خواطر قرآنية - الجزء الأول

برنامج خواطر قرآنية

د. محمد مختار المهدي

رمضان 1434هـ

الحلقة الأولى – الجزء الأول

(تفريغ جميع حلقات هذا البرنامج حصريًا لموقع إسلاميات)


من أفضل القربات أن نتدبر في آيات كتاب الله العزيز. يبدأ الجزء الأول بفاتحة الكتاب وفاتحة الكتاب تعلّمنا الأدب في بدئنا لأي عمل صالح بأن يكون بحمد الله عز وجل والثناء عليه واستحضار نعمه وآلآئه واستحضار رحمته التي وسعت كل شيء واستحضار موقفنا أمامه سبحانه وتعالى يوم الدين وبتجديد العهد أن نكون عبدة له وحده مستعينين به وحده والدعاء له بأن يهدينا صراطه المستقيم الذي سار عليه من أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسُن أولئك رفيقاً بعيدين عن هؤلاء المغضوب عليهم الذين عرفوا الحق وحادوا عنه وأولئك الضالين الذين لم يبحثوا عن الحق فتاهوا في طرق الغيّ والضلال.

 

ثم تأتي سورة البقرة بادئة ببيان الفِرَق التي يمكن أن تنتفع بهذا الكتاب الكريم وأولها الفرقة التي كان جهاز الاستقبال عندها رائقاً ونظيفاً فتستقبل الهدى من الله عز وجل، هذه الفرقة هي التي توصَف بالمتقين. وهؤلاء المتقون حصّلوا مواصفات خاصة أنهم يؤمنون بما يأتي في هذا الكتاب من غيبيات لا يستطيع العقل أن يُدركها ولا الحسّ من أمثال الغيب الماضي في حديث القرآن الكريم عن الملأ الأعلى وعن رسل الله عز وجل الماضين أو عن الحاضر حين يتحدث عن السموات السبع والأراضين السبع والعرش والكرسي والجنة والنار وعن المستقبل في أهوال يوم القيامة فهم يؤمنون بالغيب كله. ثم إنهم يؤمنون أيضاً بما أنزل الله عز وجل على محمد وعلى الرسل السابقين جميعاً لا تفرقة بين الرسل أجمعين. ثم هم أيضاً يؤدّون ما أوجبه الله عليهم فيقيمون الصلاة وينفقون مما رزقهم الله، ثم إنهم يوقنون بالجزاء في يوم الدين هؤلاء هم الملفحون وهم المنتفعون بهدي القرآن الكريم. أما غيرهم ممن انطفأ النور في قلوبهم وكان هناك ضلال في عقولهم فجهاز الاستقبال عندهم معطّل فلا يستطيعون أن ينتفعوا بهذا الوحي المبارك. أما أولئك المذبذبون الذين يُظهرون الإيمان ويبطنون الكفر ويستجيبون لما يمليه عليهم شياطين اليهود من هذه الحيرة التي تنتابهم من أنهم يقولون للمؤمنين ما ليس في قلوبهم ويدعون أنهم مصلحون مع أنهم مفسدون ويستكبرون على خلق الله عز وجل هؤلاء في حيرتهم واضطرابهم كمن جاء له النور ورأى من أعدائه المتربصين به ثم انطفأ النور وهو لا يستطيع أن يدافع عن نفسه ضد هؤلاء الأعداء. ويخاطب القرآن الكريم كل هذه الأصناف: يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم ويبين لهم استحقاق الله عز وجل لهذه العبادة لأنه خلق ورزق وهو الذي سخّر كل ما في السموات والأرض وكرم هذا الإنسان حينما علمه الأسماء كلها وحينما استقبل هذه الأسماء واستوعبها استطاع أن ينقلها إلى الملائكة فكانت له ميزة التعلّم والتعليم وبهذه الميزة كان أهلاً لأن يكرّم فأسجد له الملائكة وأدخله الجنة يتبوأ منها حيث يشاء لكنه اختُبر في هذه الجنة حينما أمره الله أن لا يأكل من هذه الشجرة فأغواه إبليس اللعين وأقسم له بالله أنه من الناصحين فغوى وعصى آدم ربه ثم تاب عليه الله عز وجل وأخرجه من الجنة خليفة في الأرض خليفة لغيره يعبد الله عز وجل بما أوحى عليه وما أنزل عليه من الهدى. لكن هناك فريقاً من بني آدم لم يستجب لهذا الهدى وهم بنو إسرائيل بالرغم من أنا أبهم إسرائيل كان نبياً مرسلاً وكان عابداً لله عز وجل وأوصى أبناءه بأن يكونوا مسلمين عابدين لله عز وجل ولكن هؤلاء الذرية كانوا على خلاف منهج أبيهم تماماً. ولما أرسل الله عز وجل إليهم سيدنا موسى ناصبوه العداء وآذوه وطلبوا منه المستحيلات وتباطأوا في تنفيذ أوامر الله وكانت قصة البقرة خير دليل على هذا التلكؤ والتباطؤ، فقصة البقرة التي سميت السورة باسمها تنبيهاً للأمة المحمدية أن لا تكون مثل هؤلاء لأن طبيعتها أن تسمع كلام الله فتنفذه فهي شعارها سمعنا وأطعنا لكن شعارهم كانا يقولون سمعنا وعصينا. أمرهم سيدنا موسى نقل إليهم أمر الله عز وجل (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً (67))؟ أين الهزو وهم ينقل لهم أمر الله عز وجل لهم؟! ثم بدأوا يطلبون: ما هي؟ ما لونها؟ إن البقر تشابه علينا، ثم ذبحوها وما كادوا يفعلون! هذه القصة تنبئ عن هذه الطبيعة التي لا تريد أن تستجيب لأمر الله عز وجل. ووضعوا من الشبهات أمام الإسلام والمسلمين وأمام نبينا محمد صلى الله عليه وسلم كانوا يقولون إن الله قد ختم الرسالات بسيدنا موسى وختم الكتب بالتوراة ولن يأتي بعد موسى رسول ولن يأتي بعد التوراة كتاب فمعجزات الله عز وجل كانت مع موسى باليد والعصى وتسع آيات ولكن الله عز وجل رد عليهم وقال (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (106)). وهنا ينبههم أن الله عز وجل قد أعطى محمداً من الآيات ما يفوق الآيات التي أعطاها لسيدنا موسى وينبهنا إلى دجلهم وكذبهم وافترائهم بأنهم قالوا عن سيدنا سليمان أنه رجل ساحر وأن ملكه كان عن طريق السحر فينفي رب العزة سبحانه وتعالى عن عبده ونبيه سيدنا سليمان هذا الوصف الشائن فقال (وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَـكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ (102)) ويحذرنا رب العزة سبحانه وتعالى من أن نستخدم السحر لأنه كفر بالله عز وجل. ثم ينبهنا أيضاً إلى مكائدهم المستمرة على الإسلام والمسلمين وذلك يدعونا إلى أن لا نطمع أن يؤمنوا برسولنا صلى الله عليه وسلم لأنهم زيفوا وكذبوا على الله سبحانه وتعالى فهل يكذبون على الله ثم نثق بهم (أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75))؟! ثم مع ذلك أيضاً جاءهم موسى بالآيات والبينات فكفروا بها وبمجرد أن تركهم عبدوا العجل (وَلَقَدْ جَاءكُم مُّوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ (92)). ثم بعد ذلك نراه يتحدث إليهم ويذكّرهم بأبيهم يعقوب وبجدّهم سيدنا إبراهيم فيذكّرهم بأن يعقوب حينما جاءته الوفاة جمع أبناءه (أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـهَكَ وَإِلَـهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِلَـهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (133)) وكذلك كان موقفه جدهم سيدنا إبراهيم إذ قال له ربه أسلِم قال أسلمت لرب العالمين (وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ (132)). وأرشد المسلمين إلى أن يقولوا نحن نؤمن بنبينا ونؤمن بكل الأنبياء السابقين فإن أردتم أن تدخلوا في هذا الدين الذي يصدّق ما بين أيديكم مما تتلونه من كتب الله عز وجل فهذا محمد قد تسلم الرسالة لأنكم عجزتم عن حملها وعن تبليغها بهذه المواقف التي وقفتموها ضد أوامر الله وضد رسل الله عز وجل. هذا هو محمد الذي يصدق ما بين يديه ويكون خاتماً حقيقياً للأنبياء والرسل ويكون رسولاً للعالمين. ندعو الله عز وجل أن يجعلنا من أمته وأن يستخدمنا لنشر هدايته على العالمين.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل