من تجليات البيان القرآني - الفرق بين (أحسن الله بي) (أحسن الله إليك)

من تجليات البيان القرآني: الفرق بين ( أحسن الله بك ) و ( أحسن الله إليك)

أ.د أحمد محمود عبد القادر درويش

 المصدر: مجمع اللغة العربية

 يرسل لي بعض الأحبة تعليقا على ما أكتب فيقول : ( أحسنت ) فأرد عليه قائلا : ( أحسن الله بك ) ، فيتساءل :

أهي أحسن الله ( بك) أم ( إليك) ؟

قلت : لا مانع منهما ، ولكن كيف استخدمهما القرآن ؟

* جاءت ( أحسن الله بك ) في قصة سيدنا يوسف عندما قال تعالى :

﴿ وَقَد (أَحسَنَ بي) إِذ أَخرَجَني مِنَ السِّجنِ وَجاءَ بِكُم مِنَ البَدوِ مِن بَعدِ أَن نَزَغَ الشَّيطانُ بَيني وَبَينَ إِخوَتي إِنَّ رَبّي لَطيفٌ لِما يَشاءُ إِنَّهُ هُوَ العَليمُ الحَكيمُ﴾[يوسف: ١٠٠]

فالإحسان (بالباء) يدل على شدة الملازمة والصحبة والالتصاق، أو الإلزاق ( بتعبير سيبويه ت: ١٨٠ ه‍) وكأن الإحسان لم يتركه قِيد أنملة ، صاحبه في حياته كلها منذ رؤيته أحد عشر كوكبا ، وسجود الشمس والقمر له ، وإلقائه في الجب ، وبيعه بثمن بخس ، وعمله في بيت العزيز ، وإنجائه من مكيدة امرأة العزيز ، وحتى في دخوله السجن إلى أن صار هو العزيز وقد جمعه الله بإخوته ، وبأبيه وأمه ، ومن ثم ف ( أحسن بي) تدل على قرب المحسِن ( الله) من المحسن إليه ( يوسف ) ...

؛ لذا جاءت الباء في الإحسان بالوالدين فقال ربنا : " وبالوالدين إحسانا" ؛ إشعارا إلى ضرورة مصاحبة الإحسان الوالدين في كل وقت ، وبخاصة عند بلوغهما الكبر ...

* أما ( أحسن إليك ) فتشعر بتباعد ما بين ( المحسِن) و( المحسن إليه) كما يقول الشيخ رشيد رضا ، لذا استخدمها مع قارون ذلك المنكر نعمة الله ، فقال ﴿وَابتَغِ فيما آتاكَ اللَّهُ الدّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصيبَكَ مِنَ الدُّنيا وَأَحسِن كَما( أَحسَنَ اللَّهُ إِلَيك)َ وَلا تَبغِ الفَسادَ فِي الأَرضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُفسِدينَ﴾[القصص: ٧٧]

ليدل على البعد ما بين الله وبين قارون ، وكأن النعم التي أولاها إياه " كانت من قبيل الاستدراج لا الإكرام " ...

 

فظهر الفرق ما بين التعديتين والعلم عند الله.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل