خواطر قرآنية - الجزء 2

برنامج خواطر قرآنية

د. محمد مختار المهدي

رمضان 1434هـ

الحلقة الثانية – الجزء الثاني


طمعاً في الحصول على أجر التدبر لآيات الله عز وجل نتحدث اليوم عن الجزء الثاني من كتاب ربنا عز وجل من سورة البقرة حيث يبدأ هذا الجزي ببيان وفضح المؤامرات التي كانت تحاك لرسول الله صلى الله عليه وسلم وما زالت تحاك من هؤلاء اليهود إلى وقتنا الحاضر وستستمر إلى يوم القيامة. لقد منح الله عز وجل هذه الأمة ميزة لم تكن لغيرها من الأمم فجعل قبلتها هي الكعبة أول بيت وضع للناس في الأرض وقبل أن يحوّل القبلة إليها كان قد أمر نبينا صلى الله عليه وسلم حين فرض عليه الصلاة بأن يتجه إلى بيت المقدس ليقول للناس جميعاً بأنه يسير في فلك الرسل والأنبياء السابقين ولينزع العصبية للبيت الحرام عند قريش، إنهم يتجهون إلى بيت الله وليس إلى بيت آبائهم (وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ (143)) لكن هؤلاء السفهاء قالوا إذا كان يتبع قبلتنا فلماذا لا يتبع ديننا؟ وحينما حوّل الله القبلة إلى الكعبة قالوا لماذا ترك قبلتنا مع أن هؤلاء الذين يصلّون إليها بطلت صلاتهم فردّ الله عز وجل عليهم (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا (143)) وحوّل الله الكعبة إرضاء لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا (144)) وحثّ الأمة كلها أن تتجه إلى البيت الحرام حيثما ما كانوا حتى يقطع حجة بني إسرائيل عليهم.

ثم بيّن لنا أيضاً أن السعي بين الصفا والمروة من شعائر الله عز وجل لأن الصحابة كانوا يتحرجون من أن يطوفوا بين الصفة والمروة لما كان عليهما من أصنام في الجاهلية فأزاح الله تعالى عنهم هذا العبء وهذا الحرج (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (158)). ونبههم إلى هذه المخلوقات والملكوت الأعلى أن يتفكروا فيها ليعرفوا عظمة الله (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاء مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (164)) فهل من فعل كل هذا نجعل له ندّاً ونظيراً من الأصنام أو من البشر أو ما إلى ذلك (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ (165)).

ثم تتحدث الآيات عن تيسير الله عز وجل للأمة المحمدية في أن فرض عليها بعض العبادات التي تزكي نفوسهم من الصيام والصلاة والزكاة والحج إلى بيت الله الحرام وما يسّره عليهم في أداء هذه العبادات. فتحدثت الآيات عن البر وأنواع البر. نعلم أن البر عطاء لكن الله عز وجل يحدثنا عن أنواع كثيرة من البر ومنها العبادة (لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (177)). (لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ) ليست مسألة الإتجاه إلى القبلة هو البر (وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ) أركان العقيدة ثم أقام الصلاة وأنفق من ماله للفقراء والمساكين واليتامى وأعطى كل ذي حق حقه (وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ)، هذا هو البر الحقيقي الذي يطلبه الله تعالى من البشر.

ثم تأتي فريضة الحج التي تزكّي النفس وتجعل كل العبادات والمناسك لله عز وجل (وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ (196)) لا بد أن تكون لله ويفصل تلك المناسك في هذه الآيات الكريمة. ونبينا صلى الله عليه وسلم طبقها في دنيا الواقع وقال لأمته: خذوا عني مناسككم.

وجاءت بعض التشريعات الأخرى التي تضبط حركة الحياة للمسلم ففرض الله عز وجل القصاص (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (179)) والغريب في الأمر أن الله عز وجل يجعل الهدف من وراء القصاص الوصول إلى التقوى كما يجعل الهدف من الصيام الوصول إلى التقى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183)) التقوى هي الأساس أن تتقي الله عز وجل ، أن تتقي غضبه وأن تتقي عذابه وأن تسعى إلى رضوانه فتنفيذ أوامر الله يوصلنا إلى هذه التقوى وإذا جاءت التقوى جاءت السعادة للمجتمع كله (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ (3) الطلاق).

ثم أرشدت الأمة إلى أن تتخذ من الأهلة ومن منازل القمر مواعيد لأداء العبادات (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ (189)) لأننا نصوم في رمضان ولا نصوم في شهر أغسطس ونحج في شهر ذي القعدة وشهر ذي الحجة ولا نحج في شهر أكتوبر فالأهلة الأشهر العربية هي المعتمدة عن الله عز وجل.

ثم حرّم علينا الخمر لما فيها من عدوان على العقل (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا (219)) وحرّم علينا أيضاً أن نتزوج من المشركات لكن أباح لنا أن نتزوج من الكتابيات من أهل الكتاب من اليهود والنصرى بشرط واحد أن تكون هذه المرأة الكتابية عفيفة وتريد الإحصان ويريد الإنسان المسلم أن يحصّن نفسه أيضاَ فلا مانع إطلاقاً من أن يتزوج المسلم من كتابية.

وتتحدث الآيات عن العلاقات بين المسلم وأخيه المسلم وغير المسلم.

وتبين الآيات أيضاً قواع الاستقرار في الأسرة المسلمة فتنهى عن عملية الطلاق المستمر وتعطي فرصتين فقط (الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ (229)) ولا بد أن يحرص المرء المسلم على أن يحترم الكلمات الشرعية (وَلاَ تَتَّخِذُوَاْ آيَاتِ اللّهِ هُزُوًا (231)) كثير من المسلمين الآن يتهاون في إطلاق لفظ الطلاق ويجعله يميناً مع أن الطلاق لفظ جعله الله للفرقة بين الزوج وزوجه وحدده (وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (241)) وناشدت كلاً من الزوج والزوجة أن يراعي مشاعر الآخر وأن يعيشوا في أمن وأمان واستقرار. ثم أوجبت على من طُلّقت أن تتولى رضاعة أبنائها حتى لو كانت مطلقة (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ (233)) فالرضاعة الطبيعية حق للطفل لا ينبغي أن تتركه الأم حتى لو كانت مطلقة لكن على الأب أو من يتولى أمر هذا الطفل أن ينفق على هذه المرضعة (لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ (7) الطلاق) فإذا امتنعت هذه المطلقة عن إرضاع الطفل كان على ولي أمر هذا الطفل أن يسترضع أن يأتي برمضع آخر لأن هذا حق ثابت للطفولة وهذا من إعجاز القرآن الكريم في موضوع التنشئة الصحية البدنية للإنسان. وكذلك في موضوع الرضاعة فيه تنمية للحنان والرحمة التذي يتكتسبه الطفل من ضمه إلى صدر أمه مما ينعكس هذا الأثر على سلوكياته مع الآخرين.

 

ثم حدد أيضاً في هذا الإطار أن المطلقة طلاقاً بائناً وأن المتوفى عنها زوجها كلٌ منهما له عدة لا بد من قضائها قبل أن تتزوج من آخر. ومن هنا نجد القرآن يفسّر لنا ويوضح العلاقات الطيبة التي تجعلنا نعيش في أمن وطمأنينة وأن نجعل عبادات الله عز وجل تزكية لأرواحنا واستقراراً لأوضاع مجتمعنا وهذا هو الإسلام. 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل