تدبر سورة الكهف - 1 - د. رقية العلواني

تدبر سورة الكهف - 1-

د. رقية العلواني

(تفريغ جميع محاضرات د. رقية العلواني حصريًا لموقع إسلاميات)


بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. حين يزداد الظلام وتتلبد سماء الواقع بالفتن وغيوم الشُبُهات يحتاج الإنسان إلى كهفٍ يأويه ويحميه، يحتاج إلى نور يضيء له الطريق، يحتاج إلى نور يأتي على هذه الظلمات فيبدّدها يحتاج إلى شيء يبدد كل ما حوله من فتن ويضيء الطريق وينير الطريق والمسار أمام عينيه ليسير إلى الأمام على الصراط المستقيم.

هنا تأتي سورة الكهف هذه السورة العظيمة التي ورد في فضلها الأحاديث الكثيرة والمتعددة عن النبي صلى الله عليه وسلم يقول في ذلك: "من قرأ سورة الكهف ليلة الجمعة أضاء له من النور ما بينه وبين البيت العتيق". وفي حديث صحيح آخر "من حفظ عشر آياتٍ من أول سورة الكهف (وفي رواية من آخرها) عُصِم من فتنة الدجال". حديث آخر صحيح "من قرأ سورة الكهف كانت له نوراً إلى يوم القيامة من مقامه إلى مكة ومن قرأ عشر آيات من آخرها ثم خرج الدجال لم يضرّه ومن توضأ فقال سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك كُتب له في رِقّ ثم جُعِل في طابع فلم يُكسَر إلى يوم القيامة"

هذه سورة الكهف كل الأحاديث الواردة في فضلها تبين بأن هناك في هذه السورة من المعاني ومن الوقفات التي إذا ما تدبرها المؤمن وهو يكرر قراءة هذه السورة في كل أسبوع سيكون له ملاذٌ، سيكون له حماية، سيكون له مأوى من الفتن وخاصة فتن آخر الزمان التي تحدثت عنها هذه السورة العظيمة. فيا ترى ماذا في هذه السورة العظيمة من معاني تستجلب وتستدعي تبديد الفتن والظلمات؟ ماذا في سورة الكهف من النور لكي يبدد به الإنسان الظلمات التي باتت تحيط به من كل حدب ومن كل صوب؟

السورة مكية نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في حالة شديدة هو وأصحابه من المعاناة، من الضعف، من التنكيل، من كل نواحي التعذيب المختلفة التي تفنن المشركون في صبِّها على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، في محاولة يائسة بائسة لثني النبي عليه الصلاة والسلام عن الإستمرار في دعوته المباركة. في تلك الأثناء وفي تلك الأجواء من المحن ومن التعذيب ومن الضعف ومن الشعور بالضعف والشعور بمعنى الفتنة في الدين حقيقةً لأن الكلام أو الحديث الذي سنأتي عليه تباعاً إن شاء الله في سورة الكهف حديث عن مختلف أنواع الفتن، إبتلاءات، محن، لكن سنجد أن أشد فتنة يمكن أن يتعرض إليها الإنسان أن يُفتَن في دينه فالنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام في تلك الأجواء كانوا يتعرضون لفتنة ولإمتحان وإبتلاء في الدين وهذه من أشد الفتن.

جاءت السورة المباركة التي هي في تعداد النزول حسب نزول القرآن الكريم تحتل المرتبة التاسعة والستين، جاءت هذه السورة  لتعضد وتقوي النواحي التي ينبغي أن يمتلكها الإنسان في أي وقت وفي أي زمان إذا أراد أن يواجه الفتن وبخاصة فتنة الدين. جاءت على النبي عليه الصلاة والسلام ونزلت عليه وعلى أصحابه لتبين له أن تلك الفتن وتلك الإمتحانات مهما قويت ومهما كان فيها من جوانب مؤلمة ومآسي وإبتلاءات ومحن فإنها ستزول. المخرج الأساسي لكيفية التخلص من هذه الفتن يكمن في تأكيد التوحيد، في تكريس التوحيد كما هي العادة في مختلف السور المكية وفي كل القرآن. كلما إزدادت قوة التوحيد في القلب، كلما إزدادت قوة التمسك بهذا التوحيد وتصحيحه من كل شائبة وإخلاص وتخليص العمل لله عز وجل وجعل العمل خالصاً لوجهه سبحانه كلما كان ذلك عصمة للإنسان أكثر فأكثر نحو التمسك بهذا الدين والإبتعاد عن كل الفتن.

السورة العظيمة حددت أسباب الفتن وأجواء الفتن في كل زمان، رسالة باقية كما هو القرآن. وحددت كذلك معها كيفية الخطوات التي يمكن أن يسير عليها الإنسان للتخلص من ظلمات الفتن ومن نور الفتن فكانت بحق هذه السورة العظيمة نوراً يضيء للإنسان في طريق الحياة نور يضيء له في طريق الفتن المتلاطمة حين يزداد السواد في تلك الفتن ولذلك لا عجب أن يكون أول كلمة في هذه السورة المفتتحة بالتحميد لله سبحانه وتعالى. ولا عجب كذلك ذلك الترابط العجيب بين ختام ونهاية سورة الإسراء حين يقول الله عز وجل (وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (111) الإسراء) ثم تأتي سورة الكهف التي هناك فاصل زمني واسع بين سورة الإسراء وسورة الكهف ولكنها في ترتيب المصحف الذي بُنيَ على التوقيف من عند الله عز وجل أن يفتتحها بالحمد فقال (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا (1) الكهف) ثم إن سورة الكهف هي واحدة من خمس سور في القرآن إفتتحها الله عز وجل بقوله (الحمد لله).

والسورة العظيمة شملت كل معاني الحمد على أي نعمة؟ نعمة القرآن العظيم. تأملوا معي قول الله عز وجل (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا (1) قَيِّمًا لِّيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (2)) الحمد لله ملء الحمد ملء القلب تسبيحاً وحمداً على نعمة القرآن (أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ) الذي ما من شك أن ما من نعمة في هذا الكون هي أعظم من هذا الكتاب العظيم. ولنا أن نتدبر الآن ونبدأ بإدراك معاني الخروج من الفتن، ما من فتنة مهما كانت تلك الفتنة في الدين أو في الرزق أو في الولد أو في السلطان أو في الجاه أو في القوة، في القديم أو في الحديث إلا والقرآن هو مفتاح النجاة منها، قارب النجاة. بدون القرآن وبدون اللجوء إلى القرآن العظيم لا يمكن أن يكون هناك عصمة من الفتن، لا يمكن. إذاً هو القرآن ولذا جاء (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ) وجاء بذكر عبده صلى الله عليه وسلم قبل القرآن تشريفاً وإصطفاءً وإعلاءً لمنزلته صلى الله عليه وسلم وقد قيل في أول سورة الإسراء -وهكذا التدبر بمعنى أننا حين نتدبر القرآن نصل أول السور بخواتيمها، نصل بدايات السور بخواتيمها ثم ننظر ونتدبر في إفتتاحية السورة التي قبلها والسورة التي بعدها- سورة الإسراء يقول فيها الله عز وجل (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ (1) الإسراء) والعبودية هنا تشريف للنبي صلى الله عليه وسلم لأنها عبودية من نوع خاص. النبي صلى الله عليه وسلم أصبح عبداً من نوع خاص صلوات ربي وسلامه عليه. والآن في سورة الكهف يفتتح فيقول (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ) صلى الله عليه وسلم. (الكتاب) إذن هو الكتاب هو القرآن عصمة من كل الفتن كل فتن الزمان والمكان، لا حماية ولا عصمة إلا بهذا الوحي والرجوع إليه الذي يقوّم حياة الإنسان ولذلك قال (وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا) القرآن بطبيعته يقوّم حين تنحرف الأهواء بالإنسان عن المسار. الفتن بطبيعتها -كما سنأتي عليها وتعرضها سورة الكهف- الفتن بطبيعتها تحاول أن تحرف الإنسان عن مساره الصحيح، تحاول أن تخرج بنا عن الطريق المستقيم، تحاول أن تخرجنا بأهوائها بظلماتها عن الطريق المستقيم. من الذي يقوّم ويصحّح المسار؟ القرآن، الرجوع إليه ولذا كان لا بد لي أن أقرأ سورة الكهف على الأقل ما بين الجمعتين لتضيء لي الطريق لتضيء لي الدرب إذا نسيت أو غلفت عن الإتصال والتواصل وهذا لا ينبغي أن يكون بالقرآن العظيم بالوحي خلال الأسبوع أو خلال الجمعة إلى الجمعة ستأتي سورة الكهف لتعدل المسار من جديد، لتقوم بربطي بهذا القرآن العظيم لتقوم بشدي من جديد للسير على الطريق الصحيح الذي لا ينبغي أن أحيد عنه.

أول فتنة عظيمة تحدثت عنها السورة وبينت فيها كانت "فتنة الدين" ووضعت قبل أن تبدأ بعرض الفتنة أو الإبتلاء أو المحنة وضعت الأسس التي ينبغي التمسك بها للخروج من فتنة الدين التي هي أشد فتنة على الإطلاق قديماً أو حديثاً ولذا ورد في الدعاء الصحيح "اللهم لا تجعل فتنتنا في ديننا" لأن الفتنة في الدين صعبة شديدة قد لا ينجو منها الإنسان والعياذ بالله!.

السورة بدأت وتحدثت بعد الحديث عن القرآن وأهمية اللجوء إليه ومكانة القرآن بدأت بالحديث عن أي شيء؟ عن التوحيد، مسألة التوحيد كيف؟ الله عز وجل عرض في الآية الرابعة (وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (4) مَّا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا (5) فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (6)) التوحيد، وسورة الكهف تقدم لي نماذج من الخلل في التوحيد والعقيدة منها إدعاء إتخاذ الشريك أو الولد لله سبحانه وتعالى وهو واحدٌ جلّ في علاه. أعظم جريمة يرتكبها الإنسان في حق نفسه وفي حق الآخرين وفي حق المجتمع الذي يعيش فيه أن يدّعي أن لله ولداً، أن يدّعي أن لله شريكاً في ملكه سبحانه وتعالى جريمة نكران التوحيد جريمة الشرك جريمة الخلل في هذا التوحيد.

ثم تأتي الآية في تسلية وفي وقفة رائعة قبل الحديث عن الفتنة الأولى فتنة الدين للنبي صلى الله عليه وسلم، النبي صلوات ربي وسلامه عليه كان يحمل من الإنسانية ومن معاني الحنان والعاطفة ما طغت على جوانب متعددة في شخصيته العظيمة صلى الله عليه وسلم، كان في غاية الحنان، كان في غاية الرأفة والشفقة على قومه. ولنا أن نقف هنا وقفة بسيطة القوم كانوا يسومونه وأصحابه سوء العذاب، القوم تفننوا في أن يُنزلوا به صلى الله عليه وسلم أشكالاً متعددة من التعذيب والإهانة، رموا حتى الأوساخ من الناقة حتى على ظهره الشريف صلى الله عليه وسلم وهو يصلي في صحن الحرم، ما تركوا وسيلة إلا وسلكوها في محاولة لردعه صلى الله عليه وسلم عن الإستمرار في دعوته. ولكن ذلك القلب العظيم قلب النبي صلى الله عليه وسلم الذي ما أُرسِل إلا رحمة للعالمين الذي وصفه ربه عز وجل فقال (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4) القلم) هذا القلب العظيم كان يفيض بالمحبة والحنان والشفقة على قومه فجاءت الآية (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا) يا محمد صلى الله عليه وسلم أستذُهب نفسك عليهم حسرات لعدم إيمان قومك بهذا الكتاب؟ ستقتل نفسك والآية (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ) لم ترد في كتاب الله إلا في موضعين: موضع سورة الشعراء والموضع الثاني الذي لم تأتي بعده (أبداً) في سورة الكهف، عتاب وتسلية ورأفة وشفقة بهذا النبي العظيم الذي بلغ حنانه وشفقته على قومه الكافرين الذين يقومون بتعذيبه وأصحابه هذه الشفقة العظيمة لدرجة أن نفسه قد باتت تذهب حسرات على عدم الإيمان وإتباع هذا القرآن العظيم، أسف، الأسف ليس بسبب عدم إيمانهم وإتباعهم له كشخص، أبداً، الأسف على أنهم لم يدركوا بعد عظمة القرآن العظيم، الأسف على قومه لأنهم لم يدركوا نور القرآن العظيم وهذه لفتة رائعة لكل إنسان يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة. حين ينحاز الناس عن طريق الحق عوضاً عن أن تشعر بنوع من الحقد أو ربما بنوع من الغيظ عليهم أُشعر بالرأفة لهم لمن يخالف هذا الدين أُشعر مشاعر العطف والشفقة على الخسارة العظيمة التي خسرها هؤلاء حين أعرضوا عن هذا الكتاب العظيم عوضاً عن الشعور بأي مشاعر من الغيظ أو أي مشاعر من الحنق.

ثم تأتي الآية فتقول (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا) حقيقة الحياة هذه خطوة أخرى من خطوات العصمة والخروج من الفتن إذاً:

- الوسيلة الأولى: التمسك بالقرآن العظيم واللجوء إليه والإحتماء بآياته العظيمة.

- الوسيلة الثانية: العظيمة التوحيد وتنقيته المستمرة يوماً بيوم وأولاً بأول من كل شائبة تشوبه.

- الوسيلة الثالثة: إدراك حقيقة الدنيا ووضع هذا الإدراك نصب عيني وأنا ألاحظ الفتن وأنا أنظر إلى السماء سماء الواقع الملبدة بغيوم الفتن والمحن والإبتلاءات والخطوب مهما عظمت أن هذه الدنيا في نهاية الأمر ليست شيئاً يُذكر. الله سبحانه وتعالى بقدرته المطلقة سيجعلها صعيداً جرزاً، الغاية من وجودها، الغاية من أن تكون زينة، الغاية من وجود كل هذه الأجواء فيها (لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) وهو العالِم بعباده سبحانه وتعالى أحسن العمل.

سورة الكهف من خلال تدبر معانيها يوماً بعد يوم وما بين الجمعتين وإستذكار هذه المعاني في حياتي تؤهلني لأن أصبح إنساناً يحسن العمل في هذه الدنيا، إنسان يتعلم الإخلاص، يتعلم فن الإخلاص، يتعلم صنعة الإخلاص حتى لا يغادر الإخلاص أيّ عمل يقوم به مهما كان ذلك العمل بسيطاً أو متواضعاً لأن الله سبحانه وتعالى لا ينظر إلى حجم العمل الذي أقوم به ولا إلى حجم الصدقة التي أقدّمها بين يديه سبحانه ولا إلى عدد الركعات التي أركعها وأقف بين يديه سبحانه، ينظر إلى شيء آخر ينظر إلى القلب الذي يتوجه إليه، ينظر إلى الصدقة ليس بمعيارنا نحن في بعض الأحيان مليون دينار أم نصف دينار ولكن ينظر إلى ذلك القلب الذي أخرجها قبل أن تخرج وتمتد اليد بالصدقة، ينظر إلى القلب الذي قام حين يقوم وهو يصلي بين يدي ربه، ينظر إلى تلك الدمعة التي تخرج من خشيته وتنسكب من خشيته في جنح الظلام وفي جنح الليل ليغفر بها لصاحب الإخلاص. لا يمكن أن يُتقبل العمل بدون الإخلاص (لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) إخلاص العمل. ثم أن يكون هذا العمل وفق ما جاء في هذا الوحي العظيم ولذا قال (أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا) إن إمتلكت وتمنن الخالق المنان عليك بالإخلاص لا بد أن تراقب العمل لكي يكون وفق ما جاء في هذا الكتاب العظيم فلا يعوج بك يميناً ولا شمالاً، يا لها من سورة عظيمة!.

ثم تأتي الآية (وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا) لتسلي قلوب المؤمنين ليس فقط النبي صلى الله عليه وسلم. كل مؤمن سيُبتلى ويُفتن في دينه أو في أي فتنة ستتعرض لها سورة الكهف لأنها جمعت الفتن. (وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا) حين يصيبنا ما يصيب كما يحدث في أيامنا الحالية في الواقع الذي نعيش حين تزداد الخطوب والفتن ويبدأ الإنسان يشعر بالأسى والألم والأسف على ما يحدث من حوله تأتي الآية فتسلي القلب وتمسح عن هذا القلب الآلام والأحزان بقول الله (وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا). الدنيا بكل ما فيها، مبانيها وما فيها وأشخاصها وأعيانها وحوادثها ولامها وأفراحها وأحزانها وأتراحها وصعودها ونزولها (صَعِيدًا جُرُزًا) كأنه لم يكن. فلا عليك، لا تنشغل بالخطوب عن ما أنت عليه لا تشغلك الخطوب والفتن والمحن والمآسي والآلام والأحزان عن إعداد العدة لذلك اليوم العظيم الذي سيأتي لا محالة. عن إعداد العدة لأجل إحسان العمل حين تقدم عمل قدّمه خالصاً لوجه ربك قدّم أحسن العمل بين يدي الله أما الدنيا وأما الفتن فلا تأخذ منك الوقت الكثير، دع عنك ذلك.

ثم تأتي الآية (أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا) وقد وردت في بعض الأحاديث وفي بعض التفاسير أن النبي صلى الله عليه وسلم سأله قومه بعد أن أرسلوا إلى يهود يريدون مساعدة اليهود في كيفية إحراج النبي صلى الله عليه وسلم في بعض الأسئلة التي لم يكن قطعاً يعرف عنها أي شيء ومن هذه الأسئلة قصة الفتية، القصة كما وردت في بعض التفاسير بأنواع مختلفة من التفاصيل التي لم يذكرها القرآن الكريم وطالما أن القرآن لم يذكرها نتوقف عندها وأذهب إلى أبعاد القصة وما تريد أن تغرسه في نفسي وفي قلبي. من هم الفتية؟ كيف خرجوا؟ في أي زمان؟ كم كان عددهم؟ القرآن لم يحفل بذلك كله القرآن يريدني فقط أن أقف على معاني القصة، ما هي هذه القصة؟

قصة فتية شباب تعرضوا لأصعب محنة يمكن أن يتعرض لها إنسان محنة الدين الفتنة في الدين. هذه الفتنة في الدين التي تعرضوا لها المجموعة من الشباب أنهم كما قالت الآيات بدأوا بمواجهة الفتنة، فتنة الدين المجتمع الذي كانوا يعيشون فيه، السلطان الذي كان يسيطر على ذلك المجتمع، القوة كانت تريد أن تثني هؤلاء الفتية والشباب عن التمسك بدينهم. ودعونا نربط الآن بين ما تعرّض له الفتية وما تعرّض له النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في ذلك الوقت. أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام واجهوا مكة، قريش بعتادها بقوتها بالمجتمع الذي كانوا يعيشون فيه بكل شيء، والفتية هؤلاء الشباب تعرضوا لمحنة مختلفة في تلك الأثناء بنفس المسار مسار الدين، التوحيد، من قوم آخرين ربما كانوا مع يهود ربما كانوا في ذلك الزمان المهم الدعوة واحدة. ودعونا نتوقف ونحن نصل ما بين تلك المحنة وتلك الفتنة في كل زمان ومكان قد يتعرض الإنسان شاباً كان أو في أي مرحلة عمرية لفتنة الدين، فتنة المجتمع، أحياناً فتنة الأسرة. أنا إبتغيت وجه الله عز وجل أنا قررت أن أغيّر مساري، أنا قررت فقلت (رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا) وقومي أو مجتمعي وأسرتي أو العالم من حولي أراد أن يسلك طريقاً آخر وأنا قررت أن أسلك طريق التوحيد، فتنة أم ليست بفتنة؟ فتنة، فتنة كبيرة، إبتلاء كبير. لأني معنى ذلك حين أقرر وأتخذ قرار تغيير المسار الذي أنا فيه سأواجه تحديات كما واجه التحديات هؤلاء الفتية، كما واجهها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه. لم يتركه قومه قطعاً، القوم من قريش قرروا مواجهة ذلك الدين بكل الوسائل والأساليب. وهنا تأتي معنى التسلية للنبي صلى الله عليه وسلم ولأصحابه ولكل مؤمن يؤمن بالحق ويدافع عن الحق ويقرر أن يغيّر حياته. كثير منا خاصة في الزمن الذي نعيش فيه ليس بالضرورة القضية تكون توحيد وشرك وكفر، لا، أنا ممكن كما في زماننا الذي ابتلينا فيه ممكن أكون فقط قررت أن أعيش التوحيد لأننا اليوم كثير من المسلمين وكثير من العوائل، كثير من الأسر يوحّدون الله عز وجل باللسان يقولون لا إله إلا الله محمد رسول الله ولكن كل جزئيات وتفاصيل حياتي أبعد ما تكون عن لا إله إلا الله محمد رسول الله. وهنا يواجه الإنسان المحنة الحقيقية قررت أن أغيّر مساري عن أسرتي عن المجتمع عن المؤسسة التي أعيش فيها، ماذا أفعل؟.

سورة الكهف عرضت السبب الآخر أو الوسيلة الرابعة تقريباً التالية من وسائل مواجهة الفتن والصعوبات، كيف؟ (فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا) الدعاء. الدعاء المتواصل لله سبحانه وتعالى، طلب المعونة المستمرة منه، طلب الهداية (رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا) بدون دعاء، بدون الإلتجاء المتواصل، هذه الوسيلة العظيمة لمواجهة الفتن، الدعاء المتواصل لله سبحانه وتعالى بأن يرحمني برحمته الواسعة، أن يقيني من الفتن. وتأملوا معي إختيار الكلمة (رَشَداً) الرَشَد الذي يهدي الإنسان، الرَشَد الذي يقدّم للإنسان لهداية حين تختلط الأوراق أمام عينيه حين لا يدري أي سبيل أو أي طريق يمكن أن يسلكه هيئ لنا من أمرنا رشداً، الإختيار الصائب، الإختيار الصح حين تختلط الأوراق من الذي يهيئ الرشد؟ من الذي يهيئ للإنسان الصلاح؟ من الذي يضيء الطريق أمام الإنسان حين تختلط الأوراق؟ من الذي يهيئ لهذا الإنسان حين تختلط الأوراق وتتعدد الفتن؟ من الذي يهيئ لهم النور والصلاح والرحمة سوى الله سبحانه وتعالى فكان التوجه إلى الله من أعظم وسائل مواجهة الفتن، الدعاء.

ثم تأتي الإجابة الفتية هؤلاء المجموعة من الشباب الذين كما يبدو في سورة الكهف تعرضوا لمحنة أن قومهم قد حادوا عن التوحيد، أن قومهم قد إبتغوا الشرك وإتخاذ الشرك مساراً بعيداً عن توحيد الله عز وجل وهم إتخذوا قرار التوحيد مسلكاً لحياتهم وواجهوا هذه الفتنة. ربي عز وجل سبحانه وتعالى أعطاهم العلاج، أعطاهم الهداية. وتأملوا قول الله عز وجل (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ) في إشارة واضحة للنبي صلى الله عليه وسلم ولأتباع هذا الكتاب العظيم: لا تذهب بعيداً وتخوض في الإسرائيليات وفي القصص المختلفة المنسوجة حول أصحاب الكهف من يهود ومن غيرهم (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ) الحق في هذا الكتاب العظيم. ما قصتهم؟ بعيداً عن كل الخزعبلات التي يمكن أن تحاك حولهم (فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ) في كلمتين (آمنوا بربهم) حين يصبح الإيمان القرار الذي أتخذه كيف تكون النتيجة؟ حين يصبح الإيمان والتوحيد الخالص هو القرار الذي أقرره أنظر إلى النتيجة في نفس الآية (وَزِدْنَاهُمْ هُدًى) إنتهت المسألة. طلبت الهداية من الله سيهديك، من طلب الهداية من الله هداه ومن آوى إلى الله آواه ومن إعتصم به عصمه ووقاه ومن توكّل عليه كفاه ومن أراد العزة والهداية في غير طريق الله ربي سبحانه وتعالى أضلّه وعماه، تأملوا معي. ثم الجزاء الذي بعد ذلك (وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ) لماذا؟ وكلمة ربطنا لم تأت (وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ) في كتاب الله إلا في موضعين: الموضع الأول مع الفتية الشباب الشباب الحلو الشباب الذي يقرر ويتخذ قرار الإيمان، الشباب الذي يتخذ قرار تغيير المنكر والخطأ إلى الصواب إلى الرشاد إلى النور. الشباب الذي يتخذ قرار أن يصبح مصابيح ونور تضيء به ظلمات الدنيا والفتن والمحن مهما تعددت وتنوعت وفي أي زمان كانت. الجزاء الهدى والربط على القلب (وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ) وفي قضية أم موسى عليه السلام حين قال (لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا (10) القصص) الربط على القلب لا يأتي إلا من عند الله عز وجل تثبيت، يمسك القلب فيربطه على الحق وعلى الصواب حتى لا يطير هذا القلب من شدة خوف أو من شدة حزن أو من شدة فرح أو من شدة إنحراف نحو الفتن ولذا في بعض آيات القرآن (أفئدتهم هواء) تصبح القلوب تطير مع الفتن أما هؤلاء الذين يتخذون قرار التوحيد وقرار الإيمان بربهم عز وجل بإخلاص، إخلاص لا يطلع عليه ولا يعلمه إلا من خلق سبحانه تكون النتيجة من جنس العمل ما هي النتيجة؟ الربط على القلب، إنتهت القضية حُسمت خرجوا من الفتنة بسلام. وهكذا كل من يريد أن يخرج من فتنة الدين كل من يريد أن يربط الله على قلبه الإجابة موجودة في سورة الكهف. آمنوا بربهم إيمان حقيقي إيمان ليس الإيمان الضعيف الإيمان القوي ما معنى الإيمان القوي؟ إيمان قوي بمعنى أنني مستعد أن أتنازل عن كل شيء لأجل الله عز وجل بصدق وليس مجرد إدعاء. جاء في بعض الأحاديث التي لا بأس كذلك أو بعض الأثار التي رويت حول قضية أصحاب الكهف لا بأس بإسنادها أن هؤلاء الفتية كانوا من أُسَر رفيعة المستوى المادي في قومهم يعني أُسَر لها مكانة في القوم أُسَر لها مكانة إجتماعية وسياسية ومادية ومعنوية وأنهم تركوا من ورائهم قصوراً، خرجوا من كل شيء، لأي شيء؟ لكهف. أوى الفتية إلى الكهف وما هو الكهف؟ حفرة منقورة طبيعياً بشكل طبيعي من عند الله عز وجل في جبل فقط. ترك القصر، ترك المال، ترك المكانة الإجتماعية تركوا كل شيء وراء ظهرهم أدار ظهره ووجه وجهه للذي خلقه وفطر السماوات والأرض بالحق فوجد كل شيء عنده. تأملوا معي وانظروا إلى المفارقة العجيبة حين تدير وجهك لله سبحانه وتعالى وحده لا شريك له وتدير ظهرك للدنيا بأسرها وتبتغي وجه الخالق سبحانه يعطيك الدنيا والآخرة ولكن حين تدير ظهرك لربك سبحانه وتعالى وتدير وجهك للدنيا سعياً لهذه الدنيا ولملذاتها منصباً أو جاهاً أو كرسياً أو مكانة أو أي شيء من أشياء الدنيا الفانية تكون النتيجة أن الدنيا تدير وجهها عنك وفي ذات الوقت وتلك هي الكارثة أن الله سبحانه وتعالى يدير وجهه الكريم عنك غضباً وسخطاً وتلك أكبر خسارة في الدنيا! فما قيمة أن تأتي كل الدنيا إليك تحت قدميك ولكن ربي سبحانه وتعالى غاضب ساخط على هذا الإنسان حين يتخذ القرار الخطأ، عندما يتعرض لفتنة أو لمحنة مهما كانت تلك الفتنة هذا القرار. نفس القضية كانت أنظر بعد سنوات بعد قرون إلى النبي صلى الله عليه وسلم خرج في قومه وهو صاحب الحسب والنسب، خرج على قومه، على أسرته وأدار ظهره للدنيا وما فيها، ولذا قال قولته المشهورة لعمّه أبي طالب حين قال: والله يا عمّ لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته أو أهلك دونه. هذا القرار هذه محنة هذه فتنة الدين ولنا أن نتساءل نسائل أنفسنا ونحن نتدبر ونقرأ سورة الكهف جمعة بعد جمعة كم أنا مستعد أن أقدم من تنازلات لأجل ديني؟ لأجل الدين الذي أحمله؟ لأجل الإيمان الذي أحمله في قلبي؟ هل وصل إيماني إلى درجة إيمان هؤلاء الفتية؟ وأنا أنظر وأقرأ هل أنا مستعد أن أضحي بكل شيء لأجل لا إله إلا الله؟ دين وإيمان بدون محاولة لتقديم تنازلات مهما كان حجم هذه التنازلات لا يمكن أن يسمى إيماناً حقيقياً، الإيمان الحقيقي الخالص الذي ينجيني في الدنيا من الفتن وينزلني الفردوس الأعلى كما ستأتي عليه الجزاء سيأتي في آخر سورة الكهف (كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (107)) لا يمكن أن يكون بدون ثمن. أنا حين أنزل بيتاً من بيوت الدنيا مهما كان أدفع له ثمن، ما هو الثمن الذي دفعته لأجل أن أمتلك بيتاً في الفردوس الأعلى؟ ما هو الثمن؟ الثمن لا بد أن يكون تضحيات، لا بد أن يكون مقابل هذه الفتن لتي أتعرض إليها.

تنتهي القصة بقولهم (إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا) قضية محسومة القوم والمجتمع من حولي أرادوا قراراً آخر، إتخذوا إلهاً من دون الله عز وجل أما نحن فالقضية مختلفة. أعظم محنة هي هذه، طلبوا أي شيء؟ طلبوا التوحيد، طلبوا القرار الصح، وقضية (إذ قاموا) فيها لفتة عجيبة فيها نداء وخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ولكل مؤمن بالحق (قاموا) الحق يحتاج إلى قيام، الحق يحتاج أن أقف على قدمي وأجهر به طبعاً بالحكمة والموعظة الحسنة ولكن يحتاج لقوة. يحتاج إلى قوة شديدة قوة تحركني قوة تبدأ من القلب الذي آمن بالحق الذي أؤمن به. وتأملوا معي ولقرآن كله عظيم وفيه وقفات عظيمة (هَؤُلَاء قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا) من أكثر أسباب في الوقوع في الفتن يعني القوم الذين كذبوا والمجتمع الذين كان حول هؤلاء الفتية وقعوا في إبتلاء ولكن الفارق بينهم وبين الفتية أن الفتية نجحوا في الإمتحان وأن القوم من حولهم رسبوا في ذلك الإمتحان وذلك هو الخسران المبين. من أكثر أسباب الرسوب والوقوع في ظلمات الفتن عدم وجود الدليل، ليس لديهم دليل (لَّوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا) لماذا الإفتراء؟ لماذا أسير وراء الفتنة وانا أعلم أن هذه المحنة أو هذه الفتنة تفتقر إلى الدليل؟.

تتوالى الآيات في قضية الفتنة التي تعرض لها هؤلاء الفتية (وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحمته) وهنا الوقفة التي تبين معنى إسم سورة الكهف التي سماها النبي صلى الله عليه وسلم في الأحاديث التي ذكرنا "من قرأ عشر آيات من أول سورة الكهف" سميت الكهف. سورة الكهف فيها قصص أخرى غير قضية الكهف لما سميت سورة بالكهف؟ المحور، الأساس. الكهف فيه معنى الإحتماء والإختباء والإيواء، المعنى الحسي والمعاني المعنوية معاني الإيواء جاءت في سورة الكهف كذلك، الربط واضح بين المعاني الحسية والمعاني المعنوية، معاني الإيواء والحماية والعصمة من الفتن جاءت في هذه السورة العظيمة (فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحمته ويُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا). وهنا وقفة عظيمة لكل مؤمن ولكل إنسان تمر عليه بعض الفتن أو بعض المحن عليك أن تحسن الظن بالله عز وجل، عليك باليقين، أنظر إلى هؤلاء الفتية (وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحمته ويُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا) أنظر إلى الحديث الذي كان يدور بين هؤلاء الفتية على حداثة سنّهم، هؤلاء الفتية ما كان فيهم أحد من المثبّطين، ما كان فيهم أحد ممن قلبه تحرّكه المخاوف وماذا لو حدث ذلك؟ وماذا لو قام كذلك؟ وماذا لو قتلونا؟ وماذا لو سلبوا؟ أبداً، (يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحمته ويُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا) يقين، يقين بأني طالما خرجت لله عز وجل لن يضيعني الله سبحانه وتعالى. وتدبروا معي واستذكروا قول السيدة خديجة حين جاءها النبي صلى الله عليه وسلم مضطرباً خائفاً بعد غار حراء ماذا قالت له؟ قالت: والله لن يخزيك الله أبداً، أنظر إلى حسن اليقين حسن الظن بالله عز وجل، لن يخزيك الله أنت تصل الرحم وتفعل الخير وتأمر بالمعروف لن يخزيك الله ،هذا حسن الظن هذه الجرعة القوية من حسن الظن بالله عز وجل نحتاج إليها اليوم. يحتاج إليها كل مؤمن يمر بفتنة ومحنة وإبتلاء وإختبار أن يحسن الظن بالله، لا يضيعك الله عز وجل. طالما أنت تحسن الظن بخالقك فالله عز وجل عند حسن ظن عبده به، أحسِن الظن بالله. أصحاب الحق الضعفاء البسطاء حين يروا أن الناس لو إجتمعوا عليهم قتلاً وحصاراً وتجويعاً وإرهاباً وتخويفاً أحسن الظن بالله، قل في نفسك وفي قلبك ولكل من حولك مهما قلّ عددهم قُل لهم الله لن يضيعنا طالما نحن على الحق، والله لن يخزينا الله عز وجل وإن تكالبت علينا قوى الأرض، قوى الغرب أو قوى الشرق لن يخزينا الله طالما أننا على الحق. قُلها بثبات في قلبك واجأر بها بصوتك ومشاعرك وأحاسيسك أن العالم كله لو إجتمع ضدك وأنت على الحق لن يخزيك الخالق الواحد الأحد سبحانه. هكذا قال الفتية حين أتوا إلى هذا الكهف في بُعدٍ وفي عزلة (يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحمته ويُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا) وكان ربي سبحانه ويكون عند حسن ظن هؤلاء به.

وانظر إلى الآية التي تليها (وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ) سخر لهم الأسباب وأحدث لهم معجزة وخارقة كونية وحماهم من كل سوء لماذا؟ أحسنوا الظن بالله سبحانه، قدّموا التضحية قدّموا الإيمان إياك أن يخطر ويدر بخلدك في يوم من الأيام أنك تؤمن بالله وتدافع عن كلمة الحق الذي آمنت به وتدافع عن رسالة الحق ثم إن الله يخزيك أو يسلمك لأعدائك، لا يمكن، مستحيل، جل سبحانه وتعالى أن يفعل ذلك مع عباده، عباده المؤمنين المخلصين أبداً. إنما هو صبر ساعة وإبتلاء ومحنة ساعات ثم يأتي النصر، النصر الموعود الذي وعد الله سبحانه وتعالى به من آمن به ومن لجأ إليه. ولذا جاءت الآية في ختامها (مَن يَهْدِ اللَّه) من طَلَب الهداية من الله سبحانه وتعالى لا يمكن أن تجد له مُضلاً وفي المقابل (وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا) لا من شرق ولا من غرب، ومن يرشدك حين يضيعك الله سبحانه وتعالى؟ حين تنزل الظلمات على أعين البشر لأنهم من جرّاء أعمالهم يعني سورة الكهف كما سنأتي عليها بعد قليل نجد أن الإنسان حين يصمّ أذنيه عن الحق ويغلق عينيه عن الحق الذي يراه والنور الذي يراه أمامه ماذا تكون النتيجة؟ لا يمكن إلا أن تنزل الظلمات على عينيه، يرى الشمس أمام عينيه ولكنه يغطيها فلا يكاد يراها، لا نور ولا ضياء ولا بصيرة ولا أي شيء آخر ما الذي يضيء لك؟ ما الذي تبقى لك؟ لن تجد له ولياً مرشداً.

تتوالى الآيات بعد ذلك في قضية أصحاب الكهف هذه الفتنة العظيمة فتنة الدين لتوضح كيف تكون النتيجة بعد فترة من الزمن؟ إصبر على الحق الذي تؤمن به إصبر على الحق وستجد بعد ذلك كيف أن الله سبحانه وتعالى يفتح أسباب النجاة أمام عينيك.

(وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ) بعد سنوات ما يزيد على ثلاثمئة سنة (لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ) علينا أن ندرك دائماً أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها وأن هؤلاء الأجيال المتعاقبة سواء من معك أو من بعدك، من يكيدون لك ويأتون بالدسائس والمؤامرات ويضعون أمامك الأحجار والعثرات، في يوم من الأيام سينصاعون للحق الذي تؤمن به. قد لا ترى ثمرة ذلك ولكن الأجيال التي تلحق سترى هذا الثمر. وكذا النبي صلى الله عليه وسلم، أنظر معي وتدبر هؤلاء القوم من قريش الذين كذبوك وفعلوا ما فعلوا بك في مكة كيف كانوا عند فتح مكة بعد سنوات قليلة معدودة في عمر الزمن وفي حساب الزمن وفي حساب التاريخ كيف كانوا؟ كيف كانوا حين فتح الله لك أبواب مكة وأتيت ووقفت على رؤوسهم في تواضع المؤمن المنتصر الذي يدرك بأن النصر بيد الله ليس بيد أحد سواه؟.

كيف كان ذلك الموقف حين سألهم النبي صلى الله عليه وسلم ما تظنون أني فاعل بكم؟ فقالوا أخ كريم وابن أخ كريم. هذه المشاعر تأتي للنبي صلى الله عليه وسلم ولكل مؤمن وهو يقرأ السورة في نهايتها حين يجد أن من هؤلاء وصل بهم حد التمجيد والإكبار لهؤلاء الفتية بعد موتهم ووفاتهم وفاة طبيعية أن يقيموا عليهم ضريحاً ومسجداً يتعبدون فيه ولبئس ما أرادوا أن يقوموا به! بعد وفاتهم، أنظر إلى الحق وإلى أهل الحق في نهاية الأمر لن يصح إلا ذلك الحق.

ثم تأتي الآيات بعد نهاية القصة في السورة ونهاية الفتنة الأولى والقصة الأولى، فتنة الدين، لتأتي على أول ما قد بدأت به في بيان واضح أن أعظم وسيلة للوقاية من أي فتن هو القرآن العظيم (وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا) تريد من يعصمك؟ تريد من يحميك من دون هذا الكتاب العظيم؟ لا يمكن. حماية من الفتن ومن الإبتلاءات ومن المحن بدون القرآن لا يمكن أن تكون. ولنا أن نقف هنا وقفة بسيطة ونحن في عالمنا المعاصر الذي يموج بالفتن وبالإضطرابات وبالمحن، كل يوم عشرات الأخبار تتناقل عن فتن متعددة، من الذي يخرجنا من هذه الفتن؟ من الذي ينير لنا الطريق ونحن في ظلمات هذه الفتن؟ القرآن. إياك أن تبتعد عن هذا القرآن (وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ) الذي قد تكفل الله سبحانه وتعالى بحفظه فلا مبدل لكلماته.

ثم خطوة أخرى نحتاج إليها ونحن نمر في الفتن الرفقة الصالحة، أنظر لقول الله عز وجل (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) الصبر وعدم الغفلة عن ذكر الله عز وجل وإيجاد رفقة صالحة كما كانت رفقة أصحاب الكهف ممكن ما يزيد عددهم عن خمسة ثلاثة أربعة عشرة، رفقة، حتى لو هيأ الله لك صاحباً واحداً فقط، صاحب صالح فقط يكفيك هذا من أعظم المكاسب في الدنيا والآخرة ولذا جاء التنبيه للنبي صلى الله عليه وسلم وإن كان قد ورد في نزولها أن قريش سألت النبي عليه الصلاة والسلام أن يستبعد صهيب وغير صهيب وبلال من المستضعفين والعبيد لكي يجلسوا يتفضلوا بالجلوس على مائدة القرآن، هيهات! هيهات! وتأمل معي كيف يعالج القرآن هذه القضية لا يمكن أن تجلس وتستحق التشريف -لأن هذا تشريف أن تجلس على مائدة القرآن وذكر الله عز وجل هذا تشريف- إذا تريد هذا التشريف عليك أن تُسقِط من نفسك أي نوع من أنواع التعالي أو التكبر على الآخرين حتى ولو كان ذرة من تكبر، لا يمكن أن يكون. مجلس القرآن تحتاج أن تصحح، تحتاج أن تجعل القلب في مأمن من التكبر والتعالي على الآخرين، لا تطع ولذلك قال (وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا) لا تنظر إلى هؤلاء، قد أجد إنساناً قد أوتي من الجاه والمال والمكانة الإجتماعية المرموقة ما أوتي ولكن ما قيمته حين يكون أمره فرطاً؟! خلاص، ضائع، منتهي. من الذي نهاه؟ الإعتقاد الذي في قلبه لا يوجد إيمان، لا توجد قيم وحين تغيب قيم الإيمان والتوحيد لا يصبح للإنسان مكانة حتى وإن علت مكانته الدنيوية أو الإجتماعية.

سورة الكهف تعيد الأمور إلى نصابها، تعيد الأمور إلى الحساب العظيم الذي ينبغي أن نتوقف عنده. الأمور التي أحياناً نأخذها هكذا على علاتها دون أن ندرك حقائق الأمور دون أن نقرأ ما بين السطور ولذا جاءت الآية (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ) ودعونا نضع عشرات الخطوط تحت قوله (يريدون وجهه) الإخلاص، قد يكونوا ضعفاء قد يكونوا عبيداً ليس مهماً المهم أنهم يريدون وجه الله عز وجل. (وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا) من أعظم أسباب في الوقوع في الفتن الغفلة عن ذكر الله عز وجل، الغفلة عن ذكر الله وهو سبحانه لا يغفل عنه كيف نغفل عن الله عز وجل؟ ليس فقط باللسان، القلب، القلب حين ينشغل بمن سوى الله عز وجل عنه سبحانه. ولماذا جاءت (أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ) لماذا يغفل الله عز وجل قلب إنسان؟ لأنه هو بالبداية غفل عن ذكر الله، من غفل عن ذكره سبحانه أغفل الله قلبه عن ذكره ومن أعرض عن الله سبحانه وتعالى أعرض عنه وجعل له معيشة ضنكاً ومن صدّ بوجهه وبقلبه عنه سبحانه أعرض ربي وصد عنه صدوداً ويا لها من خسارة عظيمة! ولذا جاءت الآية (وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ) الحق واضح تماماً والقرار بيدك أنت أيها الإنسان

التعليقات

  1. islamiyyat علق :

    فرّج الله عنكم وعن كل المسلمين في كل مكان. القرآن سبيلنا وخلاصنا في كل حال، في الحرب والسلم، في الضراء وفي السراء. اللهم ارزقنا التمسك به والعمل بما فيه والسير على منهجه. آمين

  2. معهد علوم الهدى علق :

    بارك الله بعلمكم نحن من سوريا في ظل هذه الفتن التي نحن فيها فعلا القرآن سبيلنا وخلا صنا والتمسك بمنهج ربنا وسنة رسولنا صلى الله عليه وسلم .

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل