من أسرار القرآن الكريم - الشيخ محمد المختار المهدي

برنامج من أسرار القرآن الكريم - الحلقة 11 

د. محمد المختار المهدي

 

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، فمن يقرأ في كتاب الله عز وجل ويتدبر يجد القرآن الكريم قد حثّ على العناية باليتامى وأكد ذلك في أكثر من آية تحدث عن إطعامهم فقال سبحانه في وصف الأبرار (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) الإنسان) وتحدث عن إكرام اليتيم وجعله سبباً من أسباب توسعة الرزق في قوله سبحانه (وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (16) كَلَّا بَل لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (17) وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (18) وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا (19) وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا (20) الفجر) هكذا كأن القرآن الكريم يقول لنا لقد ضيّقت الرزق بسبب عدم إكرام اليتيم فلو أنا أكرمنا اليتامى لوسّع الله علينا في الرزق وجاء المصطفى صلى الله عليه وسلم وقال "أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين" معنى هذا أن كافل اليتيم سيكون صاحباً لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنة ومعلوم أن مكانة النبي في الفردوس الأعلى فمن يكفل يتيماً كان في الفردوس الأعلى.

ثم نجد القرآن الكريم يعتني بهذا اليتيم في مسألة كفالته فينبّه إلى أن هذا اليتيم إن كان له مال فلا بد أن يكون كافله في الأمانة مثلاً أعلى حتى إذا كان غنياً فعليه أن يستعفف وإن كان فقيراً فليأكل بالمعروف. عليه أن يتاجر في مال هذا اليتيم حتى لا تأكله الصدقة، لكنه إذا كان غنياً فعليه أن يتطوع بتثمير مال اليتيم دون أن يأخذ أجراً على ذلك أما إذا كان فقيراً فليأخذ أجره بالمعروف. ثم إذا بلغ الطفل بلوغ الرجال بالحُلُم يقول ربنا عز وجل (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ (6) النساء).

ثم يتحدّث القرآن الكريم أيضاً عن كافل اليتيمة فيوصي هذا الكافل بأن لا يضيّع حق تلك اليتيمة حينما تتزوج فقد يظن كافل اليتيم أنه بمراعاته لهذه اليتيمة سيكون لها إرث من أبيها فيزوجها لابنه حتى تنضم ثروتها إلى ثروة ابنه أو يحرمها من الصَدَاق المستحق لها فيقول سبحانه وتعالى (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ (3)) أي من غيرهن إذن قد منحكم الله عز وجل وأباح لكم مثنى وثلاث ورباع فلماذا تصرون على أن تتزوجوا هذه اليتيمة وتجوروا على حقوقهن؟!.

من هنا نجد القرآن الكريم يحثّ كثيراً على الحقوق المترتبة على كفالة هذا اليتيم أو تلك اليتيمة. ويقول سبحانه (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (220) البقرة) هكذا يأتي الوعيد والتهديد بأن الله عز وجل يعلم ويميّز بين الخبيث والطيب وبين النوايا التي تكون عند كافل هذا اليتيم ويتوعّد بأن ينتقم من هذا الظالم لتلك الضعيفة التي لا تملك لنفسها شيئاً.

من هنا كان من مبادئ الإسلام أن يُعنى المسلمون جميعاً بكفالة الأيتام حتى لا يكونوا معول هدم في بناء المجتمع وحتى نعوّضهم عن ما فات من حنان الأب. ليكُن الكافل قائماً بعمل هذا الأب سواء كان ذلك في المعيشة والإطعام والإنفاق أو كان ذلك أيضاً في التربية وفي الأخلاق وبثّ العقيدة الصحيحة في نفوس هؤلاء اليتامى. ندعوا الله عز وجل أن يجعل منا من يكون في صحبة النبي صلى الله عليه وسلم برعايته لهؤلاء اليتامى إنه ولي ذلك والقادر عليه والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل