولا يزول أبداً، فهي متّقدة أبدا لا تخبو ولا تنطفئ.

التي تطلع على الأفئدة: أي التي تنفذ إلى الأفئدة فتحرقها في وقت حرق سائر الجسد (الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير). أو التي يصل حرّها وسعيرها إلى أفئدتهم وقلوبهم لأن الأعمال المذكورة في هذه السورة أعمال قلبية فأوّلها هُمزة لُمُزة يهمز الناس ويلمزهم لأنه يسخر منهم ويحتقرهم فهذا عمل قلبي. و(جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ) و(يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ) هذا حرصٌ منه وشراهةٌ على الدنيا قد وقعت في قلبه فهو سيكافأ عليها بأن تأتي نارٌ فتدخل جوفه فتُحرق مكان ذلك الحب وذلك الحرص وذلك الكبر وذلك الحقران والسخرية من الناس (د. محمد الخضيري، تفسير سورة الهمزة)

إنها عليهم مؤصدة: يعني ملازمة العذاب واليأس من الإفلات منه، كحال المساجين الذين أغلق عليهم باب السجن، تمثيل تقريب لشدة العذاب بما هو متعارف في أحوال الناس، وحال عذاب جهنم أشد مما يبلغه تصور العقول المعتاد.

في عمد ممددة: إما أنهم موثقين في عُمد كما يوثق السجين المغلّظ عليه أو أن النار الموقدة هي في عُمُد كما تكون نار الشواء. والممددة أي المجعولة طويلة جداً مبالغة في المدّ.

وكل هذه الأوصاف تقوية لتمثيل شدة الإغلاظ عليهم بأقصى ما يبلغه متعارف الناس من الأحوال.

هذا والله تعالى أعلى وأعلم.

***************************

ذكر الطاهر بن عاشور في التحرير والتنوير في تفسير سورة الهمزة:

همزة : وصف مشتق من الهمز . وهو أن يعيب أحد أحدا بالإشارة بالعين أو بالشدق أو بالرأس بحضرته أو عند توليه، ويقال : هامز وهماز، وصيغة فعلة يدل على تمكن الوصف من الموصوف .

ووقع (همزة) وصفا لمحذوف تقديره : ويل لكل شخص همزة ، فلما حذف موصوفه صار الوصف قائما مقامه فأضيف إليه (كل) .

ولمزة : وصف مشتق من اللمز ، وهو المواجهة بالعيب ، وصيغته دالة على أن ذلك الوصف ملكة لصاحبه كما في همزة.

وهذان الوصفان من معاملة أهل الشرك للمؤمنين يومئذ ، ومن عامل من المسلمين أحدا من أهل دينه بمثل ذلك كان له نصيب من هذا الوعيد، فمن اتصف بشيء من هذا الخلق الذميم من المسلمين مع أهل دينه، فإنها خصلة من خصال أهل الشرك ، وهي ذميمة تدخل في أذى المسلم، وله مراتب كثيرة بحسب قوة الأذى وتكرره، ولم يعد من الكبائر إلا ضرب المسلم ، وسب الصحابة رضي الله عنهم. وإدمان هذا الأذى بأن يتخذه ديدنا، فهو راجع إلى إدمان الصغائر وهو معدود من الكبائر .

والنبذ : الإلقاء والطرح ، وأكثر استعماله في إلقاء ما يكره . قال صاحب الكشاف في قوله تعالى : فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم شبههم استحقارا لهم بحصيات أخذهن آخذ بكفه فطرحهن اهـ .

والحطمة : صفة بوزن فعلة ، مثل ما تقدم في الهمزة ، أي : لينبذن في شيء يحطمه ، أي : يكسره ويدقه .

والظاهر أن اللام لتعريف العهد ; لأنه اعتبر الوصف علما بالغلبة على شيء يحطم وأريد بذلك جهنم ، وأن إطلاق هذا الوصف على جهنم من مصطلحات القرآن ، وليس في كلام العرب إطلاق هذا الوصف على النار .

فجملة وما أدراك ما الحطمة في موضع حال من قوله ( الحطمة ) والرابط إعادة لفظ الحطمة ، وذلك إظهار في مقام الإضمار للتهويل ، كقوله : الحاقة ما الحاقة وما أدراك ما الحاقة وما فيها من الاستفهام ، وفعل الدراية يفيد تهويل الحطمة ، وقد تقدم ما أدراك غير مرة منها عند قوله : وما أدراك ما يوم الدين في سورة الانفطار .

وجملة نار الله الموقدة جواب على جملة وما أدراك ما الحطمة مفيد مجموعهما بيان الحطمة ما هي ، وموقع الجملة موقع الاستئناف البياني ، والتقدير هي ، أي : الحطمة نار الله ، فحذف المبتدأ من الجملة جريا على طريقة استعمال أمثاله من كل إخبار عن شيء بعد تقدم حديث عنه وأوصاف له ، وقد تقدم عند قوله تعالى : صم بكم عمي في سورة البقرة .

وإضافة ( نار ) إلى اسم الجلالة للترويع بها بأنها نار خلقها القادر على خلق الأمور العظيمة .

ووصف ( نار ) بـ ( موقدة ) وهو اسم مفعول من : أوقد النار ، إذا أشعلها وألهبها . والتوقد : ابتداء التهاب النار ، فإذا صارت جمرا فقد خف لهبها ، أو زال ، فوصف ( نار ) بـ ( موقدة ) يفيد أنها لا تزال تلتهب ولا يزول لهيبها . وهذا كما وصفت نار الأخدود بذات الوقود ، ( بفتح الواو ) في سورة البروج ، أي : النار التي يجدد اتقادها بوقود وهو الحطب الذي يلقى في النار لتتقد ، فليس الوصف بالموقدة هنا تأكيدا .

[ ص: 541 ] ووصفت نار الله وصفا ثانيا بـ التي تطلع على الأفئدة .

والاطلاع يجوز أن يكون بمعنى الإتيان مبالغة في طلع ، أي : الإتيان السريع بقوة واستيلاء ، فالمعنى : التي تنفذ إلى الأفئدة فتحرقها في وقت حرق ظاهر الجسد .

وأن يكون بمعنى الكشف والمشاهدة قال تعالى : فاطلع فرآه في سواء الجحيم فيفيد أن النار تحرق الأفئدة إحراق العالم بما تحتوي عليه الأفئدة من الكفر ، فتصيب كل فؤاد بما هو كفاؤه من شدة الحرق على حسب مبلغ سوء اعتقاده ، وذلك بتقدير من الله بين شدة النار وقابلية المتأثر بها لا يعلمه إلا مقدره .

(إنها عليهم موصدة في عمد ممددة)

هذه جملة يجوز أن تكون صفة ثالثة لـ نار الله بدون عاطف ، ويجوز أن تكون مستأنفة استئنافا ابتدائيا ، وتأكيدها بـ (إن) لتهويل الوعيد بما ينفي عنه احتمال المجاز أو المبالغة .

وموصدة : اسم مفعول من أوصد الباب ، إذا أغلقه غلقا مطبقا . ويقال : آصد بهمزتين إحداهما أصلية والأخرى همزة التعدية ، ويقال : أصد الباب فعلا ثلاثيا ، ولا يقال : وصد بالواو بمعنى أغلق .

وقرأ الجمهور ( موصدة ) بواو بعد الميم على تخفيف الهمزة . وقرأه أبو عمرو وحمزة وحفص عن عاصم ويعقوب وخلف بهمزة ساكنة بعد الميم المضمومة .

ومعنى إيصادها عليهم : ملازمة العذاب واليأس من الإفلات منه ، كحال المساجين الذين أغلق عليهم باب السجن ، تمثيل تقريب لشدة العذاب بما هو متعارف في أحوال الناس ، وحال عذاب جهنم أشد مما يبلغه تصور العقول المعتاد .

وقوله : في عمد ممددة حال : إما من ضمير ( عليهم ) أي : في حال كونهم في عمد ، أي : موثوقين في عمد كما يوثق المسجون المغلظ عليه من رجليه في فلقة ذات ثقب يدخل في رجله أو في عنقه كالقرام . وإما حال من ضمير ( إنها ) [ ص: 542 ] أي أن النار الموقدة في عمد ، أي : متوسطة عمدا كما تكون نار الشواء ، إذ توضع عمد وتجعل النار تحتها تمثيلا لأهلها بالشواء .

و ( عمد ) قرأه الجمهور بفتحتين على أنه اسم جمع عمود مثل : أديم وأدم ، وقرأه حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم وخلف ( عمد ) بضمتين وهو جمع عمود ، والعمود : خشبة غليظة مستطيلة .

والممددة : المجعولة طويلة جدا ، وهو اسم مفعول من مدده ، إذا بالغ في مده ، أي : الزيادة فيه .

 

وكل هذه الأوصاف تقوية لتمثيل شدة الإغلاظ عليهم بأقصى ما يبلغه متعارف الناس من الأحوال .



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل