تدبر آية - (سيجعل الله بعد عسر يسرا) - د. رقية العلواني

تدبر آية - (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آَتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (7) الطلاق)

د. رقية العلواني

تفريغ سمر الأرناؤوط – موقع إسلاميات حصريًا

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والآه. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

سؤال خطر على بالي اليوم وأنا أسمع الكثير من الشكوى من كثير من الناس في زمن – بصدق – اشتد فيه البلاء اشتدت فيه الظروف أصبح حياة الناس فيا الكثير من المرارة من الألم من الأحزان أفراد وجماعات وشعوب نسأل الله أن يرفع عن الجميع البلاء. لكن السؤال الذي يحتاج كل واحد منا أن يوجهه لنفسه وذاته في لحظة صدق ومصارحة مع النفس: تراني أشكو إلى الله أم أشكو من الله؟

الفارق بين الأمرين شاسع، أنت حين تشكو إلى الله وهو العالم بشكواك دون أن تنطق بكلمة مطلع على أحوالك مطلع على دقائق نفسك وأحساسيك ومشاعرك، المرارة، الحزن على ما فات، على ما قد يفوت، الخوف، الألم، مشاعر إنسانية ى نختلف فيها لأننا بشر ولكن نختلف في كيفية التعامل مع تلك الأحاسيس والمشاعر. تلك المشاعر والظروف الصعبة إذا ما قادتك إلى الله سبحانه وتعالى وجعلتك تستكين بين يديه تتضرع بين يديه سبحانه تُظهر الضعف والعجز الذي هو حقيقي في حياتنا وحقيقي في طبائعنا وتتبرأ من كل حول وقوة لك إلى حوله وقوته أنت حينما تفعل ذلك فإنما تترقى في أعلى درجات العبودية له سبحانه وتعالى ولذلك كان ذلك دأب الأنبياء والصالحين. الأنبياء والصالحين الذي كان أحدهم حينما يمر بظرف من مرض أو فقد حبيب أو قريب أو عزيز أو صدّ أو إعراض من البشر من حوله  يبث شكواه وحزنه إلى الله سبحانه وتعالى (إنما أشكو بثي وحزني إلى الله) (إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين) وتخيل كما روى أهل السير موقف النبي الكريم صلى الله عليه وسلم حين عاداه قومه وأقرب الناس إليه حين تخلى عنه القريب والبعيد حين تخلى عنه الأهل والقوم والعشيرة وساموه من أصناف وألوان العذاب النفسي الذي كان يمر به صلى الله عليه وسلم فإذا به يخرج من مكة متألما شاعرًا بأشد أنواع الألم والحيرة والحزن على ما كان يمر به وتمر به دعوته صلهم ثم إذا به وهو يتوجه إلى الطائف متصورا أن الله سبحانه وتعالى في هذه الفترة وفي تلك الأثناء سيفتح له بشيء وهذا هو الإنسان لا ينبغي للإنسان المؤمن أن يفقد في لحظة من اللحظات مهما كان عبادة حسن الظن بربه وخالقه سبحانه وتعالى (سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا) توجه إلى الطائف فإذا به بلاقي من الإصرار على الظلم والاعتداء أكثر مما لاقى من أهل مكة فماذا كان موقفه؟ تضرع إلى خالقه، اتخذ ركنا بعيدا وناجى خالقه سبحانه وتعالى وهو العالم به: "اللّهُمّ إلَيْك أَشْكُو ضَعْفَ قُوّتِي ، وَقِلّةَ حِيلَتِي ، وَهَوَانِي عَلَى النّاسِ، يَا أَرْحَمَ الرّاحِمِينَ ! أَنْتَ رَبّ الْمُسْتَضْعَفِينَ وَأَنْتَ رَبّي ، إلَى مَنْ تَكِلُنِي ؟ إلَى بَعِيدٍ يَتَجَهّمُنِي ؟ أَمْ إلَى عَدُوّ مَلّكْتَهُ أَمْرِي ؟ إنْ لَمْ يَكُنْ بِك عَلَيّ غَضَبٌ فَلَا أُبَالِي ، وَلَكِنّ عَافِيَتَك هِيَ أَوْسَعُ لِي ، أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِك الّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ الظّلُمَاتُ وَصَلُحَ عَلَيْهِ أَمْرُ الدّنْيَا وَالْآخِرَةِ مِنْ أَنْ تُنْزِلَ بِي غَضَبَك ، أَوْ يَحِلّ عَلَيّ سُخْطُكَ، لَك الْعُتْبَى حَتّى تَرْضَى ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوّةَ إلّا بِك"[ابن هشام 1/ 420] ". 

الرضا هو غاية الإنسان المؤمن، الرضا من الله وليس السخط على أقداره وأحكامه وكثير من الأقدار التي نمر بها إنما هي نتاج لأعمال نحن قمنا بها، إنما هي خروق خرقناها بايدينا في سفن مجتمعاتنا وقد تكلمنا سابقا عن الخروق التي يحدثها البشر في سفن المجتمعات المختلفة، أخطاء لم ننتبه إليها، أعمال كنا نحسبها صغيرة وهي كبيرة، كلمات أقوال سلوكيات، الشاهد أن الله سبحانه وتعالى حينما يعلمنا ويبتلينا ويؤدبا بالاختبارات ليس لأجل أن نسخط وليس لأجل أن ترسو بنا الحال في حال السخط والعياذ بالله، السخط والتشكي من أي شيء، التشكي من أقداره إلى الحد الذي يصل بالبعض منا إلى أن يحادد الله سبحانه وتعالى في أقداره وأحكامه ناسيًا أنه في نهاية الأمر عبد في مملكة الله سبحانه وتعالى عبد في ملكوته، فهو رب خالق متصرّف وهو حين يتصرف في مملكته سبحانه لا يخرج ذلك عن عدله ورحمته وحكمته إن ظهرت لنا أو لم تظهر علينا أن نؤمن بها علينا أن نتوجه لله سبحانه وتعالى بالشكوى وطلب التغيير أن نغير ما بأنفسنا لأجل أن يتغير حالنا أما أن نشكو الله هنا وهناك ونتسخّط على أقداره وأحكامه ونتوهم بأنه سبحانه وهو الغني عنا بحاجة إلى عبادتنا أو صلاتنا أو التزامنا فهذا وهمٌ خطير جدا يسوق الإنسان إلى مزيد من الشقاء والعناء والتعب وفي نهاية الأمر لن يكون إلا ما يريده الله سبحانه وتعالى، لن يكون إلا ما يشاء الله سبحانه وتعالى ولن نحصل من ذلك كله إلا على ما قدره لنا عز وجلّ فحري بكل عاقل منا أن ينزع عنه ذلك الرداء، رداء الوهم، رداء السخط ويتوب إلى الله سبحانه وتعالى ويتوجه إليه طالبا المغفرة، طالبا العفو طالبا الصفح متوجها إليه قائلا: "عدلٌ فيّ قضاؤك" يسأله الرحمة، يسأله المغفرة يسأله أن يأخذ بيده إليه سبحانه وتعالى. المحنة إما أن تقودك بعيدًا عن الله أو تقودك إلى الله، إن قادتك إليه فذلك مكسب وإن بدت هي محنة وإن قادتك بعيدا عنه فذلك في واقع الأمر أعظم من تلك المحنة التي مررت بها فأبعدتك عنه أو كانت سببا في إبعادك عنه

عد إلى الله بقلب تائب مستغفر متضرع مدرك متيقن أن الله سبحانه وتعالى أرحم الراحمين وأن رحمته وسعت كل شيء وأن ما نحن فيه من آلآم وأحزان وأمور في كثير من الأحيان قد لا نقدر عن دفعها لا عن أنفسنا ولا عمن نحب إنما هي مقادير بيد الله يصرّفها كيفما يشاء (سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا) فانشغل بما يطلبه الله منك ولا تشغل عقلك بما تطلبه أنت من خالقك فالله يعلم وسيعطيك ولكنه إنما هو الامتحان والابتلاء الذي علينا جميعا أن نفقهه وأن نفهمه وأن نتعلم الدروس منه وأن يعيدنا إلى خالقنا بقلب أكثر إيمانا ويقينا وتيقنا بأن الله سبحانه وتعالى سيجعل بعد عسر يسرا.

 

https://soundcloud.com/aldu3at/f9l0f7edjrhp



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل