خواطر قرآنية - الجزء 4

برنامج خواطر قرآنية

د. محمد المختار المهدي

رمضان 1434هـ

الحلقة الرابعة – الجزء الرابع


الجزء الرابع في سورتي آل عمران وآيات من سورة النساء. يبدأ هذا الجزء بالحديث عما وضعه بنو إسرائيل أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان يقول إن ملتي هي ملة إبراهيم فقالوا له إن إبراهيم كان يحرّم لحوم الإبل وألبانها وأنت تُحلّ لحوم الإبل فكيف تكون على ملّته؟! فكذبهم الله عز وجل في ذلك وأرشد إلى أن من حرّم لحوم الإبل هو يعقوب، هو إسرائيل نفسه هو الذي حرّم على نفسه هذا الطعام وكان أحبّ شيء إليه فحرّمه الله تعالى عليهم (كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِـلاًّ لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ) ثم تحداهم وقال (قُلْ فَأْتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ). ثم تحدث عن إبراهيم الذي ينتسبون إليه أنه أول من رفع قواعد البيت الحرام، الكعبة المشرفة (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) البقرة) اسماعيل وليس اسحق اسماعيل هو الذي ساعد أباه في رفع قواعد البيت مع أنهم كانوا يبنون بيت الله إلا أنهم كانوا في نهاية الخضوع لله عز وجل وكانوا يدعون أن يتقبل الله منهم وأن يجعلهم من المسلمين (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128) البقرة). ولكن بني إسرائيل هؤلاء الذين كان المفروض أن يسيروا على نهج آبائهم يقفون بالمرصاد أمام دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيريدونها أن تكون عوجا (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا) (سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ (211) البقرة) ولكنهم يبدّلون آيات الله عز وجل، يعاتبهم الله عز وجل ويسألهم لماذا يصرّون على أن يجعلوا طريق رسول الله عوجاً وأنهم يضعون العراقيل في سبيل وحدة المسلمين ويفرقون بينهم. ثم إن هؤلاء الذين يسعون في آيات الله وفي دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم لن يبلغوا ما يريدون مطلقاً لأن الله عز وجل هو ناصر الرسول وناصر دعوته. ثم إن هؤلاء كانوا فِرَقاً أكثرهم فاسقون لكن ليسوا سواءً، كيف تكون الأمة حذِرة أمامهم من هذه المكائد وهذه المؤامرات؟ أن يأمروا بالمعروف وأن ينهوا عن المنكر (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم) لكنهم لم يؤمنوا فيحذّرنا ربنا عز وجل من مكرهم وأنهم قد ضربت عليهم الذلّة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس، إذا سألنا عن حبل الله قال الله عز وجل في آية أخرى (وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ) فحبل الله هو كتاب الله عز وجل لو أن يدنا قد تهاونت في الاعتصام بحبل الله ثم هم مدّوا حبل الناس والدول الأخرى وأغروهم بالمال وبالإعلام انقلبت ذلتهم إلى عزة فعلى الأمة إذن أن تتخذ من الوسائل ما يجعلهم أذلة والوسائل هي أن تعتصم بكتاب الله وأن تُخذّل بينهم وبين القوى الأخرى التي تساعدهم لأنهم جبناء لا يستطيعون أن يقفوا أمام المسلمين فيستعينون بغيرهم، ومع هذا يقول القرآن (لَيْسُواْ سَوَاء مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللّهِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ).

وتضع الآيات القرآنية أمام المسلمين قصة غزوة أحد التي لم يسمعوا فيها كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ولجأوا إلى البحث عن الغنائم فهُزموا شر هزيمة وعصوا ثم أدركهم الله عز وجل في نهاية الأمر بعد أن استفاقوا وعلموا خطأهم وتاب عليهم (إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَى أحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غُمَّاً بِغَمٍّ لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَا أَصَابَكُمْ وَاللّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) هكذا القرآن الكريم يدعوهم إلى هذا الاعتصام ليأتي النصر لأن النصر ليس إلا من عند الله عز وجل. ويذكّرهم بما حدث منهم من هرج ومرج عندما أشاعوا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد قُتِل فبدأ بعضهم يهرب ويفرّ من المعركة فيقول الله عز وجل (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ) هذه الآية الكريمة التي تمثّل بها سيدنا أبو بكر رضي الله عنه بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ليردّ على عمر الذي لم يكن مصدقاً أن النبي قد مات فقال سيدنا أبو بكر: من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حيّ لا يموت. ثم أن من كان مؤمناً بمحمد فليقاتل على منهج محمد كذلك كان المناصرون لرسل الله (وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ). وفي هذا الإطار يضع القرآن الكريم أمامنا نهاية الشهداء وأنهم أحياءٌ عند ربهم يرزقون (فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) وهذا تطمين لأهالي الشهداء الذين استشهدوا في غزوة أحد فهم قد اختارهم الله عز وجل عنده أحياء في جنة ربهم. ثم يتحدث القرآن الكريم عن الابتلاءات التي تنتظر الأمة من أهل الكتاب ومن المشركين فيقول (لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيرًا) ولكن عندكم العلاج (وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ). ثم يضرب الله عز وجل لنا الأمثال فيمن كان يخاف من عدوّه فأماته الله عز وجل من غير قتال وتتحدث الآيات في ختام هذه السورة الكريمة عن فضل التدبر والتفكر في خلق الله عز وجل (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ) فشأن المؤمن دائماً أن يكون ذاكراً لله بقلبه وبلسانه وبأعماله (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) ويستمر المؤمن داعياً ربه عز وجل أن يتقبّله وأن يجزيه على إيمانه خيراً.

 

ثم تأتي سورة النساء وسورة النساء مهمة جداً في هذا المجال لأن الأسرة المسلمة متوائمة منسجمة متوادّة متراحمة يكون المجتمع كله قوياً ويكون متحابّاً أيضاً. ولأن بني إسرائيل كانت فتنتهم الأولى في النساء فجاءت السورة لتبين لنا كيف تكون المعاملة مع النساء وسيلة للمتعة ووسيلة أيضاً للاستقرار ومحضناً صالحاً لتربية الأطفال. وتحدثت السورة عن اليتامى وعن حقوق اليتامى وتحدثت عمن يريد ظلم اليتامى بأن يكون هو وليّ أمر لهذه الفتاة فيريد أن يزوّجها لابنه حتى يهضمها حقها فيقول الله عز وجل لماذا تصرّ على الزواج من هذه اليتيمة وقد أبحتُ لك أن تتزوج اثنين وثلاثاً وأربعاً من غيرهنّ فلماذا تظلم هذه الفتاة اليتيمة؟ لا بد أن تعطي ما لليتامى من من حقوق وأن تتقي الله في ذلك لأن من يأكل مال اليتيم كأنما يأكل النار. ثم بعد ذلك تأتي الآيات لتنظم حركة الميراث وتعطي كل وارثٍ حقّه وتجعله فريضة محكمة لا يتحكم فيها أحد سوى رب العزة سبحانه وتعالى (فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيما حَكِيمًا (11)) هذا هو ما شرعه الله سبحانه وتعالى للأمة حتى تكون خير أمة أخرجت للناس. 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل