بلاغة آية وحديث - الموسم الثاني - بلاغة حديث "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ذكر خديجة فأثنى عليها.."- 2

برنامج بلاغة آية وحديث - الموسم الثاني

د. إبراهيم السماعيل

ضمن برنامج الرسالة اليوم

تفريغ موقع إسلاميات حصريا

بلاغة حديث: "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ذكر خديجة فأثنى عليها.." - 2

لا زلنا مع الحديث الصحيح الذي رواه الإمام مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت:

"كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ذكر خديجة أثنى عليها فأحسن الثناء قالت: فغرت يوماً فقلت ما أكثر ما تذكرها حمراء الشدق قد أبدلك الله عز وجل بها خيراً منها قال: ما أبدلني الله عز وجل خيراً منها قد آمنت بي إذ كفر بي الناس وصدقتني إذ كذبني الناس وواستني بمالها إذ حرمني الناس ورزقني الله عز وجل ولدها إذ حرمني أولاد النساء"

وفي رواية أخرى تذكرها عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر خديجة فقلت: لقد أعقبك الله يا رسول الله من عجوز من عجائز قريش حمراء الشدقين فهلكت في الدهر فقال النبي صلى الله عليه وسلم بعدما تمعّر وجهه تمعّرا قالت عائشة: ما كنت أرى هذا التمعر إلا عند نزول الوحي أو عند المخيلة أي عند المطر ليرى أهو رحمة أم عذاب. هنا فيه صراحة مؤدبة عندما قالت رضي الله عنها للنبي صلى الله عليه وسلم: أبدلك الله خيرًا منها، صارحها النبي صلى الله عليه وسلم لكن صراحة مؤدّبة قال: ما أبدلني الله عز وجلّ خيرًا منها. قد يكون هذا الكلام من باب البلاء موكَلٌ بالمنطق فعائشة رضي الله سمعت هذا الجواب القوي الشديد من النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: "ما أبدلني الله خيرا منها" لأنها هي التي فتحت الموضوع هي التي افتتحت الموضوع وقالت: أبدلك الله خيرا منها فجاءها الجواب بقوة ما كانت تتكلم به.

في هذا الحديث فوائد: الذبُّ عن عِرض الغائب قال عليه الصلاة والسلام: "ما أبدلني الله عز وجل خيراً منها " في هذا الموقف النبوي الجليل الشريف يتجلى الوفاء الزوجي من الرسول صلى الله عليه وسلم في أسمى صوره، في أعلى درجاته عندما قال عن خديجة وقد ماتت " ما أبدلني الله عز وجل خيراً منها" ففي ذلك أجر كبير أن ذبّ الرسول صلى الله عليه وسلم عن عِرض أحدٍ غائب بل عن عرض من مات وسبقت رحمها الله ورضي عنها ووالدتي ووالديكم والمسلمين أجمعين. قال أبو الدرداء رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من ذبّ عن عرض أخيه كان له حجاباً من النار كما جاء في مسند أبي شيبة ففي ذلك ذبّ عن عرض الحبيب أو الغائب.

في هذا الحديث من الفوائد البلاغية والوقفات النقدية: الحِجاج وهو إقناع الآخر بفكرة معينة. قال صلى الله عليه وسلم "قد آمنت بي إذ كفر بي الناس وصدقتني إذ كذبني الناس وواستني بمالها إذ حرمني الناس ورزقني الله عز وجل ولدها إذ حرمني أولاد النساء" كل هذا إقناع يصبّ في الجانب العقلي وإقام الحجج حجة تلو حجة تلو حجة وهذا ما يعرف بأسلوب الحِجاج والإقناع في الحوار.

كما اشتمل هذا الحديث على الطِباق عندما قال النبي صلى الله عليه وسلم في فنّ بلاغي جميل:

قد آمنت بي إذ كفر بي الناس

وصدقتني إذ كذبني الناس

وواستني بمالها إذ حرمني الناس

ورزقني الله عز وجل ولدها إذ حرمني أولاد النساء

هذا يسمى في البلاغة العربية الطِباق وهو أن تأتي بمعنى ومعنى يقابله وفي هذا بلاغة شريفة راقية من الإمام البليغ محمد صلى الله عليه وسلم وهو أبلغ من نطق الضاد وأفصح من نطق الضاد عليه الصلاة والسلام حيث ذكر هذه الفائدة العظيمة عن طريق المقابلة والطباق بين المعاني وللحديث بقية وصلة.

 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل