هدايات سورة الأنعام - 2 - من الآيات الكونية في سورة الأنعام‏

هدايات سورة الأنعام

 

د. أحمد ولد محمد ذو النورين

من الآيات الكونية في سورة الأنعام‏:‏

لقد أرسل الله تعالى الرسل وأنزل الكتب لهداية الناس، وكذلك ذكر الحقائق العلمية في الآيات القرآنية والأحاديث النبوية لا للتسلي ولا للتفكه، وإنما للاستدلال على عظيم قدرة الله تعالى وجميل صنعه في خلقه، وواسع رحمته بعباده، إضافة إلى نصب الآيات على وجوده تعالى ووحدانيته، الأمر الذي تحتاجه البشرية لاستنتاج البراهين المقنعة والدلائل الجلية المثبتة لضرورة الإيمان به جلت عظمته، تلك الدلائل والبرهين التي تتناغم مع الفطرة البشرية الأصيلة، والتي فطر الله تعالى عليها هذا الوجود لاستنقاذهم من إضلال إبليس لأكثرهم حتى صاروا مضلين {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّه}، قد ضلوا لأنهم يتدبروا تلك الآيات، فلم يعرفوا الله تعالى حق معرفته، ولم يعظموه تعالى حق تعظيمه {وَمَا قَدَرُواْ اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ}، فجاء هذا الإعجاز الهائل في الآيات المقروءة ليبرهن على تطابقها مع الآيات المنظورة، وليبين بالمعاينة أن الله جلت عظمته هو الإله الحق الذي أقام السماوات والأرض بالحق.

ومن أبرز ما ورد في السورة من ذلك:

- لقد خلق الله تعالى السماوات والأرض بالحق‏,‏ وفطر الخلائق وأنعم عليها بجعل الظلمات والنور‏ {الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ}، فالظلمات تستركم وترتاح فيها أبدانكم وقلوبكم، وفي النور تقيمون معاشكم وقوام أبدانكم وأنعامكم، فهو جل شأنه المستوجب للثناء على نعمه الظاهرة والباطنة، الدينية والدنيوية، لإنشائه السموات والأرض وما فيهن، وخلقه الظلمات والنور، وما ينشأ عنهما من تعاقب الليل والنهار؛ مما يكفي دلالة على عظمة الله تعالى، واستحقاقه وحده العبادة.

- أن الله تعالى خلق الإنسان من طين‏، فآدم الذي هو أصل البشر ومنه خرجوا فانتشروا في المشارق والمغارب خلقه الله تعالى من طين، فباعتبار أصلهم فإنهم مخلوقون من طين، وكذلك الغذاء الذي هو عنصر حياتهم كله من الأرض‏ {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قضى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ}، وفي هذا تذكير للمشركين إذ أنكروا البعث، فإن الله تعالى هو الذي خلقهم أولا، والعجيب من حال كثير منهم جمعهم بين الاعتراف بأن الله هو خالقهم الخلق الأول وامتراؤهم في خلقهم الثاني.

الله جل جلاله مالك ما استقر في الليل والنهار من المخلوقات‏،‏ أي له كل شيء، فلا بد أن يتيقن العبد أن الخلق كلهم في قبضة الله عز وجل، وأمورهم كلها بيده، أحاط بهم علمًا وسمعًا وبصرًا، فلا يتلكأ فيما أمرت به الشريعةُ وحيا من رب الأرباب {وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}، وهذا تذكير بأن الله تعالى لا يخفى عليه شيء من أعمال عباده.

‏-  إن الله تعالى هو فالق الإصباح بقدرته نعمة منه بالخلائق، إذ لم يجعل النور مستمرا في الأفق، بل جعله عارضا في أوقات محددة لتعود الظلمة إلى الأفق رحمة منه بالموجودات ليسكنوا بعد النصب والعمل فيستجمعوا راحتهم،  إشارة منه تعالى إلى الحركة الدائبة والحياة السيارة لهذا الكون‏ {فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ}

‏- لقد امتن الله تعالى على البشر بهذه النجوم والكواكب وجعلها لهم بواصل يهتدون بها في ظلمات البر والبحر، حتى لا يضلوا طريقهم فيهلكوا ‏{وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ}، وليرتبوا بها مواقيت حياتهم، فهذه منة تنضاف إلى سابغ آلائه ووافر مننه على الناس، كما تمثل مظهراً من مظاهر قدرته، فهي نعمة لا يقدر على الإنعام بها سواه، فلم إذاً يكفر به ويعبد غيره؟

‏-  بعد أن بلغ التطور التقني شأوا وصل إلى ما كانت بعض آيات هذه السورة قد صرحت به {فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ} إشارة إلى تناقص كل من الضغط وتركيز الأكسيجين مع الارتفاع، مما يؤدي إلي ضيق الصدر وحرجه‏، ذلك أن الإرادة الإلهية هي مصدر أي حركة ومحور أي تغيير في هذا الكون من الذرة إلى أعظم النجوم السابحة.‏

‏- التأكيد على أن بالكون غيوبا مطلقة لايعلمها إلا الله‏‏ تعالى {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ}، وقد دلت هذه الآية الكريمة على أن الغيب لا يعلمه إلا الله، وهو كذلك، لأن الخلق لا يعلمون إلا ما علمهم خالقهم جل وعلا، تقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: "من زعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبر بما يكون في غد فقد أعظم على الله الفرية" [28].

وهناك آيات كونية أخرى أختصر البحث في الحديث عنها، على الإشارة إلى بعضها، مثل:

 

خلق وتصنيف الحيوانات‏.‏ ‏والتشابه القائم بين النوم والموت وبين اليقظة من النوم والبعث بعد الموت‏.‏ وأن الله‏‏ تعالى‏ هو فالق الحب والنوى لحظة الإنبات‏,‏ وأنه‏‏ تعالى‏ هو الذي يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي‏.‏ والتأكيد على أن الله‏‏ تعالى‏ أنشأ الناس من نفس واحدة فمستقر ومستودع‏.‏‏ وأنه‏ تعالى هو الذي أنزل من السماء ماء فأخرج به نبات كل شيء‏,‏ فأخرج منه خضرا يخرج منه حبا متراكبا‏.‏ و‏أنه جل شأنه هو الذي خلق النخيل‏,‏ وخلق طلعها وهو أول ما يبدو ويخرج من ثمرها كالكيزان‏,‏ وخلق قنوانها‏,‏‏ وخلق جنات من أعناب والزيتون والرمان مشتبها‏,‏ وغير متشابه وجعل بعض هذه الجنات معروشات وبعضها الآخر غير معروشات‏.‏‏وقد أكدت كثير من آيات السورة على حقيقة الخلق‏,‏ وعلى أن الله‏ تعالى‏ هو خالق كل شيء‏.‏



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل