من روائع القرآن الكريم - بعض مواطن تقديم الجن على الإنس في التنزيل - د. صالح بن عبد الله التركي

من لطائف القرآن الكريم 4

بعض مواطن تقديم الجن على الإنس في التنزيل

د. صالح بن عبدالله التركي

تفريغ الأخ الفاضل سليمان الغليقة جزاه الله خيرا

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

قدَّم الله-تَبَارَكَ وَتَعَالَى- في التنزيل الجِنَّ على الإنس وقدَّم الله عزَّ وجل الإنس على الجِنِّ أَيْضًا؛ فمن تقديم الجن على الإنس في القُرْآن الكريم لما كان الحديث عن خلقهما يقول الله عزَّ وجل: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)[الذاريات: 56].

فقدَّم الجن هنا لأنهم خُلقوا قبل الإنس كما قال الله عزَّ وجل: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (26) وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ)[الحجر: 26، 27].

وقدَّم الله-تَبَارَكَ وَتَعَالَى- الجن على الإنس في التنزيل لما كان الحديث عن دخول النار؛ ومعلومٌ أن أول الداخلين للنار هم الجن، يقول الله عزَّ وجل: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا)[الأعراف: 179]؛ فقدَّم الله عزَّ وجل الجن لأنهم هم أول الداخلين النار كما قال الله عزَّ وجل: (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ)[السجدة: 13]، وآياتٌ أُخر.

وقدَّم الله عزَّ وجل الجن على الإنس لما كان الحديث عن اختراق السموات والأرض، كما قال الله عزَّ وجل في الرحمن: (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ)[الرحمن: 33]، ولا جرم أن الجن هم أكثر استطاعةً من الإنس في هذا الأمر، فقدَّمهم الله-تَبَارَكَ وَتَعَالَى- عنايةً بهم واحتفالًا لهم في السياق.

وقدَّم الله عزَّ وجل الجن أَيْضًا لما كان الحديث عن الضلال والغِواية والإضلال، كما قال الله عزَّ وجل في فصلت: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ)[فصلت: 29].

ومعلومٌ أن الشيطان نفسه أخذ على نفسه عهدًا أن يضل بني آدم كما قال الله عزَّ وجل عنه: (وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ)[النساء: 119].

وقال الله عزَّ وجل عنه: (مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (4) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ)[الناس: 4-5].

وقال الله عزَّ وجل عنه كذلك: (فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ)[طه: 120].

إِذًا مسألة تقديم الجن على الإنس والإنس على الجن فنٌ قرآنيٌ فريد اعتنى به كتاب الله عزَّ وجل فيقدم الكلمة إذا كان لها الأهمية في السياق ولها العناية في السياق والتركيز، وهذا شأنه شأن اللغة العربية.

أسأل الله تعالى بمنه وكرمه أن ينفعنا بما سمعنا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل