أسرار التعبير البياني في المتشابه القرآني - سورة هود - أ. د. محمود شمس

أ. د. محمود شمس

تفريغ سمر الأرناؤوط

(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ ﴿٩٦﴾ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ ﴿٩٧﴾ هود)

(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ ﴿٢٣﴾ إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ ﴿٢٤﴾ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ ﴿٢٥﴾ غافر)

(ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآَيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ ﴿٤٥﴾ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ ﴿٤٦﴾ فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ ﴿٤٧﴾ المؤمنون)

(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿٤٦﴾ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآَيَاتِنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ ﴿٤٧﴾ الزخرف)

(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ﴿٥﴾ إبراهيم)

(وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ﴿٣٨﴾ فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ ﴿٣٩﴾ فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ ﴿٤٠﴾ الذاريات)

(ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآَيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ﴿١٠٣﴾ الأعراف)

(ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآَيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ ﴿٧٥﴾ يونس)

(ولقد أرسلنا موسى بآياتنا) وردت في القرآن 5 مرات في سورة هود وغافر والزخرف وإبراهيم والمؤمنون.

بناء على إجابة القوم وقبح إجابتهم إجابتهم الشنيعة على إرسال موسى إليهم عندما ذكر لهم أنه أُرسل إلى فرعون وملئه، بناء على القبح المتناهي في إجابتهم يذكر الله تعالى تأييده لموسى عليه السلام بـ(وسلطان مبين) ترد مع قبح وشناعة إجابتهم لكن إذا كانت إجابتهم لا تشير إلى قبح ولا تفيد قبحا فإن القرآن لا يأتي بكلمة (وسلطان مبين)

(سلطان مبين) ترد حين يكون جواب القوم قبيحا وشنيعا في القبح.

السلطان المبين هو الحجج القاهرة التي تقهر القوم كأنواع العذاب التي أنزلها الله تعالى، يأتي التأييد من الله عز وجل لموسى عليه السلام بسلطان مبين وقد يرتفع القبح في موضع دون موضع، فإذا ارتفع قبح جوابهم يزيد الله عز وجل تأييدا لموسى بأخيه هارون.

في سورة هود (ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين إلى فرعون وملئه) جواب قومه كان جوابا فعليا وليس قوليا (فاتّبعوا أمر فرعون) بالرغم من مجيء موسى عليه السلام برسالة من عند الله عز وجل إلا أنهم آثروا اتّباع أمر فرعون وهذا قبح فعل بالنسبة لهم فزاد الله تأييده لموسى (بسلطان مبين) وقال الله تعالى (وما أمر فرعون برشيد) يبين سفاهتهم وقبحهم وقبح فعلهم وبيبين شناعته.

إصرارهم على اتباع أمر فرعون قبح فعل بالنسبة لهم فزاد الله تأييدا لنبيه موسى بقوله (وسلطان مبين) وقال الله جل وعلا (وما أمر فرعون برشيد) يبين الله سفاهته وقبحه وقبح فعله فقال (وما أمر فرعون) الله تبارك وتعالى يبين شناعة اتباع أمر فرعون بتكرار اسم فرعون مرة أخرى (وما أمر فرعون برشيد) موضع ضمير: وما أمره برشيد لأنه ذكره في الآية السابقة، (فاتبعوا أمر فرعون وما أمر فرعون برشيد) الرشيد هو ضد السفيه ولذلك الله تبارك وتعالى آثر أن لا يذكر السفه وإنما ذكر ضده، لو تدبرنا السياق لأدركنا أن الحكم هنا: وما أمر فرعون إلا بسفيه لكن رب العباد ذكر ضد السفيه وسابقا قلنا قاعدة إذا ذكر ضد الصفة أو ذكر الضدّ منفيا يثبت الضد كاملا، بدلا من أن أقول إن فرعون لسفيه هذه ربما تدل على أن السفه فيه نسبي، فيه نسبة سفه وربما تُفهم أن فيه نسبة أخرى من الرشد لكن عندما أراد الله جل وعلا أن يبين أن أمر فرعون كله سفه أتى بضد السفه ونفاه. إذا أردت أن أثبت الذكاء لإنسان لا أقول فلان ذكي لأنها تحتمل أن الذكاء فيه نسبي وأن فيه نسبة من الغباء إنما لو أردت أن أثبت أنه ذكي ذكاء كاملا آتي بصفة الغباء فأنفيها فأقول: ليس بغبي. ولذلك رب العباد آثر أن ينفي ضد السفه فنفى الرشد ليثبت أن ليس فيه نسبة رشد إطلاقا وفي هذا تجهيل للذين اتبعوا أمره، العاقل عندما يقتدي يقتدي بإنسان صالح بمن يدل على الخير إنما عندما يقتدي بمن هو سفيه ومن يدله على السفه، ليس هناك سفه أكثر من أن يقول لهم (ما علمت لكم من إله غيري) أو يقول لهم (أنا ربكم الأعلى) فهذا سفه، فما كان ينبغي أن يتبعوا أمر فرعون لأن أمر فرعون كله سفه وليس فيه من الرشد شيئا فماذا غرّهم باتباع هذا السفيه إلا السفه الواقع منهم؟! ما غرّهم إلا السفه فما كان ينبغي أن يتبعوا أمر فرعون فوردت (وسلطان مبين) هنا تأييدا موسى لأنه أرسل ومعه الحجج القاهرة التي تقهر القوم ولذلك بين الله عقاب فرعون ومن تبعه فقال (يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ ﴿٩٨﴾ هود) يعني أنه سيكون قائدا لقومه ليوردهم النار. الفعل أورد يستعمل للورود إلى الماء للشرب فهو يستعمل في الورود إلى مكان ينتفع منه، فهو يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار، استعمل الله عز وجل أوردهم مع أنه يوردهم النار والنار لا يستعمل معها ورد وأورد لأنها تستعمل في ورود الماء (ولما ورد ماء مدين) إذن الله تبارك وتعالى يشيرهنا إلى أمرين:

الأمر الأولى أنه كما ساقهم في الدنيا كالحيوانات سيسوقهم يوم القيامة كالحيوانات ويوردهم النار في النهاية. كلمة النار تحدد الورود الذي سيذهبون إليه لكن القضية في أنم انساقوا خلفه في الدنيا وانساقوا خف سفهه فهاهم الآن في الآخرة ينساقن خلفه لكن لن يوردهم إلى النار ولذلك ذمّ الله هذا الورد وقال (بئس الورد المورود) لأن الورد يستعمل في ورود الماء لكنا هنا بئس الورد المورود.

وأما في موضع سورة غافر (ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين إلى فرعون وهامان وقارون فقالوا ساحر كذاب) فنعتوا موسى بالسحر وبالكذب (فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ ﴿٢٥﴾) (اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه) هذا غير التذبيح لأن فرعون كان يذبّح الأطفال قبل بعثة موسى وبعد بعثة موسى عندما حرضه الملأ (وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآَلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ ﴿١٢٧﴾ الأعراف) فالقتل والتقتيل كان بعد بعثة موسى ولكن التذبيح كان قبل البعثة. فهنا لما كان جوابهم قبيحا شنيعا زاد الله تأييده لموسى بقوله (وسلطان مبين)

هذا موضعان ورد فيهما (وسلطان مبين) والموضع الثالث في سورة المؤمنون (ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون بآياتنا وسلطان مبين إلى فرعون وملئه فاستكبروا وكانوا قوما عالين قالوا أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون) أرأيتم قبح ردّهم؟ قبح ردهم في موضع سورة المؤمنون أشد وأشنع من الموضعين السابقين لأنهم استكبروا وكانوا قوما عالين ثم قال أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون ولذلك زاد الله تأييد موسى هاهنا بقوله (وأخاه هارون) إذن موضع سورة المؤمنون زاد الله تأييدا لموسى بذكر أخاه هارون مع ذكر السلطان المبين لكن غير هذه المواضع الثلاثة التي لم يذكر الله فيها (وسلطان مبين)

ننظر إلى موضع سورة الزخرف لأن ردهم كان بعيدا عن القبح (ولقد أرسلنا موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه فقال إني رسول رب العالمين فلما جاءهم بآياتنا إذا هم منها يضحكون) لأن ردهم الفعلي هنا أنهم ضحكوا ضحك استهزاء وسخرية صحيح لكنه أقل قبحا من قولهم (أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون) واقل قبحا من استكبارهم ومن كونهم كانوا قوما عالين ومن كونهم اتبعوا أمر فرعون.

إذن لم يذكر الله عز وجل في موضع الزخرف (وسلطان مبين) نظرا لأن إجابتهم الفعلية كانت أقل قبحا من المواضع الأخرى.

الموضع الخامس لم يذكر الله جوابا لهم على الإرسال وهو في سورة إبراهيم (ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور وذكرهم بأيام الله إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور) ولذلك لم يذكر الله السلطان المبين ولم يذكر تأييده بقوله (وأخاه هارون)

(وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ﴿٣٨﴾ فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ ﴿٣٩﴾ فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ ﴿٤٠﴾ الذاريات) بيّن ذكر إنصراف القوم انصرافا عنيفا (فتولى بركنه) إعراض تام ثم اتهموا موسى بقوله (ساحر أو مجنون) وهذا من ردّهم القبيح فذكر في الآية (بسلطان مبين) 

وعندنا موضعان التشابه بينهما دقيق وهو يفيد في تثبيت الحفظ:

الموضع الأول في سورة الأعراف (ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا) لم يذكر هنا هارون لم يذكر تأييدا لموسى هنا بهارون لأن الله تعالى قال في آية أخرى (سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطان) إذن ذكر هارون يكون تأييدا لموسى وقوة تدفع موسى.

في سورة يونس قال الله عز وجل (ثم بعثنا من بعدهم موسى وهارون إلى فرعون وملئه بآياتنا) فذكر هارون في موضع يونس، تأملوا إجابتهم:

في موضع الأعراف قال الله (فظلموا بها) لم يذكر إلا أنهم ظلموا بها ومن أجل ذلك لم يذكر الله تأييدا لموسى بهارون في هذا الموضع.

لماذا ذكر هارون في موضع سورة يونس؟ لأنهم استكبروا وكانوا قوما مجرمين نعتهم الله بالاستكبار وبالإجرام (فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا إن هذا لسحر مبين) اتهموا موسى بالسحر ولذلك ذكر الله تأييدا لموسى في موضع سورة يونس بأخيه هارون.

متى يذكر الله (وسلطان مبين) ومتى يذكر هارون مع السلطان المبين ومتى يذكر هارون وحده؟

إذا كانت إجابة القوم فيها دلالة على القبح والاستكبار والإجرام أما إذا ذكر الله جل جلاله بعض صفاتهم التي لا تدل على قبح وإجرام كقوله (فظلموا فيها) (إذا هم منها يضحكون) لم يذكر الله تأييدا لموسى والله أعلم.

الملأ هم كبار القوم، هم المستشارون لفرعون المقربون لفرعون أما القوم فهم القوم جميعا. إذا ذكر وملئه فهم أشراف القوم، البطانة، أقرب الناس لفرعون.

 

الموضع الأخير في متشابه سورة هود:

(وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ ﴿١١٧﴾ هود)

وفي سورة القصص (وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ ﴿٥٩﴾ القصص)

والتشابه اللفظي بين قوله (ليُهلك) باللام والفعل المضارع بينما في موضع سورة القصص كان خبر كان اسم فاعل (مُهلِك) من أهلك، فما السر في التعبير بالمضارع في موضع سورة هود وفي القصص باسم الفاعل، وفي ختام الآية في هود (وأهها مصلحون) وفي سورة الأنعام (واهلها غافلون)

الفرق بين (وما كان ربك ليُهلِك) و(مُهلِك)

ليُهلك: اللام تسمى لام الجحو وهي تدل على الإنكار الشديد والنفي الشديد ولام الجحود تكون مسبوقة بكون ماض منفي، كان أو لم يكن. مثل: (وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم)، هذا لن يحدث فيهم أن يعذبهم الله وأنت فيهم. فالتعبير هنا دلالته في المضارع، المضارع هنا يدل على التجدد والحدوث والتجدد والحدوث يدل على أن إهلاك القرى بظلم ما كان ربك ليفعله أبدا لا الآن ولا في المستقبل. فهي تعطي طمأنينة لقلب النبي صلى الله عليه وسلم.

لماذا قال الله (وما كان ربك ليُهلك)؟ لأن القضية تتعلق بالسياق، دائما ننظر إلى السياق الذي وردت فيه الآية، السياق قبلها (فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ ﴿١١٦﴾ هود) الله تبارك وتعالى يقول فلو كان قبل هذا أن هناك قوما مفسدين وكان هناك من ينهاهم عن الفساد في الأرض وهم أولو البقية (إلا قليلا ممن أنجينا منهم) لكن الواقع أنه تكرر فسادهم كثيرا وعمّ كل قرن فتكرر عليهم الجزاء ومع ذلك الله تبارك وتعالى لا يهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون، إذن الآية التي قبلها يشير الله لو أن هناك بقية من الناس تنهى عن الفساد في الأرض، كان الناس في صلاح وفي إصلاح ولذلك هذا سيكون له علاقة بختام الآية (وأهلها مصلحون) لأن ضد الفساد لصلاح فلو أنه كان هناك بقية ينهون المفسدين عن الفساد في الأرض لكانت هذه القرية قرية صالحة مصلحة ومان كان الله تبارك وتعالى ليهلكهم إطلاقا. إذن كانت دلالة المضارع هنا التجدد والحدوث وختام الآية بقوله (مصلحون) لأن الآية التي قبلها يشير الله فيها إلى وجوب أن يكون هناك من ينهى الناس عن الفسد ولأن ضد الفساد الإصلاح قال تعالى (وأهلها مصلحون).

أما في سورة القصص فقال الله تعالى (وما كان ربك مهلِك القرى) الله تبارك وتعالى في موضع سورة القصص ما أراد دلالة التكرار ودلالة التجدد والحدوث وإنما أراد ذكر الإتصاف بالإهلاك حتى يبعث في أمها رسولا (ما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا) كما قال الله في آية أخرى (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) فهنا مناسب لهذا السياق أن يذكر الله الإهلاك باسم الفاعل لأنه ما يقصد التكرار ولا يقصد التجدد والحدوث ولأن الله تبارك وتعالى قال قبلها (ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون) وصّلنا يعني أتبعنا التذكار لهم، وصّلنا القول أتبعناه بعضه بعضا لعلهم يتذكرون، ما هو هنا إلا تذكّر وأن الله تبارك وتعالى ما كان مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلوا عليهم آياتنا.

قال في سورة الأنعام (ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون) وقال في سورة هود (واهلها مصلحون)

قال (وأهلها غافلون) إشارة إلى ما تقدم ذكره من العقاب قال (النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم) هذا وعيد بالعقاب ونادى الله بعد ذلك معشر الجن والإنس (يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل من قبلكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحياة الدنيا  ) هم غفلوا عن اتباع الرسل وعن اتباع المنهج الحق فناسب أن يقول الله تعالى (واهلها غافلون) ولم يقل (واهلها مصلحون) وهذا فيه دلالة على أن الله تبارك وتعالى عندما ترد في موضع للدلالة على معنى لا بد أن يؤدى المعنى بهذا اللفظ ولو أردنا كما قال ابن غطية رحمه الله في كتابه المحرر الوجيز في مقدمة الكتاب يقول: ولو أدير لسان العرب بأكمله لتبحث عن لفظ تضعه موضع لفظ ذكره الله في آية في كتابه لتؤدي نفس المعنى لن تجد. لو بحثنا لنأتي بكلمة تحل محل كلمة لن نجد هذه الكلمة أبدا والمقصود بلسان العرب أي ما تكلموا به، كل كلام تكلم به العرب فلو بحثنا في كلام العرب كله لنجد كلمة أو حرفا يحل محل حرف ليؤدي المعنى الذي أراده الله جل وعلا لن نجد.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل