تدبر سورة الكهف - 2 - د. رقية العلواني

تدبر سورة الكهف - 2- 

د. رقية العلواني


ثم تنتقل الآيات إلى عرض فتنة جديدة، فتنة لطالما يعاني منها كثير من الناس فتنة الرزق منعاً أو عطاء، فتنة متجددة في كل وقت، وكلمة الرزق لماذا اخترنا كلمة الرزق؟ لأن الرزق لا ينحصر في المال، صحيح الكلام في سورة الكهف جاء عن ضرب مثل عن صاحب الجنتين عن المال بشكل خاص ولكن القضية لم تكن فقط قضية مال، القضية ممكن أن تندرج تحت علم أو شهادات، ممكن أن تندرج تحت وظائف، ممكن تندرج تحت مواهب، ممكن تندرج تحت العلم، ممكن تندرج تحت الأولاد، أشياء متعددة مختلفة ولذا كلمة فتنة الرزق هي أوسع وأشمل. تدبروا معي قول الله عز وجل (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا ﴿٣٢﴾ كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آَتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا ﴿٣٣﴾ وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ) من هنا تبدأ القصة (أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا ﴿٣٤﴾ وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا ﴿٣٥﴾ وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا ﴿٣٦﴾) رجلٌ فتح الله سبحانه وتعالى من رزقه عليه وأعطاه ابتلاءً، العطاء ابتلاء، العطاء فتنة، أن تُفتح عليك أبواب الدنيا بأي شكل من الأشكال، منصب، وظيفة جديدة، زيادة في أموال، بيت جديد، أولاد كل هذا يقع تحت الابتلاء، امتحان، فتنة نتعرض لها نحن في كل زمن وفي كل وقت. السؤال الذي ينبغي أن لا أجعل الفتنة أو الامتحان الذي أمرّ به يغيّب عني هذا السؤال واستحضار هذا السؤال: في أي شيء سأستعمل هذه النعمة وفي أي شيء سأستعمل هذا العطاء؟ هل سأستعمله في الزيادة في التقرب إلى الله عز وجل؟ هل أنا أعرف مصدر هذا الرزق الذي أتاني وأنسبه بالفعل إلى من يستحق بالفعل أن يُنسب إليه الرزق والفضل؟ أم أني سأطغى كما قصة صاحب الجنتين؟ صاحب الجنتين رجل أعطاه الله مالاً، فتح عليه في المال وكان المال والعطاء امتحان وابتلاء ولكنه رسب في ذلك الامتحان. أول سبب من أسباب الرسوب الذي تقدمه لي سورة الكهف حتى أقف عنده (أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا) (أنا) نسب الفضل وكثرة المال والأنفار الذين من حوله والعزوة والبشر والخدم والحشم ومن حوله من الأولاد وعشيرة وأهل نسبهم لنفسه قال (أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا) لم ينسب الفضل ولا النعمة ولا الزرق ولا العطاء للخالق سبحانه! لم يدرك أن كل ما نحن فيه، النَفَس الذي أتنفسه ممن؟ ممن خلق، أنا لا أملك شيئاً! أنا جئت إلى الدنيا لا يوجد عندي أملاك! أنا لا أمتلك حتى مكونات جسمي ليست تحت سيطرتي ولذا سبحانه حين يريد أن يوقف أنفاس الحياة يوقفها وحين يريد سبحانه أن يوقف نبضات القلب يوقفها عن العمل، من أنت أيها الإنسان المغرور المتكبر المتعالي الذي تصنع منك المحنة محنة العطاء، فتنة العطاء تصنع منك إنساناً آخر مغروراً لا يرى من حوله ولا يرى لربّه سبحانه فضلاً عليه! من أنت حتى تنسب الفضل لنفسك وتقول (أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا)؟!.

ثم نقطة مهمة في هذه الآية العظيمة أي شيء ذاك الذي تعتز به؟! تعتز بالمال؟! تعتز بالنفر؟! أي شيء الذي تعتز به؟! من اعتز بالمال أفقره الله ومن استغنى بماله عن الله سبحانه وتعالى أفقره الله سبحانه وأبكاه. هذه حقيقية أنا حين أعتز أعتز بأي شيء؟! ربي سبحانه وتعالى ذكر في آيات متعددة في سور أخرى في القرآن أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين حين تعتز إعتز بربك سبحانه وتعالى، اعتز بإيمانك به بتقربك إليه بطاعتك إليه لكن أن تعتز بعرض من عروض الدنيا بالمال لا قيمة له! أي شيء هو المال؟ ولا شيء! (أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا) ما معنى (وَأَعَزُّ نَفَرًا)؟ اعتز بقومه اعتز بمن حوله اعتز بحاشيته اعتز بالناس الذين من حوله من أصحاب المكانة المرموقة، ولنا أن نتدبر ليس فقط في هذا القرآن، القرآن لم يأت لأقرأ الكلمات فقط دون أن أتوقف وأربط مع ما أراه أنا في واقع حياتي العملية، دعونا نرى عشرات الأشخاص ليس فقط بدءًا من فرعون وإنما مروراً بفرعون إلى كثير من غيره من الناس ممن يعتز بحاشيته ممن يعتز بأصحاب المكانة المرموقة أصحاب الأموال أصحاب النفوذ والسلطة والجاه، بمن تعتز؟! تعتقد أن هؤلاء سينصرونك حين تحتاج للنصرة؟! تعتقد أن هؤلاء سيرفعون عنك ضراً أو يسدون إليك نفعاً؟! تعتقد بهؤلاء؟! انظروا معي وتدبروا معي هذه اللمسة الرائعة العظيمة في معنى التوحيد التوحيد ليس كلمة أنا أقولها بلساني –وإن كانت هي حزء منها- "لا إله إلا الله" ولكن التوحيد أن تكون في قرارة نفسك تشعر بأن لا عزيز إلا الله تشعر وتؤمن يقيناً بأن لا أحد في الدنيا يستطيع أن يضرك أو ينفعك سوى الله سبحانه وتعالى وأن هؤلاء البشر من حولك مهما أوتوا من متعة وسلطان وجاه لا يغنوا عنك من الله شيئاً إن أراد بك ضراً أو أراد بك نفعاً قمة التوحيد. التوحيد الذي أحتاجه في سورة الكهف وسورة الكهف تذكرني به آية بعد آية وتعززه في قلبي أحتاج أن أخلّصه من هذه الشوائب إياك في يوم أن يلتفت قلبك لأحد أو لشخص أو لشيء من عرض الدنيا أو متاعها فتظن جاهلاً أو مغتراً أن ذاك الشيء أو ذاك الحساب من المال أو تلك العزوة أو ذاك النفر من الأشخاص أو أو أو يمكن أن تملك لك عزاً تصنع لك جاهاً أو تصنع لك مجداً فإن العزة بيد الله وحده لا شريك له. أول خطأ وقع فيه صاحب الجنتين كان هذا الخطأ وكلنا في بعض الأحيان في وقت من الأوقات نقع في هذا الخطأ دون أن ننتبه إليه، علي أن أستيقظ. ولذا سورة الكهف جمعة بعد جمعة توقظ في نفسي هذا الإحساس، تعزز الإيمان لذا كانت نور، ما معنى النور؟ النور أن يضيء لك الطريق لا تأخذك الحياة بعيداً، إياك أن تغتر بما لديك من مال.

وانظر إلى الآية التي تليها (وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا) دخلها وأعظم أنواع الظلم وكل أنواع الظلم عظيمة ولكن كلها تنبت من شجرة ظلم الإنسان لنفسه وأعظم ظلم للإنسان لنفسه أن يبعدها ويصرفها عن خالقه بالشرك وعدم الإخلاص وابتعاد وإعراض عن الله سبحانه وتعالى وهو سبحانه من لا ينبغي أن يعرض عنه أحد. (وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ) كيف ظلم نفسه؟ بدحضها وطمسها وطمس معالم الإيمان من خلال الشرك، من خلال نسب ما وصل إليه من مال ومن جنة ومن نفر من حوله لنفسه الضعيفة التي لا تملك شيئاً. ولم يتوقف الظلم عن هذا الحد، وهكذا الظلم، الإنسان حينما يبدأ سلسلة الظلم لنفسه لا يمكن أن يقف عند حلق رديء واحد ولكن كل خُلُق يُسلِمه إلى الخُلُق الأسوأ الذي يرديه أسفل سافلين. (قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا) هل يُعقل هذه الجنة العظيمة التي أراها أمام عينيّ أن تبيد؟! ما أظن!، انظر إلى الغرور! انظر إلى اغترار الإنسان! فتنة! ما أظن أن أخرج في يوم من الأيام من هذا القصر الذي أمتلك، ما أظن أن هذه الحاشية في يوم من الأيام يمكن أن تتخلى عني، ما أظن، ما أظن، ما أظن! ولكنه كذب ووهمٌ كاذب ووهم عشت فيه وأنفقت فيه حياتي وأغلى ساعات عمري! هذا صاحب الجنتين الواهم الجاهل الذي لم يكن يدرك حقيقة الدنيا ولا حقيقة الآخرة وكان يعتقد أن عطاء الجنتين أعظم من عطاء الإيمان وبئس من عطاء! أعظم عطاء وأعظم رزق يمنحه الله سبحانه لأحدٍ من خلقه أن يُدنيك منه سبحانه بالإيمان به بأن يفتح على بصيرتك بأن ينير ويضيء جنبات نفسك وقلبك وروحك فتسمو إلى خالقها سبحانه تحميداً وتمجيداً وتسبيحاً. (وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً) كذّب بالبعث، كذّب بخالقه سبحانه (وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا ﴿٣٦﴾) غرور! غاية التكبر وغاية الغرور!

وتأمل معي إلى الجزء الثاني من القصة، هنا العطاء ولكن عطاء الدنيا وهنا الجانب الآخر الإنسان الفقير، المنع، نحن نرى الصورة أحياناً في كثير من الأحيان نحن كبشر أنظر إلى جزء فقط من الصورة لا أكمل الصورة لا آخذ الصورة بكمالها. الجزء الأول من الصورة صاحب العطاء صاحب الجنتين، الجزء الثاني من تلك الصورة إنسان فقير بسيط متواضع لا يمتلك من متاع الدنيا الكثير، انظر ماذا قال له؟ (قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا ﴿٣٧﴾) نعم، منع الله عنه شيئاً من عطاء الدنيا، شيئاً من تراب الدنيا حتى وإن كان تِبراً ولكن أعطاه شيئاً آخر أعطاه نعمة لا تزول، أعطاه نعمة الإيمان والتوحيد والتعرف لخالقه سبحانه وتعالى. وتأمل معي قول الله وانظر أيهما أعزّ؟ (لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا ﴿٣٨﴾) وتأمل كم مرة تقريباً ست مرات ترد في سورة الكهف (أحداً) الواحد الأحد، التوحيد، (لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي) العصمة من الفتن لا تكون إلا من قلب يؤمن ويتلفظ في كل نبضة من نبضاته بأن لا إله إلا الله وبان الدين حق وبأن الساعة قائمة وأن الدنيا إل زوال وأن الآخرة هي الباقية (لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا) هذا الرجل البسيط الفقير المتواضع صاح الإمكانيات المادية البسيطة الذي لا يملك شيئاً من متاع الدنيا، هذا الإنسان البسيط رزق نعمة الإيمان والتوحيد لله عز وجل ورزق نعمة أخرى كثير منا مع الأسف في هذه الأيام أمام فتنة الرزق يضعف أمامها "حسن الظن بالله عز وجل"، كم مرة أنا أسأت الظن بالله حين يمنع عني ما أريد وما أسعى إليه؟ كم مرة قلت أعطى ربي فلاناً ولم يعطني؟ كم مرة حدّثت بها نفسي؟ كم مرة قلت لماذا فلان عنده عشر أولاد وأنا ما عندي ولا ولد؟ كم مرة فكرت واعترضت على أحكام خالقي حتى ولو كان هذا الاعتراض في قلبي؟! كم مرة خطر ببالي لماذا يفتح الله عز وجل الدنيا على من كفر به ويمنعها عمن لم يكفر به ويؤمن به؟ كم مرة تصورت واهماً غير متيقن بالله غير مدرك لحكمته سبحانه وعلمه وقدرته المطلقة كم مرة قلت مع نفسي لماذا الكافر يمتلك من أسباب القوة ويقتل ويضرب ويسفك وأنا ضعيف فقير لا أستطيع أن أدفع أو أمنع عن نفسي الضر ولا أن أستجلب النفع؟ كم مرة أسأت الأدب وأسأت الظن مع الله عز وجل؟ لكن سورة الكهف تقدم لي نموذجاً من البشر يحسن بالظن بالله مهما انتكست أحواله المادية، الدنيا طلعت أو نزلت محسن الظن بالله عز وجل، مؤمن، يقول (لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي) أعطاني أو منعني، أخذ مني أم لم يأخذ مني، عطاؤه ومنعه عطاء وعطاؤه ومنعه ابتلاء وأنا في كِلا الحالتين أحتاج لتوحيده والإيمان به والاعتصام بحبله. (لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي) هو ربي سواء كنت مريضاً أو صحيح الجسم، هو ربي سواء كنت أستطيع أن أمشي على قدميّ أم كنت لا أستطيع المشي إلا على كرسي متحرك، هو ربي وحبيبي وخالقي والحنّان المنّان الغفور الرحيم سواء أعطاني أو منع عني، هو ربي سواء أقتلني أو قُتِلت في سبيله أو أحد اعتدى عليّ أو سُلّط عليّ، هو ربي. هذه القضية قضية محسومة في قلبي، في نفسي، هذه قضية غير خاضعة للعطاء وللمنع، المؤمن الذي يخضع إيمانه بالله للعطاء والمنع مؤمن ضعيف الإيمان يحتاج لتصحيح التوحيد وسورة الكهف تعزز هذا التوحيد وتصححه من جديد وتوقظ في نفسي نور التوحيد ليشع على قلبي من جديد. إيمانك بالله لا ينبغي أن يتزعزع ولا يكون محط تساؤل. إذا أردت إيماناً يصل بك لجنات الفردوس، إذا أردت إيماناً يصل بك إلى أحسن العمل عليك أن تدرك أن الإيمان بالله وتوحيد الله سبحانه غير قابل للخضوع إلى معادلات العطاء والمنع كما يقع البعض في هذه الفتن. وانظر إلى قول الإنسان هذا البسيط المتواضع الذي حُرِم من متاع الدنيا وأعطي أعظم متاع (وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ) لو أنا كنت في مكانك، انظر، هنا انتهى موضوع الحسد لأن بعض الناس حين يرى النعم المادية الظاهرة التي قد أعطيت لفلان أو فلان من الناس أول شيء يتبادر إلى قلبه هو قضية الحسد. الله أعطى فلاناً وهو كافر ولا يصلي ومنع عني وأنا أصلي وأشهد؟!! أما إيمانك وشهادتك بالله وصلاتك فهل هي لأجل العطاء؟! إن أعطاك آمنت به وإن منع عنك كفرت به؟! هذا ليس بإيمان! أما الحسد والنظر إلى ما في أيدي الناس، انظر إلى هذا الإنسان الفقير المتواضع، الحسد من أعظم الأعمال التي تأخذ الدين وتجتثّ جذور التوحيد من القلب، لماذا؟ لأن الحسد يتضمن الاعتراض على حكم الله وحكمته سبحانه وتعالى ومحاولة التدخل وإساءة الأدب مع الله عز وجل في الفصل بين عباده، هو رب، هو خالق، هو سيد في مملكته عز وجل يعطي ويمنع كما يريد وكما يشاء ويفعل ما يريد ونحن عبيد في مملكته سواء أعطانا أو منعنا، رضينا بذلك أم لم نرضى، هذا هو الإيمان.

الرجل المؤمن قال (وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ) لو أنت دخلت في جنتك بدل أن تقول (مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا) لو دخلت أنت في جنتك لقلت ما شاء الله كان يفترض بك أن تنسب القوة وأن تنسب الرزق وأن تنسب النعمة لله سبحانه وتعالى (مَا شَاء اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ) وهنا كلمة (مَا شَاء اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ) مفتاح لمن أراد أن يحافظ على نعمة، من أراد أن يصون نعمة منّ الله بها عليه سواء كان من مال من موهبة من علم من ولد، أي شيء، أول كلمة عليه أن يقولها وتبقى دائماً في قلبه (مَا شَاء اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ) وما معنى (مَا شَاء اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ)؟ هذا العطاء هو مشيئة الله عز وجل هذا العطاء نسبته لله، أنا لا أملكه، أنا لا أستحقه، أنا لا أضع نفسي كما وضع قارون نفسه حين قال (قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي (78) القصص) لا، أنا لم أؤتى هذا المال وهذا الرزق على علم،  صحيح الأخذ بالأسباب مطلوب ولكني قد آخذ بكل أسباب الدنيا طولاً وعرضاً ثم لا يكون لي فيها إلا ما قدّره الله عز وجل، أنا ربما آخذ بالأسباب ولا أنجح ولا أوفّق لنجاح ولا أوفق لعطاء ولا أوفق لربح تجارة أنت قد تكون تاجراً ماهراً وتعرف كل أساليب النجاح في الشركات والمؤسسات ولكن ربما تقوم بصفقة تقوم بصفقة ثم ربي عز وجل لا يسمح لك بأن تنهي هذه الصفقة أو تكون صفقة خاسرة، من الذي أعطى ومنع؟ الله. إذن لا يخرج الأمر عن مشيئة الله عز وجل ومقتضى إيماني وتوحيدي لله عز وجل يقتضي أن أؤمن بهذه الحقيقة وأن أستحضر هذه الحقيقة ولذا جاء –تأملوا الربط- الآيات التي في الكلام عن القصة في بداياتها في قصة أهل الكهف عندما علّم الله سبحانه وتعالى نبيه والمؤمنين أدباً رفيعاً (وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (23) إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ) كل شيء بمشيئة الله عز وجل كل شيء بأمره، أنا حين أقول سأفعل ذلك بعد ساعة أو غداً من الذي يملك تلك الساعة؟ من الذي يملك أن يجعلنيمن أهل تلك الساعة أو من أهل ذلك اليوم؟ من الذي يملك أنفاس الحياة؟ وبالتالي لا ينبغي لي أن أنسى أو أن أغفل حتى ما أنسى أبداً ولا أغفل عن ذكر الله لأن هذا مدخل من مداخل الشيطان ومدخل من مداخل الفتن، باي شيء؟ أن أتصور أن أفعل شيئاً دون مشيئة الله سبحانه. وقد يقول قائل نحن في خضم الانشغالات نقول سافعل ذلك غداً وأنا لا أقصدها وأوحّد الله وأعلم أن كل شيء بأمره ولكني نسيت ولذلك ربي سبحانه وتعالى قال (وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (23) إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ) النسيان منهي عنه، ينبغي أن لا أنسى قلباً ولساناً وعملاً وسلوكاً أنه ما من عمل إلا والله سبحانه وتعالى هو المريد له هو المحرّك له هو من يمكنني من القيام بالعمل، هذا إيمان، هذه العبادة  ما أصبحت كلمة ما شاء الله مجرد كلمة تقال باللسان، لا، أصبحت عبادة، أصبحت من أعظم العبادات، وكذا "إن شاء الله" لماذا؟ لأني حين أقول وأردد هذه الكلمة أستحضر وأجدد توحيدي وإيماني بأنه ما من عمل أقوم به إلا ومشيئة الله غالبة عليّ. (لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ) تأملوا معي كنز من كنوز الجنة "لا حول ولا قوة إلا بالله" ما معناها؟ أنا ضعيف أبرأ من كل حول لي وقوة، إلى من؟ إلى حولك وقوتك (لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ) لا المال ولا الجاه ولا الحاشية ولا الجيوش ولا القصور ولا حسابات البنوك ولا أي شيء في الدنيا (لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ) من استقوى بالله أعانه وقوّاه ومن استقوى بغيره أضلّه وأذلّه وأضعفه وأرداه، هذه هي الحقيقة. أنت تستقوي بمن؟ بجيوش؟ بحاشية؟ بنفر كما في صاحب الجنتين؟ انظر إلى النهاية!.

لكن دعونا قبل أن نصل إلى النهاية نكمل حوار هذا الإنسان المؤمن المتواضع صاحب الرزق البسيط الذي لم تجعل منه فتنة تقليل الرزق أو تقتير الرزق عبداً مخالفاً لربه جاحداً ساخطاً على قضاء ربه. وأنا أتساءل كم من المرات لم ننجح في هذا الاختبار؟! كم مرة ابتلينا بقلة الرزق أو بضيق الرزق ولو لفترة محددة ولم ننجح؟ كم مرة؟! كم مرة تزعزع الإيمان وتزعزعت محبة الله عز وجل في قلوبنا ولو بيننا وبين أنفسنا لم نُبِح بذلك لأحد نتيجة لقلة الرزق نتيجة لعدم تحقق أمنية كنا نسعى إليها، نتيجة لعدم ربحنا في تجارة طالما طلبناها وسعينا إليها، كم مرة؟! كم مرة؟! انظر إلى هذا الرجل (إِن تُرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنكَ مَالًا وَوَلَدًا) أنت ترى قلة المال والولد أما أنا فلا أرى القلة في المال والولد (فَعَسَى رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِّن جَنَّتِكَ) هذه الجنة التي تغتر بها في الدنيا عسى ربي، أسأل ربي أن يؤتيني خيراً منها، الرجل المؤمن كان يتعلق قلبه بالآخرة  كان ينظر إلى جنان الآخرة التي لا تفنى التي لا تزول ولا تحول لكن جنات الدنيا حتى وإن بقيت ولم تُهلك بأي نوع من أنواع العواصف أو الكوارث في النهاية ستزول ولذا بدا ربي في بداية سورة الكهف (وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا (8)) القضية منتهية، كل ما على الأرض إلى زوال والبقاء الحقيقي هو لجنان الآخرة ولذا هذا الرجل المتواضع البسيط نجح في فتنة الرزق، كيف نجح؟ أن قلة الرزق لم تجعله يصل إلى مرحلة السخط على ربه بل على العكس جعلته يرتقي وينجح ويمر ويعبر ليصل إلى مرحلة الرضى وهذا هو النجاح. النجاح الحقيقي أني حين ابتلى بضيق في الرزق، أي شيء، يمكن ربي سبحانه وتعالى يمنع عني الأطفال لا يهبني أطفالاً أو يمنع عني زواج أو يرزقني بأولاد فيهم مشكلة، أي شيء، ملك سبحانه وتعالى! هذا النوع من أنواع الابتلاءات والامتحانات عليك أن تحوله بدل أن يصل بك إلى مرحلة السخط على ربك وقضائه وحكمه عليك أن يصل بك إلى مرحلة الإيمان وقة الرضى بأمر الله سبحانه وتعالى.

(وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِّنَ السَّمَاء فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا) الرجل الفقير المؤمن الأمور كانت واضحة عنده الفتن ما كانت لتغيره لماذا؟ هذا أثر التوحيد والإيمان، هذا ما تريد سورة الكهف أن تصنعه في قلبي وقلبك. (أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا) يا صاحب الجنتين من الذي أجرى لك النهر؟! من الذي أخرج لك الماء وجعله متدفقاً ولم يذهب به في جوف الأرض؟! يا صاحب الجنتين من الذي أعطاك؟ الآية التي تليها، مباشرة جاءت الآية (وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ) هذا الرجل الذي كان قبل قليل يقول ما أظن أن تبيد هذه أبداً، أحيط بثمره، انتهت، الجنتان أصبحت قضية منتهية أصبحت ماضياً أصبحت ذكرى! ولنا أن نتساءل كم من مغرور مغتر بجاهه وبماله وبسلطته وبملكه وبعرشه زلزل العرش من تحت قدميه؟! كم كم من مغتر بماله وحاشيه أخذ عنه كل شيء وسلب منه كل شيء؟! (فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ) حسرة وندامة هذا في الدنيا وليس في الآخرة (َلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا) ووصل إلى الحقيقة التي لا ينبغي أن تغيب عن قلب إنسان يق يريد العصمة من الفتن (وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا) إذن الشرك! ما من عمل يمكن أن يستجلب النقم والعذاب والابتلاء في الدنيا كالشرك بالله عز وجل وعدم تمحيص التوحيد (وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا) إذن اكتشف صاحب الجنتين بعد فوات الأوان بعد انقضاء المحنة، بعد انقضاء الفتنة بعد انقضاء الامتحان اكتشف أنه كان على خطأ اكتشف أن أعظم جريمة ارتكبها في حق نفسه ظلمه لنفسه بعده عن الله سبحانه وتعالى، عدم توحيده وإشراكه.

(وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ) تلك العزوة، تلك الحاشية التي كان يستنصر بها ويغتر بها (وَأَعَزُّ نَفَرًا) انتهت (وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِرًا (43) هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا (44)) انظر إلى هذه الآيات العظيمة ماذا تصنع في نفسي؟ شيء طبيعي بعد كل تدبري ووقفاتي مع هذه الآية أن أبدأ استشعر معاني النور الذي تضيئه في قلبي وفي صدري سورة الكهف العظيمة، شيء طبيعي، كثرة الرزق وفتح أبواب الدنيا لا تدل على رضى الله عز وجل ولا تدل على أن هذا الإنسان كريم عند ربه كما أن قلة الرزق أو ضيق ذات اليد لسبب أو لآخر لا تدل على أن الله لا يحبك ربك يحبك ربك قد يمنع عنك ليعطيك وقد يعطيك ليبتليك وعليك في كلتا الحالتين أن تنجح في الامتحان وأن تتعلم كيف تجيب على أسئلة تلك الامتحانات قولاً وفعلاً ورضى وعطاء وأخذاً بالأسباب مع إدراك أن قدرة الله سبحانه وتعالى مطلقة. ولذا جاءت الآية التي تليها (وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) الدنيا التي تغترون بها (كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا) هذه الدنيا التي قد شغلتكم وشغلتم بها أخذاً ورداً وصعوداً ونزولاً وهذا وذاك هذه الدنيا لا قيمة لها مختصرها في آية واحدة (كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ) انتهى (وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا) إذن من السعيد فيها يا رب؟ السعيد الذي يتزود منها بأحسن العمل، ومن الشقي؟ ليس الذي حُرم أو قُتر عليه الرزق فيها ليس الذي ظُلم ولم يستطع أن يرد الظلم، ليس هذا ولا ذاك، الشقي الحقيقي في هذه الدنيا من خرج منها وهو يعتقد أنه يحسن العمل والله قد أضل سعيه ما ستأتي الآيات الأخيرة في سورة الكهف. السعيد الحقيقي هو الذي يأخذ الدنيا على أنها فرصة وغنيمة يغتنم منها كل ثانية وكل لحظة فلا تمر عليه ولا ترمش عينه أبداً إلا بذكر الله سبحانه في قلبه أو على لسانه أو بفعله وسلوكه، جعل الدنيا ميداناً للأعمال الصالحة سباقاً يتسابق فيه ليس لجمع الأموال ولا للزيادة من مدح وثناء الناس ولا جري ولا لهث وراء متاع الدنيا الزائل الذي لا قيمة له وإنما سعياً في الخيرات وعملاً للصالحات وإرضاء لرب يجازي بالخير خيراً وإحساناً ربّ رحمن رحيم قدرته مطلقة (وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا).

ثم إن من أعظم أسباب النجاة من كل الفتن فتنة الرزق فتنة الدين كل الفتن أن أدرك حقيقة الدنيا وألا تغيب تلك الحقيقة عن عيني وعن ناظر، انظر إلى الآية التي تليها (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) ما الذي ستأخذه معك؟! انظر إلى كل من قبلك وكل من سيأتون بعدك، انظر نظرة متدبر، انظر نظرة إنسان لم تشغله الحياة بحيث أنه لا تعطيه ولا حتى لحظات يسكن فيها إلى نفسه ويتدبر فيها هذا الخلق وهذه الدنيا، سورة الكهف توقظ الإنسان الغافل توقظ الجاهل توقظ المغترّ (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) زينة والدنيا هي كلها ستنتهي (وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا) وقد تكون تلك الباقيات الصالحات قولك "سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر" خير مما طلعت عليه الشمس خير من كل شيء، مجرد أن تقول مرة بقلب صادق "الحمد لله" ألم نقل قبل قليل في بداية السورة في الحديث كيف من توضأ أحسن الوضوء وقام فقال:" سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك" هذه الكلمات ليست مجرد كلمات، هذه الكلمات تشكل قمة توحيدي وقمة شعوري بأني لا بد أن أسبِّح الله أن أستغفره، وُضِعت في رِقّ وختمت عليه لا يُكسر إلى يوم القيامة، متى؟ يوم القيامة، يوم يفرح المؤمنون بثواب الله بنصره برزقه بجنانه بقصوره ببيوته هذا الفضل الذي يفرح به المؤمن فضل الله ورحمته خير لهم مما يجمعون، هذه حقيقة توقظ عيني وبصري عليها سورة الكهف. ثم مباشرة ينتهي الكلام ليبين لي ويُحضِر مشهد الآخرة، لماذا هذا الانتقال السريع في سورة الكهف والربط المتواصل مع مشاهد الآخرة؟ لأنه يريد أن يجعل الدنيا عندي شيء بسيط، هي  بسيطة قيمتها الحقيقية هي في الأعمال التي أقوم بها ليست في قيمتها المادية، القيمة المادية حتى وإن دامت لا قيمة لها.

مباشرة (وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ) الجبال بقوتها بسكونها أنا كإنسان الذي أغتر أحياناً بنفسي أنا صخرة بسيطة لا أستطيع أن أحملها، الجبال بطولها وعرضها وثباتها يسيّرها ربي سبحانه! (وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً) تأملوا معي (وترى) كل شيء حاضر أمام عينيك ليشحن القلب شحنة إيمانية تستحضر مشاهد القيامة. (وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا) حشرنا الكل كل من خلقه الله عز وجل لا يترك أحداً سبحانه! قدرته العظيمة المطلقة في كل شيء، قادر مسيطر على ملكه وخلقه.

(وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ) يأتي الاستعراض وانظر إلى التواصل المستمر بين مشاهد الدنيا والآخرة، (وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا) وقفنا صفاً أمام الله عز وجل دون أن يغادر منا أحد لا من قريب ولا من بعيد (لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (94) مريم) لا يمكن أن يتخلف أحد، (لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُم مَّوْعِدًا) هذا الإنسان المغرور الذي تغيب عن عينيه الآخرة يعتقد أنه لن يعود لربه سبحانه! ونحن نرى ونشهد في بعض الأحيان وتخرج منا نحن كبشر تصرفات ونحن نؤمن بالله ونقرأ سورة الكهف تصدر منا في بعض الأحيان تصرفات لا يمكن أن تشي أن هذا الإنسان يؤمن باليوم الآخر! صحيح أنا أؤمن به باللسان وبقلبي أؤمن لكن أحياناً أتصرف تصرفات من لا يؤمن بالله والعياذ بالله! كيف؟ حين أنسى أن الله سبحانه وتعالى حين لا أؤدي الأمانات إلى أهلها، حين أبخس الناس حقوقهم وكأني لن أُردّ إلى ربي فيسألني! ربي سيسألني عن كل شيء وتأملوا الآية التي تليها (وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ) كل شيء في كتاب لا أستطيع أن أُنكر! انظر إلى السلطان البيّن، شهادة مكتوبة موثّقة، بالتفاصيل باليوم بالليلة بالساعة فعلت كذا قلت كذا (وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا) رأى المجرمون الكتاب فماذا قالوا؟ (وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا) وقال بعض المفسرين الصغيرة هي أي شيء مجرد أن أبتسم بسمة لأن هذه الابتسامة يمكن أن يكون وراءها شيء، ممكن أن تكون سخرية بأحد الناس، ممكن أن تكون استقلالاً بأحد، يمكن أن تكون تصغيراً واحتقاراً، ويمكن أن تكون صدقة ومؤاساة ومؤاخاه وإقبال على الآخرين لتفريج همومهم وكروبهم، من الذي يعلم نيّتي وأنا أبتسم؟ ربي سبحانه وتعالى المطّلع على كل شيء وكل شيء عنده بمقدار وكل شيء عنده مكتوب.

(وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا) ليس فقط مجرد كتابة، لا، هو أحصاها، كل شيء مكتوب، أنا نسيته بحكم أني أقوم بأشياء متعددة ولكن كل شيء عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى. (وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا) كل شيء، الدنيا بكل ما فيها موجودة في هذا الكتاب، أين ذهبت لذة النعيم الذي كنت فيه؟ أين ذهبت لذة الأموال التيكنت أجمعها يميناً وشمالاً الحلال والحرام والربا والاختلاس وأخذ حقوق الناس وعدم إخراج الزكاة وأكل أموال الناس بالباطل، أين ذهبت؟! راحت، انتهت، وبقيت الحسرة والندامة وبقي الجزاء على العمل (وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا) الله يا ربي ما أعدلك وما أعظمك! وأيّ ربٍ ربي الذي لا يظلم عباده وهو مقتدر عليهم، بالله عليكم نحن اليوم كبشر أحياناً نملّك شيئاً من متاع الدنيا، شيء بسيط أحياناً يدخل تحت أيدينا بحكم الخدمة وبحكم الوظيفة أحد من الناس تحت أيدينا هل نراعي الله عز وجل فيهم؟ كيف نراعي ربي سبحانه وتعالى؟ انظر إلى قوله (وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا) ولله المثل الأعلى، هو قوي وقادر ولكنه لا يظلم أقام دعائم مملكته على العدل والعدالة بينما البشر في بعض الأحيان قد يقيم على الظلم يغتر بقوته وسلطته ولكن الخالق سبحانه له المثل الأعلى يربيني ويعلمني أن السلطة والقوة ابتلاء وعليك أن لا تظلم حين تقوى، القوة نفسها في حد ذاتها هي ابتلاء، عليّ حين أمتلك أسباب القوة أن لا أقع في ظلم أحداً.

ثم تأتي في سياق الآيات إلى الشيء الأساس وراء قضية الفتن والابتلاءات قصة آدم، الخلق، قصة الصراع الذي سيبقى بين الحق والباطل، الشيطان (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء) استنكار عجيب! انظر إلى القرآن كيف يربي انظر إلى آيات سورة الكهف كيف تقيم في نفسي هذه المشاعر العظيمة؟ (أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي) تريدون لكم ولياً من دون الله؟! ودعونا نربط مع قصة صاحب الجنتين (هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ (44)) الذي اعتز بحاشيته الذي اعتز بقومه من حوله فأذلّه الله! أنا بمن أعتز؟  أنا من أوالي؟! أوالي الشيطان؟! (وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا) أستبدل من بمن؟ خالقي سبحانه وتعالى أبدله بمن جل في علاه؟ أستبدل الشيطان بخالقي سبحانه؟! أوالي شيطان وهو عدو وأنا أعلم أنه عدو وأترك موالاة الله سبحانه؟! ولكن الموالاة ليست مجرد كلمة تقال باللسان الموالاة فعل، الموالاة سلوك، فما قيمة أن أقول (إِنَّ وَلِيِّـيَ اللّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (196) الأعراف) وأرددها بلساني ولكن أفعالي لا تعطي هذا المعنى ولا تعكس معنى الشعور والإحساس أن أوالي كل ما يأمر به الله سبحانه وتعالى. هذا المعنى العظيم أحتاج أن أعززه في قلبي وفي نفسي في سورة الكهف.

وينتهي الكلام إلى أن يصل عن قضية النار (وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُم مُّوَاقِعُوهَا) والقضايا كلها تبين لي مشاهد القيامة حاضرة أمام عيني أحتاج وأنا في خضم الصراعات والفتن والمحن والانشغال بالدنيا أن أستحضر الآخرة أمام عيني. (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ) العودة من جديد للقرآن العظيم، العصمة من الفتن (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ) ما من موقف وما من فتنة وما من محنة وما من ابتلاء يمر بك في حياتك إلا ستجد في القرآن ملاذاً إلا ستجد في القرآن إجابة إلا ستجد في القرآن نوراً يهديك، نوراً ينير به الله عز وجل ويفتح به على قلبك وبصيرتك وحياتك. (وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا (54) وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءهُمُ الْهُدَى) سنة من سنن الله عز وجل ربي سبحانه في هذه الآيات يفتح الأبواب بعد كل المعاصي بعد كل ما ذكر من ذنوب عباده باب التوبة والرحمة مفتوح سبجانه لا يغلق بابه، يحب عباده يتقرب إليهم بالنعم سبحانه وتعالى ويعطيهم الفرصة تلو الأخرى.

(وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ) وتأملوا معي كم مرة يذكر في سورة الكهف الحق الحق الحق أحق أن يتبع الحق أحق أن يُرى ويتبع والباطل أحق أن يزهق ويداس عليه وأن يُرى بعين تعرف معنى الحق وقيمة الحق ولذا قال (وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا) بأي شيء؟ (بِالْبَاطِلِ) المعركة خاسرة لأنها معركة باطل ضد حق. (وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنذِرُوا هُزُوًا) وتأمل معي الاستنكار كيف يستنكر الله سبحانه وتعالى عن عباده المعرضين عنه (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا) الاعراض عن الله سبحانه وتعالى الإعراض عن القرآن خاصة حين يقيّض الله لك من يذكّرك به وأنت تُعرِض! (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ) وهذا حال الكفار مع النبي صلى الله عليه وسلم الله سبحانه أرسل لهم رسولاً من أنفسهم وعزيز عليهم وحريص على هدايتهم ومع ذلك أعرضوا عنه (فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ) ومن أعظم الأعمال التي تورِث التخبط والوقوع في الفتن والعمى هي الإعراض عن آيات الله عز وجل سواء منها ما كان في هذا الكتاب العظيم أو ما كان في الواقع أو في الكون الذي نعيش فيه. (وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ) فأصبحت حاله أي حال؟ (إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً) وتدبروا معي اعجاز القرآن العظيم في هذه الآية قال (إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً) كان الجزاء من جنس العمل من جديد هو ذُكِّر، أرسل له من يذكره بىيات ربه ولكنه أعرض بملء إرادته فماذا كان الجزاء؟ أن جعل الله على قلبه غطاء (إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً) فأيُّ عدالة أعظم من عدالة الله عز وجل؟! حاشاه سبحانه، عادل حتى مع من كفر به (إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَن يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا) أقفل وأغلق عنده كل منافذ الإدراك لا قلب يسمع ويعي ولا عين تبصر الهدى ولا أُذن تسمع، انتهت القضية، لن يهتدوا أبداً. وتأملوا رحمة خالق العباد سبحانه وتعالى الذي شملت رحمته كل شيء الذي وسعت رحمته حتى الإنسان الذي كفر به وأعرض عنه (وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ) حتى بعد ما أغلقوا كل شيءـ حتى بعد أنهم ما يريدون الهدى، يبقى ربي هو الغفور ذو الرحمة سبحانه. لماذا (وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ) في هذا الموضع بالذات؟ الله عز وجل يريد أن يبقي الباب مفتوحاً لعباده حتى من كفر به لا تزال لديك فرصة حتى لو كنت من المعرضين، إفرض أنك أعرضت عن ربك طول حياتك ثم في يوم من الأيام جلست مع نفسك وتفكرت في أمرك واتخذت القرار الشجاع وقلت والله كفى ظلماً لنفسي والله كفى بعداً عن ربي أريد أن أعود، إياك في يوم أن تقنط من رحمة ربك وعليك دائماً أن تتيقن أن رحمة خالقك سبحانه وتعالى أعظم من ذنوبك التي أذنبت وأنك مهما أذنبت فإن الرحمة هي أبقى وأعظم وأظهر (وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ) لا يعجل حليم سبحانه وتعالى يتأنى على عباده عز وجل يمهل ولكنه لا يهمل، لماذا يُمهل؟ الامهال ابتلاء وامتحان، الإمهال فرصة أعود لخالقي؟ أسترجع نفسي التي ظلمت أو أستمر في الظلم والغيّ والعدوان؟!

وانظر إلى الانتقال السريع بين مصير الأفراد ومصائر الشعوب والأمم حينما تبتعد وتتخذ قرار البعد عن خالقها (وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ) ولكن متى (لَمَّا ظَلَمُوا) إذن هو الظلم، عادل سبحانه وتعالى في تقرير مصائر الشعوب والأمم، لا يهلك أمة من الأمم بدون سبب، الأمم والإرا والشعوب هي التي تقدّم أسباب هلاكها بين أيديها حينما تختار منهجاً سوى منهج الله سبحانه وتعالى. (وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا) كل شيء بمقدار فلا تغرنك الحياة الدنيا ولا تستبطئ النصر ولا تقول يا ربي طالت المدة! يا ربي لماذا لم تنصرني إلى الآن أنا مظلوم؟! يا مظلوم لا تستبطئ نصر الله سبحانه، النصر قادم والفرج قادم ولكن لكل أجل كتاب ولكل مهلك قوم أو أفراد أو ظلمة موعد عند الله سبحانه وتعالى الذي كل شيء عنده بمقدار.

ثم تنتقل سياق السورة انتقالاً عظيماً إلى قصة ثانية قصة موسى عليه السلام. قصة موسى عليه السلام مع رجل صالح آتاه الله من لدنه علماً. هذا السياق أو هذه القصة هي في حد ذاتها تكشف لي عن قصص أخرى أو عن فتن أخرى وقعت في قصة موسى مع هذا الرجل الصالح، كيف؟ موسى عليه السلام أراد أن يتعلم، ذكرت كتب التفاسير أنه قد قال أنا من أكثر الناس علماً فأراد الله أن يعلمه ويؤدب أنبياءه ويؤدب موسى عليه السلام من خلال هذا التأديب الرباني ولكل الأمم بمن فيها من تقرأ القرآن نحن اليوم. فموسى عليه السلام قال له الله سبحانه وتعالى وأخبره بأن هناك رجل صالح سيأتي في المكان المحدد عليك أن تتعلم منه. انظر إلى أدب النبوة من جديد والتواضع لله سبحانه وتعالى الإنسان لا ينبغي مهما أوتي من علم أن ينسب اي نوع من أنواع العلوم مادية علمية كل شيء لا ينبغي أن ينسبه لنفسه لا ينبغي أن ينسب الفضل، من جديد توقظني سورة الكهف علي أن أنسب الفضل لخالقي سبحانه وتعالى. موسى عليه السلام وصل إلى المكان المحدد (فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا) كانت هي هذه العلامة التي يريد موسى من خلالها أن يلتقي الرجل الصالح، الشاهد بدأ (فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءنَا) وصلوا إلى المكان والفتى أخبره أنه قد نسي الحوت عند ذلك المكان وذهب الحوت وقال من جديد (قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا) موسى عليه السلام اتخذ قراراً أن يسير نحو التعلم لذلك قال (لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا) فإذن قد حدد الكلام.

(فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا) العلم مهما كان حتى وإن كان فيه أشياء مكتسبة أنا أتعلمها أقوم بتعلمها ذهاباً إلى مدرسة أو إلى جامعة أو اطلاعاً على كتب، لكن من هو العليم الذي علمني؟ ولذا جاء في سورة أخرى (الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5) العلق) هو الذي يعلم سبحانه! هو الذي يهدي كل شيء ويعلمه، بل نقول أكثر من ذلك من الذي علمك أن تمشي؟! هب أنك أنت تعلمت من كتاب أن تقرأ وأن تكتب وتعلمت العلوم وصعدت إلى القمر القمر واكتشفت واكتشفت كما هي فتنة العالم المعاصر اليوم باغترار الإنسان بما توصل إليه من علوم، إفترض أنك قد حصلت على كل ذلك لكن نجب على سؤال بسيط: من الذي علمك أن تمشي؟! من الذي علمك أن تأكل؟! من الذي علّمك كيف تأكل؟! الأشياء البسيطة التي لا ننتبه إليها هل قرأتها في كتاب؟ هل أحد من الناس ألّف كتاباً علّم الناس كيف يأكلون؟! علمهم كيف يشربون؟! من علمك كيف تتنفس؟ من علمك كيف تجعل قلبك ينبض؟ من علمك؟! الأشياء التي نتصور ونعتقد أنها بسية لا يمكن أن نكون قد تعلمناها إلا من عند الله سبحانه الذي خلق كل شيء وهداه، الذي علم كل شيء وعلم الإنسان ما لم يعلم. قصة موسى عليه السلام قصة تبين معنى قضية أن يعلم الإنسان وينظر إلى ظواهر الأمور وبواطنها، قصة تؤكد على حقيقة أن الأمور ليست بظواهرها وأن الأمور لا تُقرأ فقط بمقدماتها لا، وإنما هناك حكمة من ورائها. القصص التي وردت في قصة موسى عليه السلام مع هذا الرجل تبين أن ما يدور معي من فتن واختبارات ومواقف وأحداث الحياة لها حكمة لها غرض أراد الله سبحانه وتعالى من خلال ذلك الغرض أن يحقق أشياء معينة وفي نهاية الأمر هي في صالحي طالما أنا أؤمن بأن الله ربي، طلما أني لا أُشرك بالله عز وجل، طالما أني رضيت  بحكمه وقدره وقضتئه وأن الدنيا مهما اسودت أمام عيني بأحداثها بصعابها بمشاكلها بفتنها علي دائماً أن أبحث عن بصيص النو  في خضم الظلام الذي أحيا فيه في خضم الفتن والمحن والأفكار، علي دائماً أن أبقي على ومضة التفاؤل وحسن الظن واليقين بالله متقدة في قلبي وفي نفسي.

اتفق الرجل الصالح مع موسى عليه السلام على الصبر وتأملوا معي قول الله عز وجل، أولاً أدب موسى عليه السلام حين قال: (قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا) وتدبروا معي كم مرة تتكرر الكلمة: رشد، مرشد، رشداً؟ لماذا هذه التصاريف؟ لا يُخرج من الفتنة إلا الرشاد والإنس

التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل