خواطر قرآنية - الجزء 29

برنامج خواطر قرآنية

د. محمد المختار المهدي

رمضان 1434هـ

الحلقة 29 – الجزء 29

(التفريغ حصريًا لموقع إسلاميات)


يبدأ الجزء التاسع والعشرون من كتاب الله عز وجل بسورة الملك التي تبدأ بتمجيد من بيده المُلك خالق الموت والحياة لمعرفة من أحسن العمل من عباده بعد أن أحكم الخلق وزيّن السماء الأولى بالكواكب وجعلها رجوماً للشياطين وأعدّ للكافرين ناراً تشهق وتفور غيظاً على من كذّب بآيات ربه ولم يستعمل عقله وسمعه فيما يراه من أرض ذلول وطير صافّات وما يتوقعه من خسف الأرض أو قصف الرياح أو منع المطر وكل ذلك بأمر الله وحده وإليه المرجع والمحشر في يوم تسوء فيه وجوه الكفرة وهم يرون ما استبعدوه أمام أعينهم ولا منقذ لهم ولا شفيع.

بهذا تنتهي سورة الملك لتبدأ سورة القلم وفيها قَسَمٌ بالقلم وما يسطرون بأن محمداً ليس بمجنون وبأنه على خلق عظيم وأن المستقبل له ولدينه وستفشل محاولات المكذبين الآثمين البخلاء بأموالهم عن المحتاجين كأصحاب الجنة حين أقسموا على حصاد زرعهم في الصباح الباكر قبل أن يستيقظ المساكين ولا يستثنون فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون فأصبت كالصريم ولعذاب الآخرة أكبر فعدل الله يابى أن يتساوى المسلم والمجرم ولو كان المسلم زعيماً أو ثرياً سنستدرج المجرم ونملي له حتى ينفذ فيه كيد الله وعلى هذا النبي العظيم محمد أن يصبر وأن يستمر في دعوته ولا يستعجل لهم كما استعجل سيدنا يونس فما أوتيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ذِكرٌ للعالمين.

وتأتي سورة الحاقة من كذّب بها تعرّض لعقاب الله كعادٍ بريح صرصر عاتية ولعقاب ثمود بالطاغية ولعقاب فرعون ومن قبله بالأخذة الرابية ذلك أنها آتية لا ريب بها بنفخة واحدة تدكّ بها الأرض والجبال وتنشق بها السماء ويُعرض العباد فمن أوتيه كتابه بيمينه فهو في عيشة راضية في جنة عالية جزاء ما قدّم في الأيام الخالية وأما من أوتي كتابه بشماله فلن ينفعه ماله ولا سلطانه وسيسلك في سلسلة ذرعها سبعون ذراعاً ويلقى به في جهنم إذ لم يكن يؤمن بالله ولا يحض على طعام المسكين إنها لحقيقة نطق بها رسول كريم ليس بشاعر ولا بكاهن فيها تذكرة للمتقين وحسرة على الكافرين وإن هذا القرآن لحقّ اليقين فسبح باسم ربك العظيم.

وتأتي سورة المعارج لتقرر أنه لا داعي لاستعجال العذاب فللكفرة عذاب واقع بهم لا محالة في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة وهو قريب وإن رآه الناس بعيداً ويومها لا يسأل صديق صديقه لمساعدة فالجميع يقول ويردد نفسي نفسي، يضحي الأب ببنيه وبزوجته وأخيه ومن في الأرض جميعاً ثم ينجيه وليهرب من تلك اللظى التي تحاصرهو تنزع أعضاءه وتحرق جوارحه وما على الإنسان إلا أن يهذِّب طباعه فقد جُبِل على الهلع وعلى الجزع وعلى البخل ولن يهذِّب كل ذلك إلا الديمومة على الصلاة وأداء الحق المعلوم للسائل والمحروم والخوف من عذاب الرقيب الشهيد والحفظ للفروج وأداء الأمانات والقيام بالشهادة بصدق والمحافظة على الصلاة فمن فعل ذلك أصحاب الجنة المكرمين بعيداً عن من يخوض ويلعب بآيات الله فهؤلاء سترهقهم ذلة وتخشع لها أبصارهم ورقابهم.

وتأتي سورة نوح وفيها حوار حكيم بين نوح وقومه لعلهم يدركون الحقيقة قبل أن يأتي أجلُ الله الذي لا يؤخّر، ويأخذ الحوار صفة الدوام بالليل والنهار وفي السر والعلن مذكّراً لهم بأثر الإيمان في الرخاء بشكر النعمة فما كان منهم إلا أن استغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكباراً وعكفوا على أصنامهم ودّ وسواع ويغوث ويعوق فأُغرقوا وأدخلوا ناراً بدعوة نوح عليه السلام حين قال لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجراً كفاراً.

وتأتي سورة الجن وهؤلاء لديهم فهم وإدراك واستجابة واستيعاب لأهداف القرآن وبمجرد سماعهم من فم رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيها تصريح بما كان منهم من تعاون على الإثم مع شياطين الإنس في استراق السمع وقد تغير الوضع في السماء ببعثة خاتم الأنبياء وصرّحوا بإدراكهم أن الإيمان بالله يمنح المرء أمناً ورشداً ورخا  وأن الكفر يسلكه عذاباً صعداً وأن محمداً يدعو إلى توحيد ربه وإفراد المساجد لعبادته وحده ومن يعصه له نار جهنم وتسليمهم لله في موعد الحساب فهو لا يُظهِر على غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسول وقد أحصى كل شيء عدداً.

وتأتي سورة المزمل لتهيئ داعية الإسلام الأول لينجح في دعوته بقيام الليل وتلاوة القرآن فهما العون على حمل العبء الثقيل مع التبتّل والصبر والإعراض عمن كذّب فهؤلاء لهم طعام ذو غصّة يوم ترجف الأرض والجبال ولهم وعيد بالعقاب الدنيوي أيضاً كما حدث لفرعون حين عصى موسى وقد نفّذ محمد وصية ربه فشهد له بذلك وخفف عنه وعن أمته بقبول ما تيسر لهم من القرآن حيث يعلم انشغالهم بالجهاد تارة وبالسعي على الرزق تارة وبالمرض أحياناً شريطة المحافظة على الصلاة والزكاة وفعل الخير والاستغفار من الذنوب.

وتأتي سورة المدثر بتكليف نبينا بالدعوة إلى الله والإنذار بعد الحصول على الزاد من قيام الليل وترتيل القرآن وهجر المنكرات والصبر عل الأذى معرضاً عمن أغناه الله فأكبر واستكبر وقال عن القرآن إنه قول البشر وسحر يؤثر وسيصلى سقر وعليها تسعة عشر ملكاً حدد الله عددهم ليستهين به المشركون ويزداد المؤمنون إيماناً بكثرة جنود الله ما هي إلا ذكرى للبشر. إن من جعل الليل يدبر والصبح يُسفر سيمحق ظلمات الكفر وينشر نور الإسلام وسيسكن المجرمون في سقر معترفين بأنهم لم يكونوا من المصلّين ولم يطعموا المسكين وكذبوا بيوم الدين وخاضوا مع الخائضين مما لا ينفعهم شفاعة الشافعين إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

وتأتي سورة القيامة يتساءل الناس عنها وينسون الحيرة حين تأتي فإذا برق البصر وخسف القمر وجُمع الشمس والقمر يومئذ يعلم الإنسان ما قدّم وأخّر. أولى بهذا السائل أن يعمل لهذا اليوم وأن لا تغره العاجلة حتى يكون يومها من الوجوه الناضرة مستحضراً وقت الفراق والتفاف الساق بالساق إلى ربك يومئد لمساق شاكراً لمن حوّله من نطفة إلى إنسان سويّ عاقل.

أما سورة الإنسان فتذكر بأصله وما صار إليه وما أُعدّ له في الآخرة فإن كان كافراً فله السلاسل والأغلال والسعير وإن كان باراً مؤمناً موفياً بالنذر خائفاً من يوم الحشر مُطعِماً للمساكين واليتامى والأسارى لوجه الله وحده فله جنة ينعم فيها بالظل وبالحرير وبالفضة والقوارير وبماء السلسبيل وبالنضرة والسرور وبالخدم الحسان كاللؤلؤ المنثور وبالسندس والشراب الطهور هذا هو الإنسان وما عليك يا محمد إلا أن تبلّغه القرآن وتعمل بما فيها فتسجد وتسبح وتصبر لحكم ربك وتعرض عمن يريد الدنيا وما أنت إلا مذكِّر.

 

ويختتم الجزء بسورة المرسلات وفيها قسم بجنود الله المرسلة الناشرة والفارقة على أن هؤلاء الكفرة سيقع بهم عذاب واقع يوم تنطمس النجوم وتنفرج السماء وتنسف الجبال ويُفصل بين العباد من القادر الجبار الذي أهلك المجرمين وخلق البشر من ماء مهين وجعل الأرض كفاتاً أحياء وأمواتاً سيؤمرون فيها بالانطلاق إلى نار ذات لهب ترمي بشرر كالقصر كأنه مجموعة من الجمال الصفر ويومها لا ينطقون أما المتقون ففي ظلال وعيون وفواكه مما يشتهون فبأي حديث بعد ذلك يؤمنون؟! وقانا الله شر المصير.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل