الخطاب الفعّال في سورة طه

الخطاب الفعّال في سورة طه

يعتبر الخطاب لا سيما الحوار أسلوباً مهماً في التواصل مع الآخرين ، ولكي يكون هذا الخطاب فعّالا ويحقق أهدافه المقصودة ونتائجه المرجوّة في نفس المخاطَب فلا بد أن يتوفّر فيه عددٌ من الخصائص والشروط ، ولعلنا نقف مع هذه الخصائص للخطاب الفعال من خلال التأمل في الخطاب الوارد في سورة طه من الله تعالى إلى نبيه موسى عليه السلام وهو يهيئه ويعدّه للمهمة العظيمة التي أرادها له وهي أن يكون رسوله إلى فرعون .

وقد جاء هذا الخطاب في أول سورة طه في الآيات التالية في قوله تعالى :"  إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى (10) فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى (11) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (12) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (13) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (14) إِنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (15) فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى (16) وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (17) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآَرِبُ أُخْرَى (18) قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى (19) فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى (20) قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى (21) وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آَيَةً أُخْرَى (22) لِنُرِيَكَ مِنْ آَيَاتِنَا الْكُبْرَى (23) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (24) قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (25) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (26) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (27) يَفْقَهُوا قَوْلِي (28)

وبعد تأمل الآيات السابقة  نستخلص منها خصائص الخطاب الفعّال ، وهي كما يلي :

1-   عنصر الإثارة ولفت الانتباه قبل البدء في الخطاب : وهو ما يعرف بالتهيئة الحافزة قبل البدء بالخطاب ، وذلك للفت انتباه المخاطَب وتشويقه إلى مضمون الخطاب :" إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى". فكانت هذه النار والتي كانت فيما بعد نوراً سبباً للفْت انتباه موسى عليه السلام واستدراجه إلى المكان لتهيئته للخطاب من الله

2-   تحديد المخاطَب والفئة المستهدفة بالخطاب :" فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى ".

3-   التعريف بقدْر المخاطِب وصفاته التي تؤهّله ليأخذ زمام الخطاب :" إنِّي أَنَا رَبُّكَ ". وقوله أيضا :" إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا ".

4-   التهيئة النفسية والبدنية للمخاطَب :" فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ " ولا شك أن خلع النعلين فيه ما فيه من حسن الأدب في حضرة الله ، وهكذا ينبغي أن يكون حال من يتلقى الخطاب مع من يخاطبه .

5-   اختيار البيئة المناسبة للخطاب :" إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى ".

6-   التعزيز وإكساب الثقة للمخاطَب وأنه أهل للخطاب :"  وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى ".

7-   التركيز على الكليات العامة أولا قبل البدء في التفاصيل : وهكذا فعلى المخاطِب أن يحدد المحاور الأساسية لموضوع الخطاب قبل الخوض في التفاصيل ، وإذا كان وقت الخطاب قصيرا فالتركيز على الأساسيات أولى وأنفع ، وهذا ما كان في الآيات ، حيث أخبر الله نبيه موسى عن حقائق الإيمان الكبرى وهي ألوهية الله وربوبيته ثم عقيدة اليوم الآخر دون الإسهاب في الجزئيات :" إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (14) إِنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (15) فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى ".

8-   إشراك الطرف الآخر في الخطاب ، حيث كان النصف الأول من الآيات خطابا من طرف واحد ، أي من الله عز و جل إلى نبيه موسى ، وإما إشراك موسى في الخطاب فبدأ بعد قوله تعالى :" وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (17) قَالَ هِيَ عَصَايَ ". ولا شك أن إتاحة الفرصة للمخاطب كي يشارك في الحوار يزيد من تفاعله مع الخطاب واستجابته له

9-   استثمار مواهب وقدرات المخاطَب وتوظيفها في الخطاب :" وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (17) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآَرِبُ أُخْرَى".

10-                       اعتماد الأسلوب الحركي والتجريبي عند المتلقّي للخطاب ، فإن ذلك يزيد من تمكّن المخاطَب وصقل مهاراته وزيادة الثقة بنفسه ، وهذا التجريب العملي يقلل من فرص الفشل كما يزيد من ضمانة تحقق النتائج:"  قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى (19) فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى (20) قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى (21) وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آَيَةً أُخْرَى (22) لِنُرِيَكَ مِنْ آَيَاتِنَا الْكُبْرَى". ولك أن تتخيل ما يمكن أن يقع من الخوف والتردّد في نفس موسى وما ينتج عنه من توقّع الفشل و ضعف الثقة بالنفس لو أن موسى عليه السلام لم يزاول معجزة العصا أول مرة إلا عند المواجهة المباشرة في ذلك النزال الرهيب مع سحرة فرعون .

11-                       تحديد الهدف والمهام المستقبليّة للمخاطَب ، بعد الفراغ من الخطاب ، ليوظف ما اكتسبه من معارف ومهارات لتحقيق الهدف ، فبعد خطاب الله عزوجل لموسى عليه السلام كلفه بالذهاب إلى فرعون وتبليغ الرسالة :"  اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى ".

12-                       الاستعانة بالله ودعاء المخاطِب أن يعينه الله على حسن الخطاب ، ليشرح صدره ويسدد لسانه كي يحقق الأثر في المخاطبين :" قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (25) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (26) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (27) يَفْقَهُوا قَوْلِي".

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

كتبه عمر محمود أبو أنسٍ



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل