بلاغة آية وحديث - الموسم الثاني - بلاغة حديث "ما ظنك باثنين الله ثالثهما" - 2

برنامج بلاغة آية وحديث - الموسم الثاني

د. إبراهيم السماعيل

ضمن برنامج الرسالة اليوم

تفريغ موقع إسلاميات حصريا

بلاغة حديث: "ما ظنك باثنين الله ثالثهما" - 2

استكمالًا لحديث النبي صلى الله عليه وسلم وحواره الدافئ الهادئ مع أبي بكر فيما حدّث أنس أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ حَدَّثَهُ، قَالَ: "نَظَرْتُ إِلَى أَقْدَامِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى رُءُوسِنَا وَنَحْنُ فِي الْغَارِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ إِلَى قَدَمَيْهِ أَبْصَرَنَا تَحْتَ قَدَمَيْهِ، فَقَالَ يَا أَبَا بَكْرٍ: مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا".

الحديث في صحيح مسلم وهنا يتبين ثقة النبي صلى الله عليه وسلم ورابطة جأشه، العبارة محددة دقيقة " مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ " أنا وأنت فقط؟، لا، "الله ثالثهما" فكوني أنا وإياك يا أبا بكر في الغار صحيح أنه أمر مخوف، صحيح أمر يدعو إلى القلق والرهبة لأن اقدام المشركين الذين لو ظفروا بنا لقتلونا ومع ذلك لا تخف فإن الله ثالثنا، إذن "اثنين الله ثالثهما" فيه يقين فيه قوة رأي فيه رباطة جأش من محمد صلى الله عليه وسلم أشجع الناس.

من فوائد هذا الحديث فيما يكذر العلماء بلاغة النداء، من الملاحظ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قريبًا جدا من أبي بكر قربًا حسّيًا ومع ذلك ناداه بأداة النداء "يا أبا بكر" وكأنه بعيد والمنادى يقول علماؤنا الأجلاء إذا كان قريبًا وناديته بأداة النداء (يا) التي هي في الأصل للبعيد وتكون للقريب والبعيد وينادى بها البعيد في الأكثر فذلك لفائدة بلاغية وهي إعطاء القريب منك حُكم البعيد وتنزيله منزلة رفيعة كأنه بعيد "يا أبا بكر" وهذه نكتة بلاغية جميلة يُصار إليها عندما تريد أن تعتني بمخاطِبك وتجلّه وتجعل له مكانة رفيعة يُنادى بهذا النداء البعيد وقد كان صلى الله عليه وسلم يُجِلّ أبا بكر ويحبه ويحترمه ولذلك ناداه بهذه الطريقة.

قال العلماء من فوائد هذا الحديث بلاغة الكُنية. الكُنية هي التي تُبدأ بـ(أب أو بأم أو بابن) عندما يقول النبي صلى الله عليه وسلم "يا أبا بكر" الكُنية تكريم وهذا أمر معروف عند العرب على حدّ قول الشاعر:

أُكنيه حين أناديه لأكرمه

ولا ألقّبه والسوأةَ اللَقَبا

كذاك أُدِّبتُ حتى صار من خلقي

إني وجدت ملاك الشيمة الأدبا

هنا الكناية تدل على احترام المكنيّ الذي تناديه بكنيته بل من أدب النبي صلى الله عليه وسلم الراقي فداه الأب والأم وكل ما يفتدى به أنه صلى الله عليه وسلم كان يكني حتى الأطفال الصغار كما جاء في الحديث الصحيح عندما خاطب أخا أنس بن مالك الصغير قال: يا أبا عُمير ما فعل النُغير؟ فمناداة الطفل الصغير بالكُنية تدل على احترامه فما بالكم وهو ينادي أفضل الصحابة على الإطلاق أبا بكر رضي الله عنه؟! لا شك أن موضعه موضع التكريم فيناديه بكنيته لم يقل يا عبد الله بن أبي قحافة وإنما قال يا أبا بكر والعرب تحب أن تنادى بالكُنية بخلاف أحيانًا بعض الألقاب التي قال الله تعالى فيها (ولا تنابزوا بالألقاب) لكن لم يقل سبحانه وتعالى لا تنابزوا بالكُنى لأن الكنية في العادة للتكريم والاحترام وأيّ احترام يكنّه شخص لشخص كاحترام النبي صلى الله عليه وسلم لصاحبه في الغار لثاني اثنين الله جلّ جلاله هو ثالثهما! هذا الكنية أضفت على الحوار رقيًا وسموًا وجمالًا ودلالة على أهمية المحاوَر وهو أبو بكر رضي الله عنه وكأن النبي صلى الله عليه وسلم يعدّه ليخبره  بالخبر:"الله ثالثهما".

 

التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل