مقالات - إن مع العسر يسرا - د. محمد بن عبد العزيز الخضيري فرج الله عنه

مقالات - إن مع العسر يسرا - د. محمد بن عبد العزيز الخضيري فرج الله عنه

مقالات 

إن مع العسر يسرا 

د. محمد بن عبد العزيز الخضيري فرج الله عنه

مقال 13 (إن مع العسر يسراً )

كان أحد التجار من خرسان يحج كل عام، ويحمل معه تجارة يبيعها في بغداد في طريقه للحج، وذات مرة تعرف على تاجر من أهل بغداد لديه حانوت صغير وتجارة يسيرة، فاتفقا على أن يقوم البغدادي بتسويق بضاعة الخرساني،فأثرى البغدادي واتسعت أمواله، إلا أن الخرساني انقطع فجأة دون أن يعلم البغدادي سبب ذلك، وقلت أموال البغدادي وكثرت ديونه واضطر لإغلاق حانوته، واشتدت أزمته وضاقت عليه الأرض بمارحبت، وكان كلما جاء وقت الحج أخذ يراقب حجاج خراسان لعله يجد صاحبه معهم، ولكن دون جدوى.

وبعد ثلاث سنوات خرج يترقب ويبحث فلما لم يجد ذهب إلى نهر دجلة ليتبرد ويتفكر ويتدبر أمره، وبينما هو يخوض في الماء علق برجله (سير) مثل الحبل فتعجب منه ثم دعته نفسه أن يسحبه من الماء فإذا معلق به (هميان) وهو الكمر الذي توضع فيه النقود ويشد على وسط الإنسان ويلبسه المحرمون كثيراً ، ففرح به، فلما فتح الهميان وجده ملآن من الدنانير الذهبية، فأخذه وأسرع إلى بيته، وعد الدنانير فإذا هي ألف دينار ذهباً، فعاهد ربه أن يتوسع بها وتكون ديناً في ذمته لصاحبها إن وجده، وسدد ديونه وفتح دكانه وعاد لتجارته، وصلحت أحواله وبقي على ذلك بضع سنين.

وذات يوم كان في دكانه فمر به رجل عليه ثياب بالية يشبه الفقراء الذين يأتون من خرسان، فوقف عند الدكان فهمّ البغدادي أن يعطيه صدقة، ولكن الخرساني انصرف ولم يقبل، فلحقه البغدادي وسلم عليه ليسأله عن حاجته وسبب وقوفه على باب الحانوت، فلما تأمله وإذ به صاحبه التاجر الخرساني، ولكنه قد تغير وساءت أحواله، فسأل البغدادي أن ينزل عنده فاستجاب وذهبا لبيت البغدادي، وبعد أن اغتسل من وعثاء السفر ولبس الثياب التي قدمها له صديقه واستراح قص على البغدادي قصته، وقال له: إن أول سنة غبت عنك حملت متاعي وتجارتي قادماً عليك، وكان أمير خراسان يعرفني فناداني وأعطاني ياقوتة باهظة الثمن، وقال لي: لعلك تبيعها في بغداد فإنه لايستطيع أحد شراءها غير الأمراء والخلفاء، فأخذت الياقوتة وجعلتها مع الدنانير في الهيمان، ولما وصلت بغداد نزلت في نهر دجلة لأتبرد قبيل المغرب ووضعت هيماني على حافة النهر، ولما حل الليل خرجت من النهر ولبست ثيابي ونسيت همياني فلم أتفطن له حتى وصلت منزلي ببغداد فاكتشفت أني نسيت الهيمان عند النهر فارتعت لذلك ورجعت أبحث عنه فلم أجده، وكأن الأرض ابتلعته، فلما يئست منه استرجعت، وقدرت قيمة الياقوتة بثلاثة آلاف دينار فقلت أغرمها للأمير وأنا قادر على ذلك، وقررت أن اقطع سفري ولا أحج وأعجل الرجوع إلى بلدي لضياع نفقتي، ولما رجعت أخبرت الأمير بالذي حصل لي وقلت له: إني أتحمل ثمن هذه الياقوتة وأعطيته ثلاثة آلاف دينار، فلم يصدقني واتهمني بأني خدعته، وقال إن قيمتها خمسون ألف دينار، ثم أمر بحبسي وتعذيبي لأعترف بالحقيقة، وحلفت له ولكنه لم يصدق، وأخذ أموالي ومزارعي وبقيت في الحبس سبع سنين، حتى اجتمع ناس من الأعيان ودخلوا على الأمير وشفعوا لي عنده، وأخبروه بحالي وأمانتي وصدقي، فقبل شفاعتهم واطلقني، وهاأنا جئت اليوم لك لعلك تجد سبباً أتجر به أو مالاً لأعود إلى تجارتي وأسدد ديوني.

فقلت له: كم كان في الهيمان من الدنانير، فقال : ألف دينار، فقلت قد رده الله عليك الدنانير وقصصت عليه القصة، وأخبرته بالأمر ثم أتيت بالدنانير ووضعتها بين يديه، فصرخ فرحاً، وقال: وهل الهيمان عندك؟ قلت : نعم، هو عندي بحاله لم يمسه سوء، فأغمي عليه ساعة ثم أفاق وقال: إن الياقوتة في جوف الهيمان، فأتيته بالهيمان ففرح وحمد الله، ولما فتحنا الهيمان وجدنا الياقوتة فيه، وإذا بها تخلب الأبصار بحسنها، فقال : الدنانير لك لاحاجة لي بها وسآخذ الياقوتة وأعود بها إلى الأمير، فأبيت عليه وقلت أنت أحوج إلى الدنانير من فأبى أن يقبلها، ثم اتفقا أن يأخذ من الدنانير مايكفيه للرجوع إلى أهله.

ولما عاد الخرساني ذهب للأمير وأطلعه على حقيقة الأمر وأعطاه الياقوتة، وفرح الأمير واعتذر إليه عما صنعه به من السجن والعذاب، ثم رد عليه أمواله ومزارعه وزاده من عنده ماشاء الله.

 وبهذا تعلم أن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسراً.

 

والله الموفق.

كتبه : د.محمد بن عبدالعزيز الخضيري



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل