الإعجاز البلاغي في سورة الكوثر - الشيخ خالد الخليوي

الإعجاز البلاغي في سورة الكوثر

الشيخ خالد الخليوي

قناة اقرأ الفضائية

تحدث الشيخ الدكتور خالد الخليوي في حلقة السبت الموافق 24 ديسمبر من برنامج "رحلة التدبر" عن أسرار إعجازية في أقصر سورة من القرآن الكريم وما انطوت عليه من بلاغة وجزالة في اللغة لا يستطيع أن يأتي به بشر، فالسورة كما أسلفنا من ثلاث آيات قِصار لا تزيد على عشر كلمات ومع ذلك فتزخر بالمعاني العظيمة التي لا يستطيع التعبير عنها بشر إلا بصفحات طوال!!

في السطور التالية نتابع وقفات بيانية مع الآية الثانية والثالثة من هذه السورة الكريمة:

 

"فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ"

بدأت الآية بفاء التعقيب السريع مستفادة من معنى التسبب لمعنيين:

  • جعل الإنعام الكثير والعطاء العظيم في الآية الأولى سبباً للقيام بشكر المنعم وعبادته. ولذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان كثير الطاعة والعبادة لربه وكان يقول: "أفلا أكون عبدا شكورا".

ـ جعله لترك المبالاة بمقولة الشانئ. وكأنه يقول للنبي: (أعرض عن قول شانئك وتوجه لربك بالعبادة).

 

في الآية إشارة إلى جوهر العبادات في الإسلام والتي تقوم على صلة العبد بربه (الصلاة) وصلة العبد بمجتمعه (الزكاة والصدقات) وعبّرت عنها الآية بالنحر وبهذا نتعرف على نوعي العبادة: الأعمال البدنية والصلاة قوامها، والمالية ونحر البدن ذروة سنامها.

لم يقل: "فصلّ لربك وانحر له" أي تم حذف اللام الأخرى لدلالة الأولى عليها. وفي هذا إيجاز واضح.

قوله (لربك) فيه ثلاث لطائف:

  • وروده على طريق الإلتفات التي هي من البلاغة.
  • صرف الكلام عن لفظ المضمر إلى لفظ المظهر وفيه إظهار لكبرياء شأنه وإثباته لعز سلطانه.
  • التذكير بإخلاص العبادة لله وحده وعُلم بهذا أن من حقوق الله التي تعبّد العباد بها أن تكون أعمالهم خالصة لوجهه لا رياءً ولا سمعة.

 

﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾

الشانئ المبغض، من الشَّنآن، وهو العَداوة والبُغض، والأبتر أفعل تفضيل من البتر، وهو القطع، فالأبتر المنقطع عن كلِّ خيرٍ، ويُقال لمن لا نَسْلَ له: أبتر؛ لأنَّه انقطَعَ نسلُه، وفي ذلك ذكر لسبب نزول السورة حيث لَمَّا ماتَ القاسم ابنُ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال العاصِ بن وائل: دَعُوه فإنَّه رجلٌ أبتر لا عَقِبَ له؛ أي: لا نَسْلَ له، فإذا هلَك انقطَعَ ذِكْرُه، فنزَلتِ السُّورة. ولنلاحظ أن الله لم يتناول العاص بن وائل باسمه تهوينا من شأنه وإماتة لذكره من جهة ومن جهة أخرى لتتناول كلمة (شانئك) كل من كان في مثل حاله من الإستهزاء بالنبي أو التعرض له بسوء وهو ما تكرر في أكثر من عصر ومصر كان آخرها الرسوم المستهزئة به في أكثر من دولة أوروبية.

وأخيرا فإن الطِّباق بين كلمتي الكوثر (الخير الكثير)، والأبتر (الانقطاع عن كلِّ خيرٍ) يُبرِز المعنى العام للسورة ويخدم السياق، وفي الوقت نفسه فيها سجعٌ مُؤثِّر غير ممجوج، فتكون الصُّورة على قلَّة كلماتها قد جمعَتْ فُنونَ البلاغة والبَيان والفَصاحة، والكمال والجلال.

شاهد الحلقة السابقة من  برنامج "رحلة التدبر" بالضغط هنا



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل