مثال على الإعجاز البياني في ضوء اختلاف القرآءات - سورة المسد - سعيد بن إبراهيم بن"محمد سعيد" النمارنة

مثال على الإعجاز البياني في ضوء اختلاف القرآءات - سورة المسد - سعيد بن إبراهيم بن"محمد سعيد" النمارنة

مثالٌ على الإعجاز البياني في ضوء اختلاف القراءات - سورة المسد

سعيد بن إبراهيم بن"محمد سعيد" النمارنة

الحمد لله رب العالمين حمد الشاكرين نحمده على عظيم نعمائه، وجميل بلائه، ونرغب إليه في التوفيق والعصمة، ونبرأ إليه من الحول والقوة، ونسأله يقيناً يملأ الصدر، ويعمر القلب، ويستولي على النفس، والصلاة على خير خلقه، والمصطفى من بريته محمد النبي المختار، وعلى أصحابه الأطهار، وآله الأخيار إلى يوم القرار، وبعد:
فإن معرفة القراءات، ودراستها من الأهمية بمكان؛ إذ بها يُعرف المقصود، ويُنال المنشود من المعاني والدرر، والفوائد الزُهر، ومن القواعد المقررة: أن تعدد القراءات بمنزلة تعدد الآيات؛ ولا جرم أن التفحص في القراءات في الحرف القرآني يُثري المعنى، ويزيده بياناً، ويكشف عن الإعجاز البياني؛ فكل قراءة تقرر معنىً دون الأخرى، وبتعاضدهما يخرج المعنى جميلاً متكاملاً، وقد تناولتُ في هذه القصاصة آيةً في جزء عم الذي لطالما نقرؤه دون تدبر وتفكر -إلا من رحم الله- والله المستعان؛ وهذه الآية هي قوله تعالى في سورة المسد: (وامرأته حمالةَ الحطب) "الآية الرابعة" 
إن سورة المسد سورةٌ قليلة الكلمات؛ لكنها عظيمة المعاني، غزيرة المضمون؛ فهي تسلط الضوء عن بعض ما واجهه خيرُ الخلق، وحبيب الحق محمد صلى الله عليه وسلم من النصب والكبد، والتعب والنكد في سبيل دعوته؛ فطريق الدعوة غيرُ مفروش بالورود، وطريق الدعوة صعب وشائك مهما كان السالك!
فسورة المسد تتحدث عن رجل كافر حاقد، لا فيه دين، ولا حمية قرابة -قبحه الله-؛ قد أثار حرباً شعواء على الدعوة لا هوادة فيها، ولا هدنة، وكان جزاؤه أن أُنزلت في حقه سورة تتلى إلى يوم القيامة؛ تبين خزيه، وتكشف عواره، وكفى بذلك خزيا!! 
وتتحدث السورة أيضا عن زوجته شريكته في الكفر برب العالمين، والصد عن الدين؛ وزوجته يقال لها: أم جميل، واسمها أروى بنت حرب بن أمية، وهي أخت أبي سفيان، وقيل: اسمها العوراء، فقيل هو وصف، وأنها كانت عوراء، وقيل: اسمها، وذكر بعضهم: أَنّ اسمها العَوَّاء بهمزة بعد الواو، وهي من سادات نساء قريش، ولكن هيهات أن ينفعها ذلك دون الإيمان والتقوى؛ وقد كانت أشد الناس إيذاءً للرسول صلى الله عليه وسلم؛ فكان جزاؤها هي وزوجها -جراء أفعالهما الشنيعة؛ بالحملة الدائبة الظالمة التي قاما بها- ناراً ذات لهيب شديد، وإحراق أكيد؛ وما أكثر الحملات الظالمة على المسلمين في هذا الزمن العجيب، والعصر الغريب نسأل الله العزة.
وإني ألمح إلماحة لأمر عجيب؛ وهو أن في هذه السورة معجزةً ظاهرة، وآيةً باهرة؛ فالله تعالى يخبر عن مآلهما، ومصيرهما قبل أن يهلكا؛ ومن لازم ذلك أنهما لا يسلمان، وقد وقع ذلك فقد ماتا على الكفر، والتصق العار بهما بآيات تتلى، وتفسر إلى يوم القيامة.
قلت: هذا مثال واضح، ومثل سائح على إعجاز القرآن بإخباره بالمغيبات، وهو وجه من وجوه إعجاز القرآن، لكنه غير مطرد في جميعه بخلاف إعجازه البلاغي والبياني. 
والآن ندلف إلى الآية الكريمة، ونبين مافيها:
قال تعالى: (وامرأته حمالةَ الحطب)
- قد رجعت لأكثر من عشرة تفاسير بفضل الله؛ فوجدت للمفسرين عدة أقوال قي معنى هذه الآية؛ أذكر منها:
1) أنها تحمل الحطب، وتلقيه على زوجها في النار يوم القيامة؛ فانظر -رحمك الله- لما كانت عوناً لزوجها في الدنيا؛ جعلها الله عوناً له في الآخرة تعينه على العذاب؛ فتحمل عليه الحطب؛ لتزيد عليه إيقاد النار المؤلمة المهينة فلأبي لهب وَعيد مقتبس من كنيته، و لامرأته وعيد مقتبس لفظه من فعلها؛ وهو حمل الحطب في الدنيا، فأنذرت بأنّها تحمل الحطب في جهنّم؛ ليوقد به على زوجها، وذلك خزي لها، ولزوجها؛ إذ جعل شدة عذابه على يد أحبّ النّاس إليه، وجعلها سبباً لعذاب أعزّ الناس عليها.
2) أنها كانت تجيء بالشوك؛ فتطرحه في طريق رسول الله؛ ليدخل في قدمه إذا خرج إلى الصلاة، ولتعرقله.
3) أنها كانت تحطب الكلام، وتمشي بالنميمة، وتعير رسولنا بالفقر؛ والعرب تضرب الحطب مثلاً للنميمة.
4) أنها في إيذائها لرسولنا، وكبر جرمها، وعلو إثمها كأنها تجمع على ظهرها من الأوزار بمنزلة من يجمع حطباً؛ وعند قراءتنا للآية يُخيل إلينا أنها ممسكة حطبها بيديها، ومشعلة ناراً لتوقد عليها؛ فتأمل لطف التعبير، ودقة التصوير في كلام اللطيف الخبير!
وقد اختلف القراء في قولة تعالى: (وامرأته حمالةَ الحطب)
فقد قرأ عاصم بالنصب في لفظ (حمالةَ)
وقرأ الباقون بالرفع (حمالةُ)
(السبعة 700، النشر 400/2)
وهنا قد يسأل سائل:
ما توجيه كل قراءة، وكيف يصبح إعراب الآية على كل قراءة، وما المعنى الذي تحتضنه في طياتها كل قراءة
الجواب
أولاً: الإعراب:
- قراءة الرفع:
(وامرأته حمالةُ الحطب) 
وفيها إعرابان:
1) الواو عطف، و(امرأته) معطوف على الضمير المستتر من سيصلى، (حمالةُ) صفة ل امرأته، أو بدل كل منهما، (في جيده) في موضع حال، أو تكون جملة استئنافية مكونة من مبتدأ وخبر.
2) الواو استئنافية، (امرأته مبتدأ)، (حمالة) صفة، (في جيدها) الخبر، أو (حمالةُ) خبر أول، (في جيدها) خبر ثان. 
- قراءة النصب:
(وامرأته حمالةَ الحطب) 
(حمالةَ) تكون منصوبة بالاختصاص على الذم والشتم؛ لاشتهارها بالنميمة، والأذية لنبينا على أحد الأقوال؛ فتكون مفعولاً به لفعل محذوف تقديره: أخص أو أعني، قال سيبويه عن قراءة النصب :
"لم يجعل الحمالة خبراً للمرأة، ولكنه كأنه قال: أذكر حمالة الحطب شتماً لها، وإن كان فعلاً لا يستعمل إظهاره" (الكتاب 70/2)
وقال صاحب كتاب الجمل في النحو :
"والنصب بالذم قولهم: مررت بأخيك الفاجرَ؛ نصبت الفاجر على الذم، وعلى هذا ينصب هذا الحرف في تبت (وامرأته حمالةَ الحطب)، ومثله (مذبذبين بين ذلك)، و (ملعونين أينما ثقفوا) منصوبة على الذم؛ كما ذكر أهل النحو،
وقال عروة بن الورد العبسي: 
سقوني الخمر ثم تكنفوني 
عداةَ لله من كذب وزور
(عداة الله) على الذم
وقال النابغة الذبياني: 
لعمري وما عمري عليّ بهين 
لقد نطقت بُطلا علي الأقارع 
أقارع عوف لا أحاول غيرها 
وجوهَ قرود تبتغي من تجادع
نصب وجوه قرود على الذم" 
ثم ذكر بعض الأمثلة الأخرى. (الجمل في النحو 90/1)
وعلماء العربية يسمون مثل هذا بالقطع أي قطعها عن النعت.
قال ابن هشام في أوضح المسالك : "وحقيقة القطع: أن يجُعْلَ النعتُ خبراً لمبتدأ، أو مفعولاً لفعل؛ فان كان النعتُ المقطوعُ لمجرد مَدْح، أو ذم، أو ترحُّمٍ وَجَبَ حَذْفُ المبتدأ والفعل؛ كقولهم: (الحمدُ للهِ الحميدُ) بالرفع بإضمار (هو)، وقوله تعالى: (وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ اَلْحطَبِ) بالنصب بإضمار (أذُمُّ) " (أوضح المسالك 318/3)
وقد كان الزمخشري -رحمه الله- يحب هذه القراءة؛ حيث قال: "وأنا أستحب هذه القراءة، وقد توسل إلى رسول الله بجميل من أحب شتم أم جميل" (الكشاف 821/4)

ثانياً: المعنى الدلالي لكل قراءة:
في قراءة النصب يوجد إيجاز بالحذف، والتقدير: أخص، أو أعنى حمالةَ؛ ففيها إظهار الذم وإعلاؤه، وإبرازه وانتشاره، وإشارة الأصابع إليها بالقبح، والسخط، والازدراء؛ وإن الفعل المضارع يدل على التجدد والاستمرارية؛ فالذم هنا لها مراد ومقصود، ومُدرك ومعهود، ولاحظ أن (حمالة) جاءت بصيغة المبالغة، وتخصيصها بالذم يدل بدهياً على اتصافها بصفات سوء جراء كفرها، وعنادها، ومعاضدتها لزوجها؛ فلا يُخصص عينٌ بالذم إلا بعد أن تُشم رائحته بالسوء من كل جانب؛ ومجرد اختصاصها بالذم كافٍ؛ فلا يُحتاج إلى مزيد بيان؛ بذكر صفاتها القبيحة، ونعوتها الدنيئة.
والإيجاز بالحذف مسلك بلاغي راقٍ، وأسلوب بياني رائق؛ يقول ابن الشحنة في منظومته في باب الإيجاز والإطناب :
توفِيَةُ المقصودِ بالناقص مِن 
لفظٍ له الإيجازُ والإطناب إن
بزائدٍ عنه وضربُ المثل 
قصرٌ وحذفُ جملةٍ أو جُمَلِ
أو جزءُ جملةٍ وما يَدُلُّ 
عليه أنواعٌ ومنها العقلُ
وجاء للتوشِيعِ بالتفصيل 
ثانٍ وللإعراض والتذييل
(منظومة ابن الشحنة ص 4)
ومن أمثلة الإيجاز بالحذف قوله تعالى: (والصابرين في البأساء والضراء) والتقدير أخص الصابرين. 
وتفيدنا هذه القراءة أيضاً أن امرأة أبي لهب ستصلى النار معه، لأن (امرأته) معطوف على الضمير المستتر في (سيصلى)، والتقدير: سيصلى هو وامرأته ناراً ذات لهب. 
أما على قراءة الرفع: فلفظ (حمالة الحطب) صفة لها؛ فالقراءة كأنها تريد التعريف بها، وبيان نعوتها، وأنها متصفة بصفات سوء تلصق بها مدى الدهور، وتشتهر بها على مر العصور! نسأل الله العصمة.
وقد وازن بعض العلماء بين إفادة الذم في القراءتين، قال مكي بن أبي طالب : "وفي الرفع أيضاً ذم، لكن هو في النصب أبين؛ لأنك إذا نصبت لم تقصد إلى أن تزيدها تعريفاً وبياناً؛ إذ لم تجر الإعراب على مثل إعرابها، إنما قصدت إلى ذمها لا لتخصيصها من غيرها بهذه الصفة التي اختصصتها بها، وعلى هذا المعنى يقع النصب في غير هذا للمدح". (الكشف 390/2)
قلت: وقد ذكر الشيخ المعصراوي نفس هذا الكلام في تحقيقه على البدور للنشار. (البدور الزاهرة 351/4)
وبهذا تتعاضد القراءتان، ويتبين لنا المراد والمقصد من كل قراءة؛ فكل قراءة لها رونق، ومذاق خاص؛ فعلى قراءة الرفع عرضٌ لوصفها الشنيع، وعلى قراءة النصب اختصاص ذم لها فظيع! 
قلت: فانظر رحمك الله إلى براعة القرآن، وبلاغته، ويناعته، وحلاوته، وبهائه، رزقنا الله تدبره، ومعرفة أسراره، ورزقنا العمل به إنه ولي ذلك والقادر عليه.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

وكتبه
أبو قدامة المدني
سعيد بن إبراهيم بن"محمد سعيد" النمارنة



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل