مقالات - قصة الخيّاط الآمر بالمعروف - د. محمد بن عبد العزيز الخضيري فرج الله عنه

مقالات

د. محمد بن عبد العزيز الخضيري فرج الله عنه

مقال 7 ( قصة الخياط الآمر بالمعروف)

كان لأحد المسلمين في العصر العباسي دين على أحد كبار رجالات الدولة، فماطله في السداد ، وطرده ، ولم يقبل في رد الحق شفاعة بعض الوزراء ، وتحير صاحب الدين في أمره، وذهاب ماله عند هذا الوجيه، فحكى القصة لابن عم له ، فقال له ابن عمه: خلاصك عندي ، نذهب الآن إلى فلان الخياط وهو يرد حقك ، فتعجب الرجل، ولما وصلا إليه رأى صاحب الدين ذلك الخياط بثياب بالية، وحال وضيعة، فقال لابن عمه: ياهذا مايصنع بنا هذا الرجل، وكيف يرد حقي الذي لم ينفعني في رده كبار الوزراء، اعذرني فأنا لا أريد شفاعة خياطك هذا، فترجاه ابن عمه ، وقال له : لن ترى بإذن الله إلا خيراً ، فدخلا على الخياط ، وقصا عليه الحال، فقام من فوره معهما، وتوجها إلى قصر ذلك الوجيه، فلما رأى الحراس الخياط هشوا له وبشوا، ورجعوا به وأدخلوه ومن معه، وقالوا له: إن سيدنا يأتي بعد قليل، ولا علم له بمجيئك، ولو علم لجاءك مكانك فالحق لك، وقدموا لهم طعاماً وشراباً واحتفوا بهم غاية الحفاوة، وتعجب صاحب الدين مما رآه من حفاوة الحراس بهذا الخياط البسيط، وكيف أنهم ردوه مراراً وكادوا يبطشون به عندما جاء إليهم مطالباً بحقه.

ماهي إلا لحظات إلا والوجيه يأتي مسرعاً، معتذراً من تأخره عن الخياط مبدياً أسفه على أنه أحوج الخياط إلى المجيء.

ثم قال له: ماحاجتك؟ قال الخياط مبادراً : ترد حق هذا الرجل وأشار إليه، فقال الوجيه: سمعاً وطاعةً لكن وفاء الدين ليس حاضراً كله عندي، فسأعطيه نصفه الآن وأعطيه رهناً بالباقي إلى أن يتيسر لي، ولعلك تشفع لي عنده أن يقبل ذلك مني، فالتفت الخياط إلى صاحب الدين وقال له: هل رضيت ؟ قال : نعم، فسلمه المال والرهن وانصرفوا.

وعندما وصلوا إلى دكان الخياط قال صاحب الدين للخياط: ياهذا والله إن حقك واجب علي، ومكافأتك فرض على مثلي، وأرجو أن تقبل مني هذا المال طيبة به نفسي وأعطاه نصف مامعه، فقال الخياط البسيط: إني لا آخذ على شفاعتي أجراً، وإنما أطلب الأجر من الله تعالى، وماعندي من الدنيا يكفيني وزيادة، فقال صاحب الدين: جزاك الله عني خيراً وتقبل الله منك سعيك، ولكن أخبرني كيف استجاب لك هذا الرجل الوجيه وذل لك ولم يقبل شفاعة أناسٍ قبلك من الوزراء والكبار، فقال الخياط: دع هذا الأمر وانصرف فقد قضيت حاجتك، فأصّر صاحب الدين على معرفة السبب، فأجابه الخياط قائلاً : إن لهذا الأمر قصةً عجيبة، فاجلسا حتى أحدثكما، فجلسا وقال الخياط: إني رجل أعلم الصبيان القرآن وأصلي بالناس وأتكسب من الخياطة ، ليس لي قوت إلا منها، وقد مر بنا في هذا الشارع ذات يوم امرأة جميلة فرآها أحد القواد الكبار في الدولة من جيراننا فأمسك بها يريدها عن نفسها، وصاحت مستغيثة بالناس، تقول لهم: إن زوجي قد حلف ليطلقني لو تأخرت عن بيتي وأولادي فأنقذوني من هذا الرجل الذي يريد بي سوءاً وسيخرب بيتي، فسمعتها فثرت لها، وقمت من فوري لأغيثها ومعي بعض الجيران، فردنا القائد ومعه غلمانه شرَّ رد وطردنا شرَّ طردة، ثم حضرت الصلاة، فصلينا العشاء ثم هيجت الناس على إنقاذ المرأة فثار الناس معي ووقفنا عن باب ذلك القائد المعتدي فخرج علينا ومعه غلمانه وهجموا علينا وفرقونا وضربوني ضرباً مبرحاً حتى جرحوني وسالت مني الدماء، وتألمت كثيراً ورجعت إلى بيتي منكسراً ، خائفاً على المرأة من خراب بيتها، فلملمت جراحي وسكن أهلي وجهي وأوقفوا الدم وبقيت مفكراً في أمر المرأة، فلما انتصف الليل هدتني الحيلة إلى أن أقوم بالآذان لعل هذا الظالم يظن أن الفجر قد طلع فيسرح المرأة فتصل إلى بيتها قبل أن يقع عليها الطلاق، فصعدت المنارة وأذنت وانتظرت خروج الفاجر فلم يخرج، ولم يرعني إلا وخيل قد أقبلت نحو المسجد يقولون: من الذي أذن في هذه الساعة من الليل، فقلت : أنا، ورجوت أن يساعدوني لإنقاذ المرأة، فقالوا: أجب أمير المؤمنين، فأركبوني وحملوني إلى قصر الخلافة وأدخلوني على الخليفة فارتعت واضطربت وخفت، فلما رآني كذلك هدأ من روعي، وقال لي: أنت الذي أذنت الساعة، قلت: نعم، قال: ماحملك على ذلك، ألا تدري تغرر بالصائمين والمصلين؟ فأخبرت الخليفة بالقصة كاملة، فغضب وقال لقائد الشرطة: عليَّ بالرجل الآن، وماهي إلا لحظات حتى جيئ به مقيداً، فسأله الخليفة عن الأمر فلم يُحِر جواباً، فقال له: كم عطاؤك ؟ كم راتبك ؟ ماذا عندك من الجواري؟ فأجابه على ذلك، فقال الخليفة: كلّ هذا عندك وتركته وعمدت إلى حرمات الله فانتهكتها، وآذيت وظلمت هؤلاء الذين أمروك بالمعروف ونهوك عن المنكر، ثم أمر بقتله ، فقتله وأنا أنظر بين يديه ، ثم قال لقائد الشرطة: احمل المرأة إلى زوجها عاجلاً قبل أن يقع عليها الطلاق، واعتذر لزوجها عن تأخرها.

ثم التفت إلى وقال: متى رأيت منكراً ياهذا فبادر إلى الآذان أي ساعة من ليل أو نهار، قال الخياط: فتسامع الوزراء والقواد ورجالات الدولة بهذا فصاروا يهابونني ويخافون من أذاني.

كتبه : د.محمد بن عبدالعزيز الخضيري

(@malkhaderi)



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل