الراضون - إبراهيم السكران

الراضون 

الشيخ إبراهيم بن عمر السكران 

من الأشياء التي تبتهج بها نفسي حين يتهادى إلى أذني صوت أحد كبار السن وهو يذكر الله ..
لا أدري لماذا يكون لزجل ذي الشيبة بالتسبيح وقع تنفسح به أرجاء النفس ..
وأحس بسكينة جميلة تتهادى في المكان، وكأن جلبة ودويا يغادران من حولنا ..
بمجرد أن تطفو همسات أحد الكهول متهدجة بعبارة «سبحان الله، سبحان الله» ..

بل وأشعر أن ثمة ما يفرض الصمت والإطراق إجلالا لتلك التسابيح الممزوجة بصوت يدب دبيبا كأنما أثقلته السنون ..

وخصوصا إذا كانت تسابيح كبار السن هذه في أواخر الليل، وهم يحملون على أنفسهم إما لتهجد أو تلاوة، أو هم يمشون في سواد الليل وقبيل أذان الفجر إلى المسجد، أو نحو ذلك.

ومن الأمور التي كانت تثير انتباهي أن كل من رأيت من كبار السن الصالحين اللاهجين بذكر الله، أنهم يعيشون «رضا نفسيا» عجيبا ومدهشا ..

لا أعرف أحدا من كبار السن الذاكرين لله إلا وقرأت في روحه طيب الخاطر، وانشراح الصدر، والرضا الذاتي.

وبكل صراحة فإن هاتين الظاهرتين (التسبيح) و (الرضا) لم تكونا مرتبطتين في ذهني بصورة واضحة، ولكن مرت بي آية من كتاب الله كأنها كشفت لي سر هذا المعنى، وكيف يكون التسبيح سائر اليوم سببا من أسباب الرضا النفسي،
يقول الحق تبارك وتعالى: {وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى}.

لاحظ أولا في هذه الآية كيف استوعبت سائر اليوم، قبل الشروق، وقبل الغروب، وآناء الليل التي هي ساعاته، وأول النهار وآخره.

ماذا بقي من اليوم لم تشمله هذه الآية بالحث على التسبيح ؟!.

ولذلك شرع الله في هذه المواضع أعظم التسبيح وهو (الصلاة). والرضا في هذه الآية عام في الدنيا والآخرة.

وقد كنت تحدثت مرة مع أحد أقراني بهذا المعنى في هذه الآية، أعني العلاقة بين التسبيح والرضا النفسي، فذكر لي أنه مرت به آية أخرى تشير أيضا إلى هذه الرابطة، وهي قول الله في خاتمة سورة الحجر: {ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون * فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين}.

فانظر كيف أرشدت هذه الآية العظيمة إلى الدواء الذي يستشفى به من ضيق الصدر، فكم في الدنيا من صدور أضنتها الأحزان! وكم في الدنيا من وجوه ذوت بما تخفي من أوجاع نفسية! وتأمل كيف جعلت الآية التسبيح ترياقا تستطب به النفوس، وتداوى به الغموم، وتثلج به غصص الأحشاء ؟!.

كلما قرأت قول الله تعالى: {ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى}، وقول الله عز وجل: {ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون * فسبح بحمد ربك}؛ قلت في نفسي : سبحان من جعل النفوس ترتوي بالرضا من ينابيع التسبيح !.

وكم نحن مغبونون في أيام وليال وسنين تصرمت دون أن نعمر آناء الليل وأطراف النهار بالتسبيحات، يا خسارة تلك السنوات! يا ضيعة تلك اللحظات التي مضت من أعمارنا لم نملأها بتسبيح وذكر لله، فسبحان الله! وبحمده عدد خلقه، ورضاء نفسه، وزنة عرشه ومداد كلماته.

تلك الدقائق من أعمارنا أعطيت لنا ليختبرنا الله فيها، ثم مضت الآن، ولن تعود، لن تعود أبدا! وها هو ذا مؤشر الساعة ما زالت عقاربه تلهث ليعلن في كل دقيقة كمية من أعمارنا سحبت منا، فهل هذه الدقائق التي تستنفد الآن من أعمارنا سجلنا فيها تسبيحا لله، أو كانت مستغرقة في عمل صالح، أم احترقت هذه الدقائق هكذا في الفضول، فضول الكلام، وفضول السماع، وفضول مشاهدة الفضائيات، وفضول تصفح الإنترنت .. إلخ ؟!.

ومن أعجب المعلومات التي زودنا بها القرآن أننا نعيش في عالم يعج بالتسبيح من حولنا، تسبيح الكائنات في هذا العالم مشهد مهيب صوره القرآن .

تأمل مثلا كيف أخبرنا الله أن الرعد يسبح : {ويسبح الرعد بحمده}، وأن الجبال والطير تسبح : {وسخرنا مع داوود الجبال يسبحن والطير}.

بل أخبرنا خبرا عاما أن كل الكائنات تسبح لله، بما فيها السماوات نفسها، والأرض نفسها، وما فيهما من مخلوقات، كلها تسبح لله، لكن تسبيحها له لغة لا نفقهها كما يقول الله تعالى {تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم}.

ويزيد القرآن من تفاصيل جلالة هذا المشهد، فيخبرنا بأن كل كائن من هذه الكائنات له مسلك خاص في تسبيح الله، يقول الله تعالى : {ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه}.

وربما ظن بعض الناس أن (تسبيح الكائنات) هو مجرد خبر مجازي، وأنها لا تسبح حقيقة! وهذا تصور مرجوح، فالصحيح أنه تسبيح حقيقي، حتى إنه في بعض الأحوال كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسمعون هذا التسبيح، فقد روى البخاري في صحيحه عن عبد الله بن مسعود أنه قال: «ولقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل».

ومثل تسبيح الطعام هذا الذي كان يسمعه الصحابة هو حالة خاصة في زمن خاص، أما تسبيح الكائنات في نظامها العام فقد أخبرنا الله أنه بلغة خاصة كما قال سبحانه: {ولكن لا تفقهون تسبيحهم}.

وقد أشار الإمام ابن تيمية إلى هذه الحالة الخاصة الاستثنائية في فهم لغة المخلوقات فقال رحمه الله : (بل هو سبحانه ينطق الجماد بأصوات يفهمها من يفهمها من الآدميين، كما قال عن داود - عليه السلام - {يا جبال أوبي معه والطير} وقال تعالى: {إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق} والحصى قد سبح في كف النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقال ابن مسعود - رضي الله عنه: كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل. وكان أبو الدرداء وسلمان الفارسي يسمعان تسبيح القدر، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إني لأعلم حجرا بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث، إني لأعرفه الآن» وهذا باب واسع).

فإذا استشعر المؤمن الذي شرفه الله باليقين بهذا القرآن، الذي يتعامل مع أخبار القرآن كأنما يشاهدها رأي العين، إذا استشعر هذا المشهد، وأخذ يجيل عينه في الكون من حوله، فيقلب وجهه في السماء، وينظر في فجاج الأرض، ويمسك الأشجار بيديه، ويتأمل الطير فوقه وهن صافات ويقبضن، ويستحضر تلك الكائنات المدهشة التي تعيش في قيعان المحيطات، ثم يستعيد كلام الله عن أن هذه الكائنات كلها تسبح الله، كل قد علم صلاته وتسبيحه، ولكن لا نفقه تسبيحهم، فإنه لا يكاد يطيق المهابة والإحساس بالعظمة الإلهية التي تتوارد على قلبه، وتكاد تعتقل لسانه .

فإذا جمع المؤمن في قلبه هذا المشهد السابق في تسبيح الكائنات لله، ثم أضاف إليه أن الله اختار أن يبدأ كثيرا من سور القرآن بالتسبيح، كما استفتح الله بالتسبيح سبع سور من القرآن، وهي: سورة الإسراء، وسورة الحديد، وسورة الحشر، وسورة الصف، وسورة الجمعة، وسورة التغابن، وسورة الأعلى .

وإذا أضاف المؤمن إلى ذلك أن الصلاة التي هي أعظم شعائر الإسلام، جعل الله في ركوعها التسبيح: (سبحان ربي العظيم)، وجعل في سجودها التسبيح: (سبحان ربي الأعلى).

وإذا أضاف المؤمن إلى ذلك تسابيح الأنبياء، كقول موسى - صلى الله عليه وسلم - في بيان وظيفة نبوته: {واجعل لي وزيرا من أهلي * هارون أخي * اشدد به أزري * وأشركه في أمري * كي نسبحك كثيرا * ونذكرك كثيرا} فطلب موسى مساعدا له في رسالته، وجعل وظيفة هذه الرسالة أن يسبحا لله كثيرا ويذكراه كثيرا !.

ويونس - صلى الله عليه وسلم - فزع إلى التسبيح في اللحظة الحالكة: {وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين} وبين الله سبحانه أن تسبيح يونس هو الذي كان سببا في نجاته من بطن الحوت: {فلولا أنه كان من المسبحين * للبث في بطنه إلى يوم يبعثون} .

وأن الملائكة لا تفتر عن التسبيح كما قال الله سبحانه عنهم : {يسبحون الليل والنهار لا يفترون} وقول الله تعالى : {وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم} ، وقول الله عز وجل: {الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم}.

بل أخبرنا الله عن لهج ألسنة أهل الجنة، السعداء، بالتسبيح، كما قال الله تعالى: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم تجري من تحتهم الأنهار في جنات النعيم * دعواهم فيها سبحانك اللهم}.

فإذا ضم المتدبر هذه الشواهد، ورأى كيف أن الرعد والجبال والسماوات والأرض والكائنات كلها تسبح لله، وأن الله استفتح سبع سور بالتسبيح، وأن الله جعل الركوع والسجود وهما من أهم أركان الصلاة تسبيحا، ومنزلة التسبيح في أخبار الأنبياء، واتصال الملائكة بالتسبيح، وتسبيح أهل الجنة، إذا ضم هذه الشواهد كلها بعضها إلى بعض؛ تغيرت نظرته جذريا لمفهوم التسبيح، وأدرك أن للتسبيح منزلة عند الله تفوق المنزلة التي نتصورها عادة .

ولا يتأمل المؤمن مثل هذه المنزلة للتسبيح إلا ويدركه شيء من الألم على فوات كثير من لحظات العمر عبثا دون استثمارها بالتسبيح .

وأي شيء أجمل من قضاء دقائق الانتظار، والطريق، ولحظات الصمت، في تسبيح الله ؟!.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل