بلاغة آية وحديث - الموسم الثاني - بلاغة حديث "ما ظنك باثنين الله ثالثهما" - 3

برنامج بلاغة آية وحديث - الموسم الثاني

د. إبراهيم السماعيل

ضمن برنامج الرسالة اليوم

تفريغ موقع إسلاميات حصريا

بلاغة حديث: "ما ظنك باثنين الله ثالثهما" - 3

حديثنا اليوم حديث صحيح في فضل أبي بكر رضي الله عنه وأرضاه فيما جمعته الأستاذة الباحثة أسماء الوادعي عندما تكلمت عن فضائل الصحابة في صحيح مسلم. حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ حَدَّثَهُ، قَالَ: "نَظَرْتُ إِلَى أَقْدَامِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى رُءُوسِنَا وَنَحْنُ فِي الْغَارِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ إِلَى قَدَمَيْهِ أَبْصَرَنَا تَحْتَ قَدَمَيْهِ، فَقَالَ يَا أَبَا بَكْرٍ: مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا". رواه الإمام مسلم

بلاغة الاستفهام في هذا الحديث جاءت من استخدام النبي صلى الله عليه وسلم للأسلوب الإنشائي المبني على الاستفهام كما يقول البلاغيون وذلك لفائدة بلاغية وهي تحريك الذهن لمزيد من التأمل ومزيد من الاستفسارات في نفس المخاطَب. كان يستطيع النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول يا ابا بكر لسنا اثنين فقط بل الله معنا، يمكن أن يقول هذا الكلام ولكن جاء به على طريقة الاستفهام " مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا"؟ لا شك أن الاستفهام كدعاة لهذا التأمل وما هذا التأمل؟ هو معية الله وحفظه: الله ثالثنا، الله ثالث هذين الاثنين الرسول صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر اثنان وثالثهما الله ولذلك يقف علماؤنا الأجلاء على وقفة جميلة في معيّة الله تعالى عندما يقول الرسول صلى الله عليه وسلم " مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا" ومعنى ثالثهما أن الله ثالث لهذين الاثنين بالنصر والمعونة وبالحفظ والتسديد وهو داخل في قول الله تعالى (إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون) وأيّ تقيّ أعظم من تقوى محمد صلى الله عليه وسلم وأيّ محسن غير رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر في ذلك المنزل العظيم حيث اجتمع المشركون على رؤوسهم رؤوس هاتين القامتين الشامختين أبي بكر مع سيدنا وسيد أبي بكر محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!

من فوائد هذا الحديث ما ذكره علماؤنا الأجلاء في بلاغة الخطاب في قوة الإقناع، جاء في الإفصاح عن معاني الصحاح قول النبي صلى الله عليه وسلم "الله ثالثهما" لم يكن جواب النبي صلى الله عليه وسلم راجعًا إلى الاستغناء بالمخلوق عن الخالق والاعتضاد بمخلوق، لا، لا يعتمد على بشر أبدًا في مقابل الاعتماد على الله سبحانه وتعالى! يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ أبو بكر خاف من البشر وهذا خوف طبيعي لكن النبي صلى الله عليه وسلم ردّه من التعلق بالأسباب للمخلوق إلى التعلق بخالق الأسباب: أنت يا أبا بكر في مأمن لأن الله ثالث لك ولرسولك محمد صلى الله عليه وسلم بالحفظ والرعاية والنصرة.

في هذا الحديث وهي خاتمة فوائد هذا الحديث الصحيح ما ذكر في التقديم، تقديم كلمة على كلمة كما قال علماؤنا الأجلاء عندما قال النبي صلى الله عليه وسلم "الله ثالثهما" جاء في شرح المشكاة للطيبي رحمه الله الفرق بين "الله ثالثهما" وبين لو قلنا: ثالثهما الله. قد يتصور في أول الأمر أن المعنى واحد: ما ظنك باثنين الله ثالثهما أو لو قلنا ما ظنك باثنين ثالثهما الله، لكن العلماء قالوا لا يقدّم ما يتقدم إلا لنكتة بلاغية فإن قوله صلى الله عليه وسلم "الله ثالثهما" معناه أنهما أي النبي صلى الله عليه وسلم وابو بكر رضي الله مختصان بأن الله ثالثهما هما، ثالثهما فقط وليس بثالث غيرهما، الله ثالثهما وحدهما، هذا هو معنى التركيب عندما يقول النبي صلى الله عليه وسلم "الله ثالثهما" يعني ثالثهما وحدهما فقط. لكن لو قلنا نحن بتعبيرنا غير التعبير النبوي الراقي السامي لو قلنا: ما ظنك باثنين ثالثهما الله فإنه قد يفيد أن الله تعالى ثالثهما وليس أحد غيره ثالث لهما وكم بين العبارتين من فرق! عندما نقول الله ثالثهما غير أن نقول ثالثهما الله على ما ذكر العلماء في هذا الفرق الدقيق ومنهم الطيبي رحمه الله تعالى رضي الله عن أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ وعن سائر الصحابة أجمعين رجالهم ونسائهم مهاجريهم وأنصارهم واجمعنا بهم ووالدينا وأزواجنا وذرياتنا في جنات النعيم مع إمام الجميع محمد صلى الله عليه وسلم.

 

التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل