من أسرار القرآن الكريم - الشيخ محمد المختار المهدي

برنامج من أسرار القرآن الكريم - الحلقة 14 

د. محمد المختار المهدي

 

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، فقد خلق الله البشر بطاقات ومواهب مختلفة وهذا الاختلاف ينبغي أن يكون للتكامل وليس للتنابز ولذلك يقول ربنا عز وجل (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ (119) هود) هذا الاختلاف في الفكر، في الطبائع، في العادات، في التقاليد، هذا الاختلاف لا يضر بل إنه ينفع حينما شرع الله عز وجل الشورى بين المسلمين كان الشورى معناها أن هناك رأياً وأمامه رأي آخر والنبي صلى الله عليه وسلم بالرغم من أنه معصوم كان رأيه في غزوة أحد ألا يخرج ولكنه حينما رأى الشباب كثرة ورأوا ضرورة الخروج اختار رأيهم وتنازل عن رأيه وخرج معهم إلى القتال. فهذه الشورى لا تتحقق أبداً إلا بأن يكون هناك تكامل في الرأي تكامل في هذا الاختلاف أي أن يكون هناك أدب للاختلاف وحينما تحدث القرآن الكريم عن الدعوة إلى الله جعل لها ثلاثة مجالات:

·         مجال الحكمة

·         ومجال الموعظة الحسنة

·         ومجال الجدال بالتي هي أحسن.

الجدال معناه أن كلاً من الطرفين يجد لصاحبه الدليل حتى يؤكد موقفه وُيبطل موقف الآخر فالقرآن هنا يجعل المؤمن في جداله في مرتبة أعلى فلا يقول (وجادلهم بالحسن) ولكن (بالتي هي أحسن). نحن نعلم أن هناك خلافاً بين الإسلام وأهل الكتاب سواء كانوا من اليهود أو من النصارى يأمرنا رب العزة سبحانه (وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ (46) العنكبوت)، إذن فالإسلام لا يمنع الاختلاف ولكنه يؤسس لضوابط هذا الاختلاف. والاختلاف إذا كان في الأمور الجزئية فلا مانع منه إطلاقاً لأن الأفهام تختلف. والرسول صلى الله عليه وسلم في غزوة الأحزاب بعد أن ردّ الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيراً جاءه الأمر الإلهي بأن يذهب إلى اليهود الذين خانوا الميثاق والعهد في بني قريظة فقال لأصحابه: "لا يصلينّ أحدكم العصر إلا في بني قريظة" فالطريق من شمال المدينة إلى جنوبها كان مسافة طويلة فجاء وقت العصر في أثناء سيرهم إلى بني قريظة فاختلف الصحابة بعضهم قال النبي هو الذي أمر أن لا نصلّي إلا في بني قريظة إذن فليس علينا صلاة في الطريق، فريق آخر قال النبي لم يرد ذلك ولكن أراد الإسراع كأنه قال أسرعوا حتى تدركوا العصر في بني قريظة فصلّى بعضهم في الطريق، وحينما التقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم وعلم بموقف الفريقين لم يعنّف أحداً وأقرّهم على ما فعلوا.

 

إذن فالأفهام تختلف ومع ذلك الإسلام يقبل هذا الاختلاف. على علماء الأمة إذن في هذه الفترة ألا يختلفوا في الجزئيات وأن يتكاملوا وأن يُصرّوا على التمسك والاعتصام بالثوابت الإسلامية التي لا مجال فيها لجدال أو خلاف وأن نتنازل عن الخلافات التفصيلية التي لا تضرّ الإسلام في حقيقته. إن الأمة تنتظر من علمائها أن يكونوا متّحدين في الإفتاء متّحدين في الآراء ليقودوا الناس إلى صحيح الدين ندعوا الله عز وجل للجميع بالسداد والتوفيق والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل