من روائع القرآن الكريم - الدلالة البيانية للفظي "الوالدان" و "الأبوان" في تعبير القرآن الكريم - د. صالح بن عبد الله التركي

من روائع القرآن الكريم - الدلالة البيانية للفظي "الوالدان" و "الأبوان" في تعبير القرآن الكريم - د. صالح بن عبد الله التركي

من لطائف القرآن

د. صالح التركي

الدلالة البيانية للفظي "الوالدان" و "الأبوان" في تعبير القرآن الكريم

تفريغ سمر الأرناؤوط

يقول الله جل شأنه في سورة الأحقاف (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا) [الأحقاف: 15] ويقول سبحانه وتعالى في سورة يوسف (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ) [يوسف: 100] فجاء لفظ الوالدين في الآية الأولى ولفظ الأبوين في الآية الثانية والوالدان والأبوان لفظان لمسمى واحد هما الأب والأم كلاهما جاء على جهة التغليب ومن باب التغليب في اللغو العربية فما الدلالة البيانية في التعبير القرآني بهذين اللفظين؟

إذا أجرينا لمحة سريعة على القرآن الكريم وألقينا نظرة فاحصة في تعبير القرآن الكريم وجدنا أن الله تبارك وتعالى يوظّف لفظ الوالدين في باب الإحسان والبر والشفقة والدعاء والرحمة كما قال الله عز وجلّ (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) [النساء: 36] وقال (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا) [العنكبوت: 8] (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا) [الأحقاف: 15]  فكل هذه الآيات وغيرها من كتاب الله عز وجلّ يأتي فيها لفظ الوالدين في باب الإحسان والبر والصلة والدعاء ذلك أن الأم أكثر حقًا من الأب على الأبناء بالدعاء والبر والإحسان كما سأل الصحابي النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: "من أحقُّ الناس بحسن صحبتي؟ قال أمك، قال: ثم من؟ قال أمك، قال ثم من؟ قال أمك، قال ثم من؟ قال أبوك" فالأم أكثر حقا من الأب على الأبناء في البر والإحسان والشفقة. وقد أخذ العلماء في دعاء إبراهيم عليه السلام (رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (41) إبراهيم) أخذوا من هذه الآية أن أم إبراهيم كانت مؤمنة بدلالة لفظ (ولوالديّ) في الآية، أما أبوه فبنصّ القرآن الكريم هو مشرك.

وأما لفظ الأبوين فإن هذا اللفظ يأتي في سياق القرآن الكريم في ثلاثة مواطن:

أولها في سياق الإرث والميراث ومعلوم أن الأب أكثر حقا في الميراث من الأم كما قال الله عز وجلّ (وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ) [النساء: 11] وكما قال تعالى (وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ) [النساء: 11] ففي سياق الميراث يوظف القرآن الكريم لفظ الأبوين.

ثاني هذه المواطن في سياق الفخر ومعلوم أن العرب كانت تفتخر بآبائها ومن هذا المعنى قول الله عز وجلّ (فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا) [البقرة: 200] كانت العرب في الجاهلية إذا نزلت مزدلفة تفتخر بآبائها فقال الله عز وجلّ آمرا عباده في الحج (فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ) اذكروا الله العظيم كذكركم أباءكم أو أشد ذكرا.

ومن هذا أيضًا قول الله عز وجلّ (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ) [يوسف: 100] وهذا مقام فخر. وكان الفرزدق يفتخر على جرير بأبويه فيقول:

أولئك آبائي فجئني بمثلهم   إذا جمعتنا يا جرير المجامع

فَيا عَجَبي حَتّى كُلَيْبٌ تَسُبّني           كأنّ أباها نَهْشَلٌ أوْ مُجَاشَعُ

وثالث هذه المواطن في سياق النسب فالإنسان ينتسب لأبيه وقد أمر الله عز وجلّ بذلك فقال (ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ) [الأحزاب: 5] وقوله تعالى في سورة الكهف (وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ) [الكهف: 80]

ختامًا لهذه الوقفة يتبين لنا أن التعبير القرآني يجاوز بين الألفاظ ولا تترادف مثل هذه الألفاظ في سياق القرآن الكريم فهذه الألفاظ ظاهرها الترادف وباطنها الاختلاف وهذا من بديع التعبير القرآني والدلالة البيانية للفظ الوالدين والأبوين والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

 

https://t.co/K0eHwSIbpJ



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل