دلالة استخدام لفظ إبليس في مواقع الأمر بالسجود لآدم

دلالة استخدام لفظ (ابليس) في المواضع التي ذكر فيها القرآن قصة الأمر بالسجود لآدم عليه السلام

(إعداد سمر الأرناؤوط - صفحة إسلاميات)

وردت قصة آدم عليه السلام في القرآن الكريم في مواضع عديدة وفي كل موضع منها لما ذُكر الأمر الإلهي بالسجود لآدم ورفض ابليس الأمر جاء لفظ (ابليس) ولم يرد الشيطان وذلك لأن ابليس هو أبو الشياطين فناسب أن يذكره باسمه ليتناسب مع كون آدم أبو البشر:

(وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (34) البقرة)

(وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ (11) الأعراف)

(وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ ﴿٢٨﴾ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ ﴿٢٩﴾ فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ﴿٣٠﴾ إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ ﴿٣١﴾ قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ ﴿٣٢﴾ الحجر)

(وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا (61) الإسراء)

(وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ۗ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ ۚ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (50) الكهف)

(وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ (116) طه)

(إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ ﴿٧١﴾ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ ﴿٧٢﴾ فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ﴿٧٣﴾ إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ﴿٧٤﴾ قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ ﴿٧٥﴾ ص)

أما لما كان السياق يتحدث عن آدم وزوجه بعد مخالفة أمر الله تعالى وأكلهم من الشجرة ذكر القرآن لفظ الشيطان دون ابليس لأن الكلام هنا ليست في العداوة الأولية بين آدم عليه السلام أبو البشر وبين ابليس أبو الشياطين وإنما قد تحقق لابليس ما أراده من إغواء آدم لمخالفة أمر الله، ومن تلك اللحظة صارت العداوة بين أبناء ابليس وجنوده من الشياطين وبين آدم وزوجه وذريته من بعده إلى أن تقوم الساعة ولذا يأتي التحذير للناس في القرآن من اتباع الشياطين وليس من اتباع ابليس تحديداً.

(فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ ۖ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ (36) البقرة)

(فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَٰذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (20) الأعراف)

(فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ ۚ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ ۖ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ (22) الأعراف)

(يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا ۗ إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ ۗ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (27) الأعراف)

من سياق الآيات والمواضع التي ورد فيها ذكر ابليس باسمه العلم والشيطان وأسأل الله تعالى أن يوفقني فيما وصلت إليه:

ابليس ذُكر في الآيات التي تحدثت عن قصة الأمر الإلهي للملائكة بالسجود لآدم عليه السلام وامتناع ابليس عن السجود ورفضه الانصياع لأمر الله تعالى.

ابليس ذُكر في الآيات التي تحدثت عن حواره مع الله سبحانه وتعالى وطلبه الإمهال ليوم يبعثون وتحدّيه بأنه سيُضلّ بني آدم ويغويهم

فكأن لفظ ابليس استخدم في المواقف التي كانت المواجهة فيها مادية وفيها حضور لآدم عليه السلام ولابليس كمخلوق يُرى ويُسمع ويحاور ويجادل ويمتنع عن الأمر الإلهي ويطلب الإمهال ليوم القيامة وغيره.

أما لفظ الشيطان بصفته فظهر في الآيات التي تتحدث عن مرحلة ما بعد طرده من رحمة الله تعالى ولهذا نجد لفظ الشيطان مذكوراً في وسوسته لآدم عليه السلام وزوجه وفي هذه المرحلة لم يعد لابليس وجود مادي في القصة متمثلاً بهيأته وإنما صار يرمز له بلفظ الشيطان إشارة إلى الوسوسة المعنوية وصار عمله كله خفية ووسوسة وغواية وتزييناً

وسأورد الآيات التي منها بنيت استنتاجي هذا:

ففي سورة الأعراف قال الله تعالى في الآيات التي فيها أمر السجود لآدم (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ (11)) وبعد أن صدر الأمر بطرد ابليس كما في قوله تعالى (قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (13)) تحوّل اللفظ بعد هذا الطرد إلى وصفه وهو الشيطان الذي من أهم صفاته الوسوسة والتزيين والإغواء فقال تعالى عنه (فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (20))

ونفس النمط في استخدام الألفاظ يمكننا أن نجده في آيات سورة طه حيث قال تعالى في بداية قصة آدم (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى (116))  ثم قال تعالى (فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى (120))

وفي آيات سورة البقرة نجد نفس النمط أيضاً في استخدام لفظ ابليس والشيطان فقال الله تعالى في بداية القصة (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (34)) ثم قال الله تعالى بعدها (فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (36))

وفي سورة الحجر لما كانت الآيات تتحدث عن الأمر بالسجود استخدم فيها لفظ ابليس (إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى أَن يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (31)) وعندما تحدثت الآيات عن محاورته مع الله سبحانه وتعالى ذكرته بلفظ ابليس لأنه لم يكن قد طُرد بعد (قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (31)) ولم ترد في السورة آيات تتحدث عن وسوسته لآدم وزوجه فلم يذكر لفظ الشيطان فيها.

وفي سورة ص كما في سورة الحجر السياق نفسه فورد اللفظ (ابليس) دون الشيطان في الآيات (إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ (74) قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ (75))

واستخدام لفظ ابليس في آية سورة سبأ (وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ (20)) فالمعنى أنه صدّق عليهم ابليس ظنّه الذي ظنّه عندما تحدّى بأنه سيغوي آدم وذريته وهو هنا كان لا يزال في الجنة قبل أن يُطرد من رحمة الله تعالى ويُخرج من الجنة.

وعليه أقول باختصار أن لفظ ابليس ورد في السياق الذي تحدث عن أفعاله وأقواله في المرحلة التي بين أمره بالسجود لآدم وبين إخراجه من الجنة وطرده من رحمة الله تعالى

وأن لفظ الشيطان ورد في سياق الآيات التي تحدثت عنه أو عن ذريته وجنوده وأعوانه من الشياطين بعد الإخراج من الجنة ويرد لفظ الشيطان في الآيات بمعنى الوسوسة والإغواء والتزيين لبني آدم.

هذا ما استنتجه من كل ما سبق وهو محض تدبر للآيات وسياقاتها في كتاب الله تعالى فإن كنت على حق فمن فضل الله تعالى عليّ وإن أخطأت أو تجاوزت فإنما مني ومن الشيطان وأعوذ بالله أن أقول في كلامه ما ليس حقاً.

والحمد لله رب العالمين.

 

سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك



التعليقات

  1. islamiyyat علق :

    الحمد لله رب العالمين على توفيقه وجزاكم الله خيرًا على متابعتكم نفعنا الله بما علمنا وعلمنا ما ينفعنا

  2. ابو سلاف علق :

    بارك الله فيكم وفيما تقدمون وجعله كله في ميزان حسناتكم
    فالفائدة والنفع لا تخلوا من حديثكم كما مرسلكم انتفع واستفاد نفع الله بكم

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل