تدبر سورة الأعراف - 3- د. رقية العلواني

تدبر سورة الأعراف – 3

د. رقية العلواني

تفريغ سمر الأرناؤوط - موقع إسلاميات حصريًا

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

وقفنا في لقائنا السابق عند بدايات سورة الأعراف وبيّنا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم خاطبه القرآن في أول آية بعد الحروف المقطعة فقال (كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿٢﴾) مهمة النبي صلى الله عليه وسلم تجاه هذه الرسالة وهذا القرآن: الإبلاغ، الإنذار به، تذكرة المؤمنين به وقد فعل عليه الصلاة والسلام، بلّغ الرسالة وأدّى الأمانة ونصح الأمة.

ثم جاءت الآية التي تليها مباشرة آية تخاطب المؤمنين بهذا القرآن، النبي صلى الله عليه وسلم بلّغ الرسالة فما دوركم أنتم يا من آمنتم بهذه الرسالة؟ ما دوركم يا من آمنتم بكتاب الله؟! تدبروا: قال في نهاية الآية (وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿٢﴾ اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ) المؤمن مهمته في هذه الحياة اتباع المنهج الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم في كتاب الله. تنزيل هذا المنهج لأن الاتباع يعني أن تنزّله واقعًا في حياتك تسير على دربه وطريقه وتعاليمه وشرعه وسنته وما جاء به وتنزّلها واقعًا في حياتك وكأن هذه السورة العظيمة وهي من طوال السور ومنذ بداياتها تبين للمؤمنين بهذا القرآن أنه لا يمكن أن يكون هناك دعوة لهذا القرآن وبهذا القرآن دون تطبيق دون انعكاس لما تقولون به وتؤمنون به وتقرأونه ليل نهار وتتعبدون بتلاوته دون أن يكون له شاهد في واقعكم وفي شؤونكم وفي حياتكم.

وتدبروا في نفس الآية قال (اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ) وفي المقابل جاء (وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ) اتبعوا – ولا تتبعوا، أمر ونهي، إما أن تتبعه منهجًا أنزله لك الخالق الذي خلق وستأتي الآيات بعد ذلك في الصفحة الأولى من سورة الأعراف تتكلم عن الخلق تتكلم عن النشأة الأولى النشأة التي أنشأ الله منها بني آدم من تراب خلق وصوّر وأعطى وكلّف فكان الأمر منه سبحانه وتعالى بالاتّباع واضح. هنا جاء الأمر (اتبعوا) وفي نفس الآية قال (ولا تتبعوا) الطريق واضح إما أن تتبع منهجًا أرسله وأنزله خالقك الذي خلق وإما أن تتبع تلك السبل والطرق فتفرق بك عن سبيل الله سبحانه وتعالى. وكلمة أولياء على ما لها من معاني في اللغة وفي كتاب الله وردت بمعاني كثيرة ولكن سياق الآية هنا يتكلم عن الولاية بمعنى أن يتولى شؤون حياتك (وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ) لا تسلّم زمام حياتك وشؤونك وأمورك الخاصة والعامة اقتصاد وتعامل اجتماع وأسرة لا تسلّمها لغير الله (وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ) وقد يقول قائل وهل يا ترى في تلك البيئة (ذكرنا ونذكر دائما من أعظم قواعد التدبر أن تحاول أن تعايش تلك البيئة التي نزلت فيها الآيات ثم تعبر من تلك البيئة إلى بيئتك وواقعك وحياتك أنت وما تواجهه من أمور وشؤون) وكلنا نعلم أن المشركون آنذاك كانوا يولون شؤون حياتهم الخاصة والعامة لعقائد مختلفة، لأولياء متعددين ومنها عقيدة ومنهج الآباء من سبقهم من الآباء، اتخذوا الأصنام والأوثان والأحجار أولياء من دون الله يتولون شؤون حياتهم يصرفونها كيف شاء وستأتي سورة الأعراف على نماذج وانعكاسات لتلك الولاية من دون الله وتبين بالتفصيل ماذا يحدث حين يتولى أحد من دون الله تصريف شؤون البشر وحياتهم كيف تكون النتيجة وكيف تأتي عشرات الأخطاء الانحرافات والممارسات والسلوكيات المهينة لذات الإنسان التي لا تليق بإنسانيته من جراء أن هذا الإنسان وتلك الأمة وتلك القرية اتخذت من دون الله أولياء في حياتها يتولون شؤون حياتها ومعيشتها.

آيات القرآن كلها تسلمك إلى ما بعدها والترابط بينها واضح وما عليك إلا أن تقرأ الآيات مرة بعد مرة تبحث عن أوجه التناسب والتناسق والترابط مباشرة بعد الأمر والنهي الواردين في آية واحدة (اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ) – (وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ) قال (وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ ﴿٤﴾) والقرآن يلوّن في الأساليب التي يبتدئ بها الأحداث وسورة الأعراف مليئة بالأحداث، وقلنا في البداية مقصد سورة الأعراف العام أنها تتكلم عن رحلة الإنسان الخليفة وكل ما يعترض تلك الرحلة من عقبات من تحديات من صعوبات من إشكاليات إلى أن تصل به إلى مرحلة الجزاء الأخروي. وهنا تتكلم سورة الأعراف منذ البداية عن عواقب عن نتائج على الرغم أنها لم تبدأ ببعد بالتفاصيل، بدأت بالشيء الذي أوجزته في الآية (وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ) ولو أردنا أن نقدر معنى هذا الكلام لقلنا: لا تتبعوا من دونه أولياء لأن النتيجة ستكون: وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون. النتيجة التي ستحدث عندما يتبع الإنسان أولياء من دون الله: الهلاك والآية لا تتحدث عن جزاء أخروي وإنما تتحدث عن عقوبة دنيوية.

القرآن حين يقول قرية يعني مجتمع، يعني دولة، يعني أمة، يعني شعب. لماذا القرآن جاء وفي هذه الآية على سبيل التكثير (وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا)، القرآن حتى عندما يتكلم عن الفرد الإنسان إنما هو يتكلم عنه في سياق مجتمعي، في سياق الأمة في سياق الأمة التي يعيش فيها ليؤكد عدة حقائق:

الحقيقة الأولى أن القرآن في منهجه منذ الأصل يخالف الفكرة السائدة الطاغية التي تطغى الآن على كثير من المجتمعات المعاصرة : فكرة الفردية، والقرآن منذ الأصل ينظر للفرد على أنه فرد ضمن مجموعة، ضمن مجتمع، ضمن أسرة لذلك معظم خطابات القرآن (يا أيها الذين آمنوا) (يا أيها الناس) وهنا (كم من قرية) ليعطي هذا البُعد، أنك أنت يا إنسان يا فرد لا تعتقد ولا يمر في مخيلتك لثانية واحدة أن ما تقوم به من سلوك أو عمل صالح أو غير صالح في حياتك لا يؤثر على المجموعة من حولك، لا، كل ما تقوم به هو ليس شأن يخصك أنت وحدك، كل ما تقوم به سيصب في نهاية الأمر في ذلك المجرى المجتمعي العام فعليك أن تتريث وأن تتعقل وأن تدرك أن الخير الذي تفعل لن يذهب هباء كما أن الشر الذي تصنع أو يظهر منك لا يمكن أن يذهب أثره دون نتائج بدون عواقب أبدًا. كل شيء له نتائج على المستوى الشخصي أكثر من المستوى العام وأظهر وأوضح وأبين ولكن هذا لا يعني أنه لا أثر له على المستوى المجتمعي أو المستوى الأممي، هذا البُعد العظيم! ولذا كانت الآية التي بعدها (وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا). تدبروا في عظمة القرآن وإعجازه، أعطانا السبب منذ البداية قال (وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ) لأن النتيجة الحتمية الطبيعية حين تتّبع الأمم والشعوب أولياء من دون هذا المنهج العظيم منهج الله سبحانه وتعالى النتيجة هي الهلاك (فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ) سواء كان في الليل أو في القيلولة أو في النهار وهم يركضون وهم يلعبون النتيجة واحدة، تعددت وتنوعت الأساليب بقدرة الله عز وجلّ القاهر فوق عباده. هذه النتيجة الحتمية سيأتي تفصيلها فيما بعد لأن سورة الأعراف تكلمت عن قصص أنبياء مع أقوامهم، تكلمت عن موسى وعن ثمود وتكلمت عن لوط وكل أمة من تلك الأمم والأقوام لاقت مصيرا مختلفا عن مصير الأمة الأخرى (فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ) العذاب، تنوعت أساليب العذاب، تعددت، وكذلك تنوعت الإنحرافات ولكنها كلها تدخل تحت مظلة واحدة مظلة اتباع من دون الله عز وجلّ أولياء تولوا شؤون حياتهم وإدارتها، أولياء من دون الله عز وجلّ.

والأولياء ليسوا فقط آباء أو أصنام أو أحجار أو ما شابه، لا، يمكن أن يكون الولي الذي يتولى شؤون حياتي هو هوى نفسي الأمارة بالسوء هو الذي يتحكم بي وسنأتي على نماذج لأقوام الذي كان يحركهم ويصرفهم أهواء النفوس لا شيء آخر، الأولياء يمكن أن يكونوا متعددين!. القرآن هنا يعطينا من اللحظة الأولى في سورة الأعراف من الموقف الأول تعطينا السبب وراء هلاك تلك الأمم المختلفة، صحيح قدّم نماذج من قصص الأنبياء كما سنأتي عليها ولكن النماذج ستتعدد وتتنوع ولن تقف عند زمن أو عند بيئة لأن القرآن رسالة عالمية مفارقة لحدود الزمان والمكان والبيئة فما هلك به قوم في الزمان الغابر قد يهلك به قوم في زماننا الحاضر أو في المستقبل.

ثم في آيات معدودة أوجزت سورة الأعراف تلك المواقف لهؤلاء الأقوام (فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ ﴿٥﴾) ظلموا أنفسهم أولًا! كيف يظلم الإنسان نفسه؟! نحن اعتدنا حين نتكلم عن الظلم أن نقول فلان ظالم ظلوم يظلم الآخرين ولكن في واقع الأمر القرآن يعطي بُعدًا واضحًا في سورة الأعراف منذ البداية يشخّص بدقة "ظلموا أنفسهم" لأن الإنسان حين ينتكس عن منهج خالقه سبحانه وتعالى ويتخذ ربّا ووليًا من دون الله يصرّف له حياته وشؤونه هو في واقع الأمر يظلم نفسه أكبر ظلم وأكبر مجال يوقعه من الظلم إنما هو على نفسه وليس على الآخرين والقرآن حين يتكلم عن النفس إنما هو يلقي بظلال المسؤولية على الفرد أنت تظلم نفسك ولذلك قال (إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ) لكن ما نفع قولهم إنا كنا ظالمين وقت الجزاء بعد نهاية الامتحان؟ بعد انقضاء الدنيا! ما فائدة هذا؟

قال (وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿٨﴾) انتقل مباشرة من البأس الذي وقع على تلك الأمم في الحياة الدنيا إلى الآخرة بإيجاز كعادة القرآن وعظمة القرآن في تنوع الأساليب ليعطى المخاطَب في هذه السورة القدرة على أن ينتبه لما سيأتي بعد ذلك من آيات (وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآَيَاتِنَا يَظْلِمُونَ ﴿٩﴾) في موضعين: (إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ) وهنا (بِمَا كَانُوا بِآَيَاتِنَا يَظْلِمُونَ) وهنا (خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ) تدبروا في الآية (خسروا أنفسهم) نحن نعلم أن الإنسان يخسر ماله، يخسر تجارة، يخسر بيتا، يخسر وقتا، يخسر ولدا، يخسر صديقا لكن كيف يخسر نفسه؟ أعظم خسارة في الكون خسارة الإنسان لنفسه! وحددت الآية قال (خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآَيَاتِنَا يَظْلِمُونَ) والآيات التي كان يظلم بها هؤلاء لم تكن مجرد آيات كتاب أنزل إليهم وإنما آيات الكون، آيات الواقع، لأن آيات الله عز وجلّ لا تنحصر فقط في آيات أنزلت في الكتب السماوية، آيات في النفس آيات في الكون آيات في الواقع آيات في الأمم والمجتمعات، لأن من الآيات في الأمم والمجتمعات نزول العذاب وستأتي على نماذج منها. هذه آيات، هلاك الأمم والمجتمعات ونزول العقوبات هذه آيات يظلم بها الناس حين يمرون عليها مرور الإنسان الذي لا يفقه شيئًا تمر الأحداث أمام عينيه دون أن يتوقف دون أن يسأل نفسه سؤالا مشروعا تماما لماذا حدث ما حدث وكيف أتجنب ما حدث؟. الأحداث والوقائع والكوارث والمصائب التي تحدث في الأمم والمجتمعات لا تحدث خبط عشواء ليس هناك شيء خبط عشواء في حياتنا، أبداً! كل شيء يسير وفق أمر الله سبحانه وتعالى وفق قانون وسنّة، إذن هناك خلل حصل فأدّى إلى هذا الذي حدث علينا أن نكتشف موضع الخلل وحين لا يكتشف الإنسان موضع الخلل يكون (بِمَا كَانُوا بِآَيَاتِنَا يَظْلِمُونَ). إذن من بداية سورة الأعراف إلى الآية التاسعة تكلمنا عن عاقبة عن نتيجة عن موجز كامل لكل ما أوردته سورة الأعراف موجز لرحلة الإنسان الخليفة والنتائج التي يمكن أن تكون متوقعة من تلك الرحلة إذا لم يتخذ الإنسان ربه سبحانه وتعالى وليًا ومصرّفا لشؤونه ولحياته.

 

https://t.co/WIMQBXmLKZ

 

 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل