هدايات سورة الأنعام - 2 - الخاتمة

هدايات سورة الأنعام

د. أحمد ولد محمد ذو النورين

الخاتمة:

تعتبر سورة الأنعام ممثلة بحق للقرآن المكي الذي يعرض العقيدة ناصعة ممارسة ومحاجة، فهي أولى  سورة  في هذا المنهج وأوفاها، حيث بسطت الحُجّة على عظمة الله تعالى وبديع صنعه وكامل قدرته، وأقامت الدليل على وحدانيته عز وجل وألوهيته، فهي من نوادر السور الطويلة التي نزلت جملة واحدة، وقد احتضنت جملة من الرموز والإشارات للدلالة على أن العقيدة محورها الشامل، من ذلك:

- تكرار لفظ الجلالة فيها نصف مرات عدد آياتها، يعني 87 مرة في حين أن عدد آياتها يناهز 165آية.

- تعدد فعل الأمر {قُل} في ثناياها؛ حيث ذكر فيها 44 مرة، فكانت أكثر سورة في القرآن تردد فيها هذا اللفظ {قُل} ، أمرا للرسول صلى الله عليه وسلم وأمته من بعده أن يبلّغوا ما فيها من عقائد وحِكَم وأحكام.

- ورود كلمة "الرب" فيها عدة مرات؛ حيث تكررت فيها أكثر من 50 مرة.

- تكرر مشتقات مادة النظر والإبصار والرؤية فيها مرات عديدة؛ حيث جاءت متكررة في ثناياها أكثر من 44 مرة.

فهذا الكم الهائل من الكلمات المكررة بأعداد تجاوزت العشرات ينبئ عن رمي حثيث إلى إثبات مصطلحات عقدية، وترسيخ مفاهيم إيمانية، وإعداد بيئة منهجية لايكاد قارئ السورة أن ينهيها حتى تترسخ لديه مفاهيم جديدة ويتكون عنده معجم مصطلحات ويتضح له سبيل المحجة، وقد تعززت هذه الجوانب في السورة برديء من القصص التي طفقت السورة تسرد بعضها، كما هو الشأن في محاجة إبراهيم لقومه، وتشير إلى بعضها الآخر إشارات عابرة، متبعة إياه بكوكبة من المرسلين تثمينا للاقتداء والائتساء. وتنويها بعظمة منة الله‏ تعالى بهم لهداية البشرية قبل بعثة خاتمهم‏‏ صلى الله عليه وسلم.

لكن تركيز السورة الأكبر كان على الحياة الدينية في العهد الجاهلي، حيث تعرضت لطرق الجاهليين في التقرب إلى آلهتهم، وما يرافق ذلك من تحريم وتحليل غير خاضع لمنطق عقل ولا دين، كما هو حالهم في البحيرة والسائبة والوصيلة والحام.

كما لم تهمل الجانب التشريعي، حيث ذكرت أعظم جانب منه في الوصايا العشر، كالنهي عن الشرك جملة وتفصيلا والنهي عن عقوق الوالدين‏.‏ وعن‏ قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق‏.‏ وأكل مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده‏. والوفاء بالكيل‏,‏ والميزان بالقسط‏,‏ واجتناب المحرمات‏.‏ ووجوب الصدق في القول‏,‏ والإخلاص في العمل‏,‏ والوفاء بعهود الله‏ تعالى.‏ ولزوم‏ الابتعاد عن الفواحش ما ظهر منها وما بطن‏. ووجوب‏ التزام صراط الله المستقيم، ‏‏وقبل ذلك ذكرت تحريم أكل ما لم يذكر اسم الله عليه‏,‏ وما أهل لغير الله به‏,‏ والميتة‏,‏ والدم المسفوح‏,‏ ولحم الخنزير‏,‏ إلا لمن اضطر غير باغ ولا متجاوز حدود الاضطرار.

‏ كما حثت على إقام الصلاة‏,‏ وإيتاء الزكاة، وأمرت بتقوى الله‏ تعالى‏ في كل الأحوال‏.‏ واختتمت بتعريف موجز يبين طبيعة الحياة الدنيا من النشأة إلى النهاية وما يتخلل ذلك من ابتلاء، تقوم حيثياته على امتحان استخلاف الله تعالى لعباده في أرضه، وتنتهي وقائعه بالمعاد إلى الله جل شأنه {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ}.

*********************

  [1] التحرير والتنوير، الأنعام (6|5)

[2] روح المعاني للآلوسي (7|76)

[3] نفس المرجع (7|75)

[4] اللباب في علوم الكتاب (8|3)، والسراج المنير للشربيني (1|326)

[5] التحرير والتنوير، سورة الأنعام (6|7)

[6] رواه الحاكم في مستدركه (3226)، وقال: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم فإن إسماعيل هذا هو السدي و لم يخرجه البخاري"، أما تعليق الذهبي قي التلخيص فكان مغايرا لذلك حيث قال: "لا والله لم يدرك جعفر السدي وأظن هذا موضوعا"، وأخرجه البيهقي في الشعب (2431).

[7] أخرجه البيهقي في السنن الصغرى (981)، وفي الشعب (2433)، وأخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (6|292)، قال الهيثمي: ((رواه الطبراني عن شيخه محمد بن عبد الله بن عرس عن أحمد بن محمد بن أبي بكر السالمي، ولم أعرفهما، وبقية رجاله ثقات)). انظر: ((مجمع الزوائد)) (7/20). والزجل ـ بفتح الزاي والجيم: الصوت الرفيع العالي، انظر: اللسان (6|23)، مادة (ز ج ل).

[8] انظر: ((المعجم الكبير))(12/215)، ((فضائل القرآن)) لأبي عبيد (ص128)، ولابن الضريس (ص94)، ((عمدة التفسير))(5/11)، ((موسوعة الفضائل))(1/257).

[9] السراج المنير للشربيني (1|326)

[10] أخرجه الإمام أحمد في المسند(24575) من حديث عائشة رضي الله عنها، وقال عنه شعيب الأرنؤوط في تعليقه على المسند: "إسناده حسن"، وأخرجه الحاكم في مستدركه (2070)، وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد و لم يخرجاه".

والحبر: العالم، ومعناه العالم بتحبير الكلام، والأحبار: هم العلماء، انظر: النهاية (1/328)، واللسان مادة (ح ب ر)

[11] أخرجه الإمام أحمد في المسند(17023)، وقال عنه شعيب الأرنؤوط في تعليقه عليه: "إسناده حسن"، وأخرجه البيهقي في الشعب(2415)، وكذلك في سننه الصغرى(978)، والطبراني في معجمه الكبير(186)، وقال الشيخ الألباني: "الحديث بمجموع طرقه صحيح"، السلسلة الصحيحة (3|469).

[12] الأحاديث الثابتة في فضائل السور، ص: 29

[13] المحرر الوجيز لابن عطية (2|311)

[14] أخرجه الدارمي (3402)، قال حسين سليم أسد: "إسناده صحيح إلى كعب وهو موقوف عليه".

[15] السطة: هي المنزلة الرفيعة والمكانة المهيبة

[16] انظر: سيرة ابن هشام (1|293-294)

[17] القرطبي (6|383)

[18] مفاتيح الغيب (26|212)

[19] التحرير والتنوير سورة الأنعام (6|8)

[20] البخاري|كتاب المناقب|باب قصة زمزم وجهل العرب|ح (3524)

[21] البخاري|كتاب المغازي|باب غزوة أحد|ح (4043)

[22] انظر: الدر المنثور (3|348)، والتحرير والتنوير الباب 111 | (5|171)

[23] القرطبي (6|383)

[24] الدر المنثور (3|366)

[25] التحرير والتنوير سورة الأنعام (7|85)

[26] البخاري|كتاب المغازي|باب مرض النبي صلى الله عليه وسلم ووفاته|ح (4449).

[27] انظر: الظلال (3|86)، المكتبة الشاملة.

 

[28] انظر: صحيح البخاري|كتاب التفسير|باب|ح (4855)، ومسلم|كتاب الإيمان|باب معنى قول الله عز وجل: {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى}، وهل رأى النبي صلى الله عليه وسلم ربه ليلة الإسراء؟|ح (177)



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل