هدايات سورة الأنعام - 3 - قصة وهدف (قصة إبراهيم عليه السلام)

هدايات سورة الأنعام

 

د. أحمد ولد محمد ذو النورين

قصة وهدف:

{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (74) وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79) وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (80) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81) الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82) وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (83)}.

إنها قصة رائعة باهرة رسمها السياق القرآني في هذه الآيات لتبين حقيقة الفطرة وهي تستنكر - للوهلة الأولى - عقائد الجاهلية في الأصنام وتستصغرها. ثم تنطلق بعد أن نفضت عنها غبار الخرافة في شوق عميق ووله دافق بحثا عن إلهها الحق، الذي تجده في ضميرها، ويتعلق به وجدانها في لهفة مكنونة، وعزم مشبوب يحدوه كل ما يمكن أن يوصل إلى هذا الإله! إنه مشهد رائع باهر يتجلى في قلب إبراهيم - عليه السلام - وهو يجتاز التجربة الكبرى في قصة الفطرة مع امتحان الاختيار بين الحق والباطل، إنها قصة المؤمن وهو يصدع بعقيدته ولا يخشى فيها لومة لائم؛ ولا يجامل على حسابها أباً ولا أسرة ولا عشيرة ولا قوماً، إنه الانسجام المطلق بين الوحي والفطرة السليمة، والبصيرة المفتوحة؛ الذي به يتم الخلوص إلى الحق، وإنكار الباطل، والذي بمستوى القوة التي تدفعه يكون انتهاج مسلك إبراهيم عليه السلام [27] ، لقد أدرك إبراهيم حقيقة ملك السماوات والأرض واضطلع على كثير من الأسرار المكنونة في صميم الكون، واكتشف كثيرا من الآيات المبثوثة في صحائف الوجود، وأقام الصلة بين قلبه وفطرته وموحيات الإيمان ودلائل الهدى في هذا الكون العجيب.ذلك هو المسلك النجاء الذي ينجو سالكه، وتلك هي المحجة البيضاء التي يسعد بها كل من التزمها.

الأهداف

وبالجملة فقد احتوت القصة ضغثا من الأهداف، نذكر منها:

الاولى: قوله: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً}، إنه السؤال الاستنكاري التقريعي عن كيفية استساغة اتخاذ الجماد إلها، مع أن الإله هو المعبود بحق، وتلك هي أعلى الغايات عند البشر؟؟؟ وهذا أعجب وأبعد عن العقل من جعل الحمار قاضياً؛ لأن الحيوان أكمل من الجماد.

الثانية: القدح في هذا المعتقد وإظهار بطلانه بكل المقاييس من جهة احتقارهذه المعبودات، ومن جهة الاستخفاف بعقول تجعل من مثل تلك الجمادات آلهة. وكذلك ينبغي أن يكون المؤمنون في وضوح التصور، ولزوم الصدع بالحق، وعدم الاكتفاء بالمخالفة: {إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ}.

الثالثة : استقراء البراهين واستخلاصها من المشاهد الكونية الدالة على حتمية خالق للخلق من غير جنسه متصف بصفات الكمال، {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} فإن ذلك من أعظم الأ دلة بديهة على وجود الله تعالى وبديع صنعه وكمال قدرته.

الرابعة : أن إقامة حجة تهافت الباطل دالة على صدق الحق مورثة لليقين به {وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ}.

الخامسة: أن المعبود لا بد أن يكون حيا باقيا بلا زوال {فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ}.

السادسة: تعلق إبراهيم بربه لنيل الهداية والتوفيق لها، وإيمانه أنه لا ترجى الهداية من سواه. بل المتعلق بغيره منتهاه إلى ضلال {قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ}.

السابعة: إعلانه براءته من الشرك ومعتقدات المشركين {قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ}. وكذلك أتباع ملته من هذه الأمة المباركة.

الثامنة: تأليهه وتوجهه إلى خالق السماوات والأرض المستحق وحده للعبادة والتعظيم، وتأكيده ميلانه عن الشرك، والبراءة من صف المشركين {إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}.

التاسعة: شجاعته في ذات الله تعالى وبعده عن المداهنة؛ إذ صرح لقومه بما يعتقد من الحق ولم يدارهم مع كثرتهم ووحدته {إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} {وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ}، وكذلك منهج المرسلين وأتباعهم.

العاشرة: وجوب مجادلة المبطلين والمشركين وتعرية ضلالهم لإقامة الحجة عليهم لعلهم يهتدون، ولنفي مخاطر شبههم عن الناس. {وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ}.

الحادية عشرة: بيان ضلال أهل الشرك وزيغ عقولهم وتشابه نحلهم وجراءتهم على الله جل وعز وأمنهم لعقوبته في كل زمان ومكان {وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ}..

الثانية عشرة: الطمأنينة والسعادة إنما تكون لأهل التوحيد والإيمان، فهم أحق العباد بالأمن، وكذلك كل من آمن بالله ولم يشرك به شيئاً {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ}.

 

الثالثة عشرة: علو منزلة إبراهيم عند الله تعلى وتعظيمه سبحانه لما وهبه من الحجة، التي أضافها جل شأنه إلى نفسه إضافة تعظيم وتشريف وتنويه، فهو المنعم بها على إبراهيم وناصره بها على قومه {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ}. وكذلك يرفع الله درجات المؤمنين العالمين بدلائل التوحيد الداعين إليه، النافين للشبه عنه المقيمين لحججه المدركين لحكمة الله تعالى المعتقدين لكمال صفاته جلت عظمته.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل