خواطر قرآنية - الجزء 3

برنامج خواطر قرآنية

د. محمد المختار المهدي

رمضان 1434هـ

الحلقة الثالثة – الجزء الثالث


مع الجزء الثالث من كتاب الله سبحانه وتعالى من سورتي البقرة وآل عمران. يبدأ هذا الجزء بحديث القرآن عن رسل الله الذين اختارهم ربنا سبحانه وتعالى لهداية البشر والله أعلم حيث يجعل رسالته ولكن هؤلاء الرسل متفاوتون وليسوا سواء فقد فضل الله بعضهم على بعض (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ (253)) وحثّنا مباشرة على الانفاق في سبيل الله قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ). ثم تأتي آية الكرسي أعظم آية في كتاب الله عز وجل هذه الآية التي يهرب منها الشياطين والتي أوصانا النبي صلى الله عليه وسلم أن نقرأها دائماً في صباحنا ومسائنا وبعد صلاتنا لأنها تتعلق بعظمة الخالق سبحانه وبأسمائه العليا وصفاته السامية (اللّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ) ثم من كانت هذه صفاته وهذه أسماؤه وهذه آثاره لا بد أن يُطاع وأن يُعبد لكن هناك أناساً يكفرون بالله عز وجل فيضع القرآن الكريم أمامهم مصير الكافر ومصير المؤمن ويقول لهم لن أكرهكم على الدخول في الدين ولكن كلٌ يتحمل مسؤولية عمله (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) أما أولئك الذين يكفرون بالله عز وجل فليس لهم إلا عذاب الجحيم. هؤلاء الكفرة الذين لم يعبدوا الله ولم يستجيبوا لوحيه مثلهم كمثل هذا الملك الذي جاءه سيدنا إبراهيم يشرح له عبادة الله عز وجل فيقول له (إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ) فيقول هذا المتغطرس وأنا أحيي وأميت، أحكم على اثنين بالاعدام ثم أعفو عن واحد وأبقي الآخر فأنا أحييت هذا وأمتّ هذا، لم يجادله سيدنا إبراهيم بذكائه وفطرته ولكن قال له فالله الذي ندعوك إليه (قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)

ثم يضع أمامنا القرآن الكريم قصة سيدنا إبراهيم في موضوع الإحياء والإماتة فيقول لربه (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي الْمَوْتَى) وهذا السؤال لا ينبغي أن يكون من البشر ومن هنا قال له الله عز وجل (قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) فكلّفه الله عز وجل بأن يأتي بأربعة من الطير يعرف مواصفات كل طير منها ثم يقطّعها أجزاء ويضع هذه الأجزاء فوق الجبال المتناثرة ثم يدعوها فإذت بها تأتي إلى سيدنا إبراهيم سعياً وينضم كل جزء إلى الآخر وتأتي هذه الطيور الأربعة إلى سيدنا إبراهيم أحياء هنا يقول سيدنا إبراهيم عن هذه التجربة أنه آمن بالله عز وجل واطمأن قلبه.

يدعونا القرآن الكريم ما دام الله هو الذي يحيي ويميت وهو الذي يرزق وهو الذي بيده كل شيء فعلينا أن ننفق مما آتانا الله ويضع أمامنا جزاء لهذا الإنفاق (مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) أي أن الصدقة يمكن أن تصل إلى سبعمائة حسنة ومع هذا أيضاً هناك مضاعفة لهذه الحسنة لكن بشرط أن تكون هذه النفقة من غير ضرر ولا أذى للمتصدَّق عليه فالكلمة الطيبة أفضل من إعطائك مالاً تمنّ به على السائل (قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذًى وَاللّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ) وإذا منّ الإنسان بما أعطاه للفقير فإن صدقته تُحبط ولا أثر لها (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى) لأن هذا معناه (كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) إذن أنت تعطي ليس لله وإنما لكي يقول الناس عنك أنك كريم وليقول هذا المعطى بأنك سيده وأنت قد أخذت المال من رب العزة وتعطيه لعباد الله عز وجل.

ثم تحدث القرآن عن أن الإنسان المسلم ينبغي أن يعطي تلك النفقات سراً أفضل حتى ينجو من مسألة الرياء لكن إذا كانت الصدقات واجبة كالزكاة مثلاً وإعلانها سيشجع غيره على أدائها فلا مانع من الإعلان (وَمَا أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ اللّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ). ثم أنت عليك نفسك (لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ) فلا تُذهب نفسك على هؤلاء الضالين حسرات (لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء) (وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأنفُسِكُمْ وَمَا تُنفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغَاء وَجْهِ اللّهِ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ) الله عز وجل يعطي على الصدقة أمثال أمثالها من فضله العظيم.

ثم يتحدث القرآن عن المقابل لهذه الصدقة أولئك الذين يرابون يتخذون الربا وزيادة المال في مقابل الزمن هؤلاء عندهم جشع وعندهم سُعار يصل بهم إلى درجة الذي يتخبطه الشيطان من المسّ وقد حرّم الله عز وجل الربا وأحل البيع، لكنهم في الجاهلية كانوا يقلبون الأوضاع فيقولون إن البيع مثل الربا. الأصل هو البيع لكنهم كانوا يقولون الأصل هو الربا كما يحدث الآن في الرأسمالية الجشعة التي تجعل الربا والفائدة هي الأساس في الاقتصاد فالقرآن هنا يعيب عليهم (وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) ويتحدث عن المرابي (يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ) الذي يتصدق يتصور أنه يُنقص ماله والذي يرابي يتصور أنه يزيد ماله ولكن الله عز وجل على عكس ذلك يربي الصدقات ويمحق الربا. ثم تأتي الآية الكريمة التي جاءت في نهاية هذا النهي (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) ثم يهدد ويحذر المرابين بأنهم سيتعرضون لحرب من الله ورسوله (فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ). ثم تأتي آية المداينة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ) يوصينا القرآن الكريم بالاستيثاق من الدين بالرغم من أن ذكمم الناس وإيمانهم كان عظيماً لكن لا بد من الاستيثاق بالكتابة وبالشهود لكن إن أمن بعضنا بعضا فليؤد الذي ائتمن أمانته. ثم تُختم سورة البقرة بآية تتحدث عن كتابة الله عز وجل لكل ما يصدر عن الإنسان بل وما يفكر فيه (لِّلَّهِ ما فِي السَّمَاواتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ) هنا يقلق الصحابة لا يستطيعون أن يتحكموا في خواطرهم فيقول الله عز وجل (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) هذه هي سِمة المسلم.

 

ثم تأتي سورة آل عمران لتناقش نصارى نجران الذين كانوا يدّعون بألوهية سيدنا عيسى، فتقول لهم إن عيسى هو ابن مريم ومريم بنت عمران وعمران رجل تعرفوته إذن عيسى من أسرة بشرية ترونها وتعلمونها فكيف يكون إلهاً؟! ومن الذي كان يرعى البشرية قبل أن يأتي عيسى إلى الأرض؟! ولكن هذه السورة تبدأ بتوحيد الله عز وجل (اللّهُ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) لم ينزل القرآن فقط بل وأنزل التوراة والزبور والانجيل وكلها كتب من عند الله عز وجل لكن هناك أناساً يتعمّدون أن يأخذوا من هذه الكتب ما هو متشابه عليهم لا يعقلونه يريدون أن يضلوا الناس (فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ) وتتحدث الآية أيضاً عن معجزة الله عز وجل في لقاء نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بأعدائه في أهل بدر (قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاء إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لَّأُوْلِي الأَبْصَارِ) وتأتي الآيات بعد ذلك تحدثنا عن قصة سيدنا عيسى ابن مريم (إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ) إن الله اصطفى آل عمران لأن منهم السيدة مريم البتول الطاهرة التي حفظت فرجها وجعلها الله خير نساء العالمين وجاءت بسيدنا عيسى روح الله الذي جاء بلا أب تأكيداً لمقدرة الله وطلاقة القدرة الإلهية بأن يأتي بما يشاء بقوله كن فيكون، جاء ليعلّم الناس الحكمة والتوراة والانجيل وليحلّ لبني إسرائيل بعض ما حُرّم عليهم وينبئهم بما تُخبأ عنهم من عالم الغيب وجاء عيسى ولكن أحسّ منهم الكفار (فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللّهِ آمَنَّا بِاللّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) من هنا كان هؤلاء الأنصار هم المبلِّغون لرسالة سيدنا عيسى وندعو الله أن يجعلنا من أنصار رسول الله محمد بن عبد الله لنبلِّغ رسالته إلى العالمين إنه ولي ذلك والقادر عليه. 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل