جوانب تدبرية في جزء عمّ

جوانب تدبّريّة في جزء عم   

جزء عم  يحتوي على ست وثلاثين سوة ، ويعرف بجزء المحاريب لكثرة ما يقرأه الأئمة في صلاتهم بالناس ، وذلك لتميزه عموماً بقصر سوره وسهولة حفظه ، فكان بذلك الجزء المألوف والأكثر قراءة وتردّداً على لسان الصغار قبل الكبار ، وهوفي أغلبه من القرآن المكي الذي جاء يعالج القضايا الرئيسية التي تناولتها السور المكية من الحديث عن التوحيد والبعث والجزاء والجنة والنار.

ولعلنا نقف بعض الوقفات مع الجوانب الاعتقادية والتربوية والدعوية التي جاءت في سياق هذا الجزء المبارك من القرآن :

أولا : الجانب الاعتقادي

1-   إن القضية العظمى التي تعتبر القاسم المشترك بين سور الجزء جميعا هي قضية التوحيد وإثبات الألوهية لله ، واستحقاق العبودية له وحده ،  ونفي عقيدة الشرك التي كانت عند الكفار ولعل أبرزمثال على ذلك سورة الاخلاص " قل هو الله أحد " التي تعدل ثلث القرآن وما ذلك إلا لأنها لخصت موضوع التوحيد .

2-   يتحدث الجزء عند التعبير عن الذات الالهية بلفظة العَلَم " الله " كقوله تعالى " وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ" ، أو بصفة الربوبية  ، ولفظة الربّ وردت كثيراً في سور هذا الجزء كما في الأيات التالية " سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى " " وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا  " وقوله في  المعوذتين " قل أعوذ برب الفلق " و " قل أعوذ برب الناس " ولعل تكرار لفظة الرب جاء لأن المشركين لم ينكروا هذه الصفة لله وأنه الخالق الرازق ، وكأن الأيات تنكر عليهم أنْ كيف تعترفون لله بصفة الربوبية ثم لا تقرّون له بصفة الألوهية وهي استحقاقه وحده للعبادة فتشركون معه غيره.

3-   تسوق سور هذا الجزء الدلائل الكثيرة والمتتابعة على خلق الله وقدرته واستحقاقه للعبادة والخضوع في أجمل أسلوب وأبلغ بيان ، وتأمل معي هذه المقاطع الرائعة التي تخاطب العقل والوجدان " قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (17) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (18) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (19) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (20) ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (21) ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ (22) كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ (23) فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (25) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (26) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (27) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (28) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (29) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (30) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (31) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (32)

وقوله تعالى ": أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (6) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (7) وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا (8) وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (9) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (10) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (11) وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (12) وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا (13) وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (14) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (15) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا (16)"

4-   لم يرد الكثير من أسماء الله الحسنى في هذا الجزء ، وممّا ورد منها اسم  " الرحمن " كما في سورة النبأ :" رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا *يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا"

ولعل ذكر اسم الله الرحمن هنا تلطفاً منه سبحانه وكأنه يذكرّهم برحمته حين يفزع الناس  ويخافون في ذلك اليوم الأخرالعظيم الذي استطردت سور الجزء كثيرا في وصف مشاهده وأهواله.

 ومن أسمائه الحسنى التي ذكرت أيضا ماجاء في سورة البروج:" وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ" فهو الشهيد على ما فعل أولئك المجرمون من حرق المؤمنين في الأخدود ، وهو الحميد المحمود في السماوات والأرض وهو العزيز لا يعجزه شيء والذي سينتقم من أعدائه أشد انتقام.

5-   أسهبت سور هذا الجزء في وصف مشاهد القيامة ، وأحوال الناس فيها وما يصاحبها من تغيرات كونية عظيمة ، حتى كأنك تراها رأي العين كما ذكر ذلك  النبي – ص – في الحديث الذي رواه الترمذي وأحمد عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من سره أن ينظر إلى يوم القيامة كأنه رأي العين فليقرأ: إذا الشمس كورت، وإذا السماء انفطرت، وإذا السماء انشقت. بل إن بعض أسماء سورهذا الجزء هي أسماء ليوم القيامة : الغاشية والقارعة والزلزلة  أو هي وصف لأهوالها كالتكوير والانفطار والانشقاق

6-   جاءوصف مصير الفريقين يوم القيامة كثيرا في هذا الجزء بذكر جزاء المؤمنين         ( الجنة) وما فيها من ألوان النعيم ، وذكر جزاء الكافرين( جهنم)  بما فيها من ألوان العذاب وما أكثر السور التي تحدثت عن ذلك كالنبأ والمطففين والغاشية والفجر وغيرها تلميحا أو تفصيلا

ثانيا : الجانب التربوي والأخلاقي

1-   تنمية الوازع الديني بالتخويف من اليوم الآخر فيكون ذلك رادعا عن كل إثم وخطيئة كما في قوله في سورة المطففين " ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم * يوم يقوم الناس لرب العالمين " ويصف من يدع اليتميم أنه يكذب بيوم الدين :"  أرأيت الذي يكذب بالدين * فذلك الذي يدع اليتيم".

2-   احترام قيمة الانسان ، والمحافظة على حق حياته وعدم هدرها بلا ذنب ، فعاب على المشركين في مكة دفن البنات وهن أحياء خشية العارأو الفقر " وإذا الموءودة سئلت *  بأي ذنب قتلت "

3-   تميز جزء عم بأسلوب الردع والزجر وذلك باستخدام كلمة " كلا " حيث وردت  ثماني عشرة مرة ،وهو من أساليب التربية بالتلويح بالعقوبة .

4-   التربية بالقصة  ، واستلهام العبر والعظات منها ، حيث شملت بعض سور هذا الجزء على بعض القصص المليئة بالحكمة والموعظة كقصة أصحاب الفيل ، ورحلتي الشتاء والصيف في سورة قريش ، وقصة أصحاب الأخدود في البروج

5-   هداية الدلالة والبيان ، وتحمل المسئولية في سلوك أحدى الطريقين ، الهداية أم الضلالة كقوله تعالى " وهديناه النجدين " وقوله " إن سعيكم لشتى " وقوله " قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها "

ثالثا : الجانب الدعوي والاجتماعي

1-   الحث على القيم الأخلاقية الرفيعة التي يسعد بها الفرد والمجتمع فجاء في سورة المطففين النهي عن الغش في المكيال والميزان :" وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (1) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (3) أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ " ورغم أن المسلمين  لم يكن لهم بعد في مكة دولة ، لكنه الدين الذي جاء يدعو إلى مكارم الأخلاق ، وفي سورة الماعون دعوة إلى رعاية الفئات الضعيفة في المجتمع كاليتيم والمسكين " أرأيت الذي يكذب بالدين (1) فذلك الذي يدع اليتيم (2) ولا يحض على طعام المسكين " وفي سورة البلد كذلك دعوة لمحاربة العبودية " وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (12) فَكُّ رَقَبَةٍ (13) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (15) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (16)"

2-   سنة الله قائمة في إهلاك من كفر من الأمم السابقة ، كما جاء في ذكر خبرفرعون في سورة النازعات وثمود في سورة الشمس وعاد في سورة الفجر وما في ذلك من التهديد والوعيد لكفار قريش إن ساروا على طريقتهم .

3-   تثبيت المؤمنين على طريق الدعوة في زمن الاستضعاف وأن من قبلهم فُتنوا وثبتوا وقدّموا أرواحهم فداءً لهذا الدين كما في قصة أصحاب الخدود ، وأن أعداء الدعوة لا يتورعون عن كل وسيلة لحرب الدين ولو بقتل أتباعه وتحريقهم بالنار.

4-   الثقة بنصر الله وانتقامه الشديد لأعدائه ، وتميزت ألفاظ هذا الجزء في هذا السياق بالقوة والجزالة كما تقرأ في سورة العلق :" كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (15) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (16) فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (17) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ "

وقوله تعالى في سورة الفجر " فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إن ربك لبالمرصاد " وقوله في البروج " إن بطش ربك لشديد " ليؤكد تبارك وتعالى أنه يمهل ولا يهمل وأنّ أَخْذه للطغاة أليم شديد.

5-    الدعوة إلى العلم ، فبه تتقدم المجتمعات ،  ووسيلته الكتابة بالقلم ، فكان أول ما نزل على قلب النبي – ص – بمكة أوائل سورة العلق :" اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ " وتأمل كيف وجهت الآيات القراءة لتكون باسم الله ليكون هذا العلم نافعا مفيدا

6-    دراسة الظواهر الكونية والتأمل فيها ، واكتشاف أسرارها والاهتداء بها إلى الله ، فتجد في هذا الجزء سورا باسم هذه الظواهر الكونية كالبروج والطارق والفجر والشمس والليل والضحى ، ومن الأيات في هذا السياق " فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (16) وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (17) وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ " وقوله تعالى :" فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (15) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ" وقوله تعالى :" أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (18) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (19) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ"

7-    عناية الله للدعاة ، ورعايته وحفظه لهم ، وفي هذا تطمين للدعاة وركونهم إلى الله في كل حين ، وفي ذلك تسلية لهم على الطريق الذي سلكه الأنبياء من قبلهم كما في سورة الضحى :" وَالضُّحَى (1) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (2) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (3) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (4) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (5) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (6) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (7) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى".

هذا والله اعلم

كتبه عمر محمود أبوأنس



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل