من روائع القرآن الكريم - (فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء) - (وألقينا بينهم العداوة والبغضاء) - د. صالح بن عبد الله التركي

من روائع القرآن الكريم - (فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء) - (وألقينا بينهم العداوة والبغضاء) - د. صالح بن عبد الله التركي

من لطائف القرآن

د. صالح بن عبد الله التركي

(فأغرينا بينهم) - (وألقينا بينهم)

تفريغ سمر الأرناؤوط

يقول الله جل شأنه في سورة المائدة (وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ۚ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (14)) وهذه الآية في شأن النصارى في حين أن الله عز وجلّ قال في شأن اليهود (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ۚ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا ۘ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ ۚ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا ۚ وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ۚ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ ۚ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا ۚ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (64)) وهكذا جعل الله عز وجلّ العداوة والبغضاء بين طوائف النصارى وأحزاب اليهود عذابا عليهم ونكالا إلى يوم القيامة. وهذه العداوة والبغضاء بين النصارى تختلف بحسب اختلاف الدلالة البيانية لقوله تعالى (فأغرينا) (وألقينا) فما هي الدلالة البيانية لهذين اللفظين في كتاب الله عز وجلّ؟

أما الإغراء فهو إلصاق الشيء بالشيء فقولك أغريت أي ألصقت شيئا بشيء فلا انفكاك بين هذين الملصَقين وهذا من الغَراء المعروف وهذه المعاني جاءت عند صاحب فتح القدير للشوكاني رحمه الله وجاءت أيضا عند أهل المعاجم فالإغراء هو إلصاق الشيء بالشيء وهذا يعني أن العداوة والبغضاء مُلصَقة مُغراة بين طوائف النصارى فلا انفصام لها ولا انفكاك فيما بين هذه الطوائف في العداوة والبغضاء. والتاريخ لهذه الطائفة يشهد بهذا كما قال ابن كثير رحمه الله في تفسيره: "وهكذا طوائف النصارى لا يزالون متباغضين يكفّر بعضهم بعضا ويلعن بعضهم بعضا" وهذا من آثار قول الله عز وجلّ في هذه الطائفة (فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ).

ومن آثار هذه العداوة والبغضاء بين طوائف النصارى الاختلاف الواسع الذي نجده في هذه الطائفة فالنصارى مختلفون في ذات الله عز وجلّ في أقوال شتى كما قرره القرآن الكريم والنصارى مختلفون في رسولهم عيسى عليه السلام وفي ميلاده وفي نسبه كما قرره القرآن الكريم، والنصارى مختلفون في كتابهم – كما نعلم – وكما قرره القرآن الكريم وإلى اليوم وهذا من آثار هذه العداوة والبغضاء بين هذه الطوائف وبين النصارى إلى يوم القيامة كما قال الله عز وجلّ.

ومن آثار هذه العداوة والبغضاء أيضًا ما نجده من اختلاف واسع وحروب طاحنة بين طوائف النصارى وأقرب مثال الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية وما خلفته من ضحايا لا حصر لها وهذا من معنى قوله تعالى (فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ).

أما في شأن اليهود فقد قال الله عز وجلّ (وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ) والإلقاء هو الرمي دون اكتراث ودون أهمية وهذا يعني أن الإلقاء أقل حالا من الإلصاق فالإغراء هو إلصاق الشيء بالشيء وأما الإلقاء فهو الرمي دون هواده أو دون اكتراث. وهذا يعني أيضا أن العداوة والبغضاء فيما بين أحزاب اليهود أقل حالا وشأنا وشراسة واختلافا كما هو واقع بين النصارى فلا نجد اختلافا واسعا بين اليهود في نبيهم موسى عليه السلام ولا نجد اختلافا بين اليهود في ذات الله عز وجلّ كما هو في حال النصارى ولا نجد أيضًا اختلافا فيما بين اليهود في كتابهم كما هو اختلاف النصارى في كتابهم فيما يسمى "العهد الجديد".

وأيضًا لا نجد حروبًا طاحنة فيما بين أحزاب اليهود كما وقعت بين طوائف النصارى وهذا من دلالة هذين اللفظين في كتاب الله عز وجلّ وهو قوله (فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ) في شأن النصارى وفي شأن اليهود قال الله عز وجلّ (وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ) وهذا من توجيه هذه الآيات المتناظرة في كتاب الله عز وجلّ جعلنا الله وإياكم متبصرين في كتابه متأملين فيه وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

 

التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل