محاضرة - تفسير سورة النمل: نعمة الله الخالصة الخاصّة - د. محمد الربيعة

محاضرة - تفسير سورة النمل: نعمة الله الخالصة الخاصّة - د. محمد الربيعة

محاضرة د. محمد الربيعة

تفريغ الشيخ د. ماهر الفحل
تفسير سورة النَّمل 
نعمة الله الخالصة الخاصَّة.
 
بسم الله الرحمن الرحيم 
الحمد لله الذي أنعم علينا بالقرآن، وخصنا به وشرفنا وفضلنا، ورفعنا به في الدنيا والآخرة، مع سورة : النمل .
سورة النمل خاصة للأنبياء ، هذه السورة نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم في مكة ، في حال كان يلاقي من المشركين مايلاقي من الضِّيق والتَّكذيب ولذلك جاء قوله فيها 
" وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ (127) "
كانوا مكذبين جاحدين ، كما قال الله عنهم :  " وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآَبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ - لَقَدْ وُعِدْنَا هَٰذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِن قَبْلُ إِنْ هَٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ".
هذه السورة جاءت في أولها أولاً : الحديث عن القرآن 
" طس ۚ تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُّبِينٍ (1) "
كأنها انتصار وكل الحروف التي ذُكِرَ فيها بعدها القرآن هي إنتصار للقرآن ، وللنبي صلى الله عليه وسلم.
 فالله تعالى هنا يؤكد للنبي صلى الله عليه وسلم عظمة هذا القرآن ، في سبيل أو في مواجهة هؤلاء المكذبين الجاحدين ، ثم يقول عنه " كِتَابٍ مُبِينٍ " 
مهما جحدوا فهو كتاب مبين ، 
" وهدى وبشرى للمؤمنين" فإن كان هؤلاء لم يستمعوا له ولم يهتدوا به فإنه هدى وبشرى للمؤمنين، " الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ ". يعني مستجيبين لأمر الله " وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ".
 لكن الذين لا يؤمنون
 " إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ - أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ  ".
ثم تأتي الآية العجيبة العظيمة التي تسلِّي النبي صلى الله عليه وسلم وتذكره بنعمة الله الخالصة الخاصة له " وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ ". يكفي يكفيك يامحمد - صلى الله عليه وسلم - أنَّك تلقَّى القرآن من لدن حكيم عليم ، مهما كان حال هؤلاء المشركين وجحودهم وإعراضهم وغير ذلك يكفيك هذه النعمة استحضرها ، فإنت على أعظم نعمة منحها الله للعبد ، وإنك لتلقَّى القرآن من لدن حكيم عليم.
إذاً السورة هنا جاءت لتذكير النبي صلى الله عليه وسلم بنعمة القرآن. 
ولذلك تكرر لفظ القرآن فيها " تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ " ، " وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ " ، " إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي "
يقصُّ على بني إسرائيل " وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ " ، يعني فيها الحقيقة بالتذكير في النعمة الخاصة للنبي صلى الله عليه وسلم لتسلية له ، وتقوية له ، وإكراما له.
لكن السؤال جاءت قصة موسى في تقريبا أقل من وجه ؛ ثم جاءت قصة سليمان في وجهين أو ثلاثة ؛ ما المناسبة ؟ 
المناسبة أنَّ الله عزوجل يُذَكِر نبيه صلى الله عليه وسلم بحال الأنبياء قبل الذين خصَّهم الله بنعمةٍ عظيمة وكيف كانوا فيها.
كل نبي منح نعمة خاصَّة ؛ بل ربما لم يُعطى غيره فيها .
مثلاً : النبي صلى الله عليه وسلم أعطي خير أمة ، وأُعطي خير كتاب ، وكان خير الأنبياء ؛ هذه خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم ، ثم يخصُّه الله يوم القيامة بالمقام المحمود ، لكن هنا في قصة موسى " إِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُم بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ " . الشاهد من قصة موسى هي قوله تعالى الآية العظيمة التي تبين لنا مكانت موسى عليه السلام ؛ قال : " يَا مُوسَىٰ إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ " . يعني يكفيك ياموسى أني أنا أُكلمك ياموسى إنه أنا الله - إنه أنا الله - هذه الكلمة ؛ إنه أنا الله . هذه من أعظم الكلمات في القرآن ، تصور حال موسى - عليه السلام - هذا البشر يقول له ربُّ العالمين ربُّ السماوات والأراضين - إنَّه أنا الله - أُكلمك مباشرة ، وهذا الذي فُضِّلَ به موسى - عليه السلام - على الأنبياء جميعاً في أنَّ الله تعالى كلَّمهُ مباشرة في أولِ تكليفه بالرسالة ، نبينا صلى الله عليه وسلم كلمه الله ، لكنه لم يكلمه في بداية الوحي وإنما لمَّا عُرجَ به إلى السماء عند سدرة المنتهى كلمه الله ؛ لكن موسى - عليه السلام - كلَّمه الله تعالى أول وحيه ، وكلَّم الله موسى تكليما ، ولذلك يسمى كليم الله، فلذلك النعمة الخاصة هنا لموسى -عليه السلام- هي تكليم الله لكنَّ النبي صلى الله عليه وسلم فُضِّل عليه لأنَّه كلَّمهُ وأعطاه نعمة القرآن التي هي أعظم نعمة ، وأعظم كتاب ، وأعظم هداية ، منه سبحانه وتعالى .
ثم تأتي قصة سليمان -عليه السلام - لاحظ أولها " وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا ۖ وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ ". إذاً هي تذكير بالنِّعم وهنا تذكير كأن الله سبحانه وتعالى يقول : قُل الحمدلله ، ولذلك ختمت السورة بقوله : " وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا " . وأيضا قول الله تعالى بعد ذلك بآيات : "قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَىٰ ۗ ".
إذاً هي مقابلة النِّعمة مع الخاصة للحمد الخالص لله عزَّوجل.
من أُعطي نعمة خالصة خاصَّة واستشعرها استشعارا صادقاً بحمد الله وشكره، فإنه والله في عبادةٍ خاصَّة خالصة واصطفاءٍ من ربه عزَّوجل عظيم.
وهذه النِّعمة التي هي من أعظم النِّعم قربتاً إلى الله تعالى، استشعار نعمته سبحانه وتعالى.
ولو أنَّك جلست بين يدي ربِّك في بيته متكئً على أريكتك ولم تفتح فمك ولا مصحفك وإنَّما فقط تستشعرُ نعمة الله الخالصة الخاصة لك .
 أنت مهدي أنت مؤمن أنت صالح من بيئة مسلمة تعلمت العلم الشرعي، زادك الله توفيقا محبة أُستشعر كل النعم التي خصها لك الله ، هذه النعم كلها حقيقة قد لا تحصل لكثير من الناس.
خلاصة سورة النَّمل هذه ، سليمان - عليه السلام - نرجع إلى قصته أتدرون ماهي قصته التي استشعر فيها النِّعمة ، هذه النِّعمة الخالصة لسليمان -عليه السلام- منطق الطَّير ، لماذا سميت سورة النَّمل ؟
لأن سليمان -عليه السلام - استشعر فيها النعمة الخاصة له ، وهي منطق النَّمل ." حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ " نطقت " ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ ". تأملوا سليمان -عليه السلام - تبسم ضاحكا من قولها ، هو الآن استشعر نعمة الله الخالصة الخاصة له ، مع أنه بين يديه الجنود والطيور والهدهد وغير ذلك ، لكن سبحان الله الإنسان أحيانا تمر عليه مواقف يستشعر فيها النعمة الخالصة الخاصة لله عزَّوجل ، مع أنه يعيش في نِعم لكن تأتي بعض المواقف التي فعلا تدمع عينه حمداً لله على هذه النِّعمة وعلى ماهو عليه من نِعَمْ فيستشعر كل النِّعم التي هو فيها يقف بين يديه ربِّه متأملاً حامداً.
هنا سليمان -عليه السلام - استشعر بمنطق النَّمل نعمة الله عزَّ وجل عليه وجلس مبتسماً ، هل مرةً من المرات ابتسمت تذكرت نِعم الله عزَّوجل وأنت تبتسم فرحاً بنعمة الله واستشعاراً لفضله وتحميداً له سبحانه وتعالى ؟!
هكذا كان سليمان -عليه السلام - فتبسم ضاحكاً من قولها ، وقال :" رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ ". الله ...
 هنا أيها الإخوة الإنسان إذا استشعر نعمة الله الخالصة ينبغي أن يقول : ربِّ أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي .
كل ماتجددت لك نعمة خصوصا النعم الخاصة أرى أن من السُّنة وأرى من هدي الأنبياء الذي بهداهم اقتد أن تقول : رب أوزعني أن أشكر نعمتك. أو كما قال الله تعالى لنبيه أن الحمد لله.
هذا من أعظم مايكون حال العبد في العبودية ، إي وربي إنه لأعظم من قيام طويل بالليل وصيام طويل بالنهار ، لأنك بحالة خاصة من الاستشعار والعبودية لله سبحانه وتعالى،  عبودية القلب ، عبودية الرضا ، عبودية الشكر ، عبودية الحمد لله تعالى ، ولاشك أنَّ الحمد يعني محمد صلى الله عليه وسلم المحمود في اسمه المحمود في مقامه في الدنيا والآخرة،  ومقام الحمد عظيم ، ولهذا قال النبي صلى الله عليه : الحمدلله تملأُ الميزان .
" تملأ الميزان " لاحظ ماهي بكثير صلاة وصيام ، استشعار نعمة وحمد لله سبحانه وتعالى،  وأن أعمل صالحا ترضاه ؛ يعني ليست المسألة فقط حمد واستشعار لا لا بُدَّ أن يُتبِعَ ذلك بمزيد من الحمد ؛  " إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ () فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ".
إذاً إذا ظهر لك من آثار نعمة الله عزَّ وجل عليك استشعارك ثم عملك الصالح ، فذلك حقَّا من الصِّفات العبودية الصادقة .
 ثم تأملوا أيها الإخوة بعد ذلك في ختام السورة  أنتقل إلى أنه قال :
"إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَٰذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ ۖ ". محمد صلى الله عليه وسلم يعيش في مكَّة يعيش في بلد الله الحرام ، هذه الكعبة المحرَّمة التي ينبغي ويجب أن يُتقرب إلى الله ، فإذا بهؤلاء المشركين يقيمون فيها الشرك وعبادة الأصنام ، ماهو دوره ؟ يعني وكان يقول هذه البلاد ماوضعت إلا للتوحيد فكيف تقيمون الشرك ، فهو يقول : " إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَٰذِهِ الْبَلْدَةِ ".
كأنه يقول أنا مقيم بهذه البلدة على التَّوحيد مهما كان الأمر ، ومهما تغيرت الأوضاع ، ومهما تغيرت الأحوال ، ومهما غيرتم وبدلتم ، فإنِّي مقيم على التوحيد مقيم لأمر الله عزَّ وجل ولو كنت وحدي . ولهذا قال : " وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ".

رابط المحاضرة:
https://t.co/i27m5ZeLRM




التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل