من روائع القرآن الكريم - (خلائف) - (خلفاء) - د. صالح بن عبد الله التركي

من روائع القرآن الكريم - (خلائف) - (خلفاء) - د. صالح بن عبد الله التركي

من لطائف القرآن

د. صالح التركي

(خلائف) – (خلفاء)

تفريغ سمر الأرناؤوط

يقول الله تبارك وتعالى في سورة الأعراف (وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ) [الأعراف: 69] وقال الله عز وجلّ في يونس (فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ) [يونس: 73] فقال الله عز وجلّ في الاية الأولى خلفاء وقال في الآية الثانية خلائف وكلتا الكلمتين ترجعان إلى أصل واحد وهو خليفة فما الفرق في التعبير القرآني بين هاتين الكلمتين؟

بالنظر والتأمل والتدبر في كتاب الله عز وجلّ نجد أن الخلفاء هم القوم الذين خلفوا أناسا صالحين مؤمنين مهتدين وأُمروا باتباع سنتهم وطريقتهم ومنهجهم كما قال الله عز وجلّ على لسان هود يذكّر قومه ويأمرهم (وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ) فعادٌ عقب الطائفة المؤمنة الناجية من الطوفان والغرق مع نوح في السفينة فلما جاؤوا بعد هذه الطائفة المؤمنة ذكّرهم هود عليه السلام وأمرهم باتباع سنة وطريقة هذه الطائفة المؤمنة من قوم نوح وقال لهم (وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ).

وصالح عليه السلام يقول لقومه ويذكّرهم (وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آَلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ﴿٧٤﴾ الأعراف) ومعلوم أن الله تبارك وتعالى أهلك المجرمين من عاد بالصيحة ونجا هود عليه السلام ومن معه من المؤمنين ثم جاء بعد تلك الطائفة المؤمنة ثمود فصالح عليه السلام يذكّر قومه بالطائفة الناجية المهتدية المؤمنة من قوم عاد ويقول لهم (وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ)

إذن الخلفاء هم القوم الذين أُمروا باتباع سنة من قبلهم وهم الذين خلفوا أناسًا صالحين مهتدين مؤمنين لذلك نسمي أبا بكر وعمر وعثمان وعلي نسميهم خلفاء لأنهم خلفوا النبي صلى الله عليه وسلم واقتدوا سنته وأثره وطريقته.

وأما الخلائف فهم القوم الذين خلفوا أناسًا فاسدين مجرمين كافرين وأُمروا بمخالفة سنتهم وطريقتهم وشرعهم وملّتهم كما قال الله تبارك وتعالى للناجين من قوم نوح بعد أن أهلك الله عز وجلّ وأهلك الله تبارك وتعالى الظالمين من قوم نوح قال الله عز وجلّ للطائفة المؤمنة (فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ) لم يقل الله عز وجلّ: خلفاء لأن هؤلاء خالفوا من قبلهم من الظالمين والمجرمين لذين هلكوا في الطوفان.

ويقول الله عز وجلّ في يونس أيضا (ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِن بَعْدِهِمْ لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (14) يونس) لم يقل جعلناكم خلفاء لأن هؤلاء الخلائف جاؤوا بعد المجرمين كما قال الله عز وجلّ (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ ﴿١٣﴾ ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ﴿١٤﴾ يونس) أي لتخالفوا سنتهم وكفرهم وطريقتهم ومنهجهم وما كانوا عليه من ظلم وشرك وعدوان.

أما خلفاء فقد جاءت في القرآن الكريم ثلاث مرات

خلفاء

(أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ ۚ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً ۖ فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (69) الأعراف)

(وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا ۖ فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (74) الأعراف)

(أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ ۚ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ (62) النمل)

وأما خلائف فقد جاءت في القرآن أربع مرات

خلائف

(وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ۗ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ (165) الأنعام)

(ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِن بَعْدِهِمْ لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (14) يونس)

(فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ۖ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنذَرِينَ (73) يونس)

(هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ ۚ فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ ۖ وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا ۖ وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا (39) فاطر)

وصفوة هذه الوقفة أن خلفاء هم القوم الذين عقبوا أناسًا صالحين مهتدين وأُمروا باتباع سنتهم وطريقتهم ومنهجهم أما الخلائف فهم القوم الذين عقبوا أناسا كافرين فاسدين مجرمين وأُمروا بمخالفة طريقتهم وبمخالفة سنتهم وشرعهم وبهذا يتبين أنه لا مكان للترادف في كتاب الله تبارك وتعالى فكل كلمة لها سياق وكل كلمة لها تعبير في نظم القرآن الكريم والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

https://t.co/lyqsUuXDt6



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل