الظلمات والنور في سورة إبراهيم

" الظلمات والنور" في سورة ابراهيم

إن المتامل في سورة ابراهيم يجدها تعرض صورتين متقابلتين ، إحداها لمجتمع الظلمات والأخرى لمجتمع النور، ففي مطلع السورة بل في أول آية منها يقول الله تعالى :" الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ "

وهكذا تلخص الأية الهدف الأسمى من إنزال القرآن ألا وهو إخراج الناس من ظلمات الباطل على اختلاف أنواعها وأشكالها الى نور الحق والهداية ، وتأمل كيف جاءت لفظة الظلمات بصيغة الجمع لكثرتها وتعددها بينما نور الحق مفرد واحد وهو صراط الله العزيزالحميد كما وصفته الأية الكريمة السابقة .

ولنبدأ بأبرز ملامح مجتمع الظلمات كما تعرضها سورة ابراهيم :

ففي بدايات السورة يقول تعالى ( الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ )

فهي مجتمعات تصرّ على الانغماس في ملذات الدنيا والإفراط فيها وتُـقدّمها على الأولويات والواجبات في هذه الحياة ، وتصد عن منهج الله لأنه يرفض هذه الملذات لا سيما إن كانت محرمة ، وتتّـبع الطرق والمناهج المعوجّة التي تتفق مع أهوائها ومصالحها ، وترفض الحق الذي يحارب ذلك الاعوجاج ويدعو إلى الاستقامة في المبادىء والأفكار والسلوك .

هي مجتمعات تمارس الاضطهاد على الشعوب بكل أشكاله من قتل وذبح وتشريد واستعباد كما وصفت السورة مجتمع بني اسرائيل الذي مارس عليه فرعون كل أصناف العذاب :" وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ"

هذه المجتمعات المظلمة ، تعلن الكفر والتمرد على دين الله ، يقول تعالى على لسان الأقوام السابقة التي كذبت أنبياءها  :" وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ "

وهي مجتمعات تؤذي المصلحين الذين يكون شعارهم الصبر من أجل دعوتهم :         "وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ " بل وتهدّدهم إن لم يرجعوا عن دعوتهم بالنفي والإبعاد :" وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا "

كما أن هذه المجتمعات تمارس الاستكبار والاستعلاء في الأرض ، وتسوق الضعفاء من الناس والشعوب قسرا لتحقيق مآربها وطغيانها ، فهم جبابرة طغاة ،  فـسورة ابراهيم تصفهم بلفظة الجبار العنيد وتتوعدهم بعذاب غليظ في قوله تعالى " وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ * مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ * يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ ) وتأمل وصْف العذاب بأنه غليظ ليكون جزاء عادلا مع غلظة أولئك الطغاة  وجبروتهم .

أما أولئك الأتباع الضعفاء فإنهم يدخلون في جدل عقيم مع أولئك المستكبرين يوم القيامة رجاءَ أن يخلصّوهم من العذاب :" وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ" ولا ينفع حينها عتاب أو شكوى ولا يُغني عنهم صبر أو جزع ." سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ "  

هذه المجتمعات المظلمة ، إعلامها خبيث ، وكلماتها خبيثة ، تضلل الشعوب وتقلب الحقائق وتزيّن المنكر وتدعو إلى الباطل وها هي السورة تضرب المثل بالكلمة الخبيثة التي مهما حاول أصحابها أن يبلغوا بها الآفاق فإنهم لن يفلحوا لأنها كلمة عقيمة لا جذور لها ولا أساس :"  وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ "

وهي مجتمعات تكفر النعمة بل وتسخرّها في معصية الله والإفساد في الأرض :" أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ" وتجد السورة تصف الانسان الذي لا يقدّر النعمة ولا يشكرها  بلفظة الظلوم الكفار  :" وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ"

وهي مجتمعات تمكر بالليل والنهار ، للصد عن دين الله ومحاربة منهجه في الأرض ، ومطاردة أتباعه بكل الأساليب والوسائل الممكنة بل بأشدها وأقساها كما وصفتها الآيات بالمكر الذي تزول منه الجبال :" وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ".

وأما مجتمعات النور فأبرز ملامحها كما تعرضها سورة ابراهيم :

هي مجتمعات تعيش في النور ، الرؤية لديها واضحة ، ليس فيها مكر ولا خداع ، بل المنهج أيضا واضح مستقيم وقد وصفته السورة بلفظة الصراط في أول آية  :" صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ"وهذا ينافي العوج الذي ذكرناه آنفا في صفة المجتمعات المظلمة .

وما أجمل التعبير القرآني في سورة ابراهيم حين يصف هذا الوضوح في الرؤية والمنهج في قوله تعالى :" قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى" وقوله تعالى :" وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ".

بل ويدعو هذا المنهج إلى إقامة الصلاة التي هي احسانٌ إلى النفس   ، ومن ثم ايتاء الزكاة وإنفاق المال سراً وعلانية  وفي هذا  إحسانٌ إلى  المجتمع :" قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ"

وتأمل قوله تعالى " مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ " وكيف تمتد الرؤية في مجتمع النور لتصل إلى استحضار اليوم الآخر وتذكرّه  ، ليكون ذلك دافعا لفعل الخير ورادعا عن فعل الشر، ففي مجتمع النورتترسّخ ما يمكن تسميته بالرقابة الذاتية على النفس والتي هي أصلٌ في صلاح النفس ومن ثم المجتمع غير أن الدافع لها هنا هو مخافة الله عزوجل واستشعار مراقبته .

ومجتمعات النور ، إعلامها صادق ، وكلمتها طيبة ، تبلغ الآفاق لصدقها ، فقوّتها في صدقها ، لا تضلل الجماهير ولا ترفع الشعارات الخادعة أو الكاذبة ، لذلك تؤتي هذه الكلمة الطيبة ثمارها في كل حين :" أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا"

وهي مجتمعات ترفع راية التوحيد وترفض الشرك بكل أشكاله وصوره ، لأن الأمن لا يكون إلا مع الايمان ، والبركة لا تكون مع الشرك :" وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ " " وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ "

وفي هذا المجتمعات تقام شعائر العبادات لا سيما الصلاة ، بل وتتوارث الأجيال المؤمنة هذه العبادة لله ، فهي تتمنى لنفسها وللأجيال من بعدها أن تعيش في هذا النور الذي يشع بهذه العبادة وتلمح ذلك في دعوة ابراهيم عليه السلام لذريته :" رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ" بل وتمتد دعوة ابراهيم بالمغفرة والرحمة لكل المؤمنين :" رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ".

 

والخلاصة أنك وأنت تطوف في أجواء السورة ، بين هذين النموذجين من المجتمعات ، تجد الآيات تدعوك إلى مجتمع النور وتنفرّك من مجتمع الظلمات ، تارة بالتأكيد على أن مجتمعات الظلام واهية وإلى هلاك وإن كان لها في أول الأمر غلبة وقوة لكنها ستؤول نهايتها إلى رماد لا قيمة له تذروه الرياح :" مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ "

وتارة بذكر المصير في الأخرة ،ولعل سورة ابراهيم جاء فيها كلمات تهديد ووعيد للظالمين لم تذكر في سورة أخرى بمثل قوّتها ووقْعها ، وتأمل معي هذا المقطع الرهيب من الأيات في آخر السورة :" وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ"  وقوله أيضا :" وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (49) سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ "

فإن الظالمين وإن استكبروا في الأرض إلى حين ، فإن عذابهم في الأخرة شديد ، ليتسلّى أهل الايمان والنور بهذا المصير للظالمين ويزداد يقينهم بما هم عليه من الحق ، فيثبتوا على الطريق ليجدوا في مقابل ذلك ما أعد الله لهم في جنات النعيم :" وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ"

ثم يأتي ختام السورة ليخاطب كل من له لب وعقل ، فيحمّله مسئولية الاختيار بين أهل النور وأهل الظلمات :" هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ"

كتبه عمر محمود أبوأنس



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل