بلاغة آية وحديث - الموسم الثاني - بلاغة آية (ولما سقط في أيديهم) [الأعراف: 149]

برنامج بلاغة آية وحديث - الموسم الثاني

د. إبراهيم السماعيل

ضمن برنامج الرسالة اليوم

تفريغ موقع إسلاميات حصريا

بلاغة آية (وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴿١٤٩﴾ الأعراف)

نختم وقفاتنا البلاغية مع الآية الكريمة (وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴿١٤٩﴾ الأعراف)

هذا التعبير (سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ) ذكر العلماء أنه من مبتكرات القرآن الكريم. قال الزجّاج وهو عالم لغوي معتبر: هو نظم لم يُسمع قبل القرآن ولم تعرفه العرب، بمعنى أن العرب لم يقولوا "سقط في يده" إلا بعدما سمعوها من القرآن الكريم. قال الألوسي رحمه الله: وهذا هو القول الفصل فإني لم أرى هذا التعبير في شيء من كلامهم قبل القرآن. بمعنى أن (سُقط في أيديهم) لم يرد في أشعار الجاهلية ولا في حديثهم وإنما هو مما استفاده العرب من القرآن الكريم. وكان من عادة العرب بعد نزول القرآن أن يستفيدوا من بعض ألفاظه ومبتكراته ولذلك استفادت العرب من هذا التركيب فكانوا يقولون لمن كان ساعيًا لوجه أو طالبًا لغايةً ما فعرض ما يغلبه عليه وصدّه عن وجهته إذا كان سائرًا وصدّه يمينًا أو يسارًا قالوا: سُقط في يد فلان. ولذلك يقولون إن هذا التعبير كما يقول أبو عبيدة: يقال لمن قدِم على أمر وعجز عنه "سُقِط في يده" ولعلهم قد أخذوه من القرآن الكريم لأن هذا التركيب من مبتكراته.

من البلاغة في هذه الآية بلاغة الإيجاز والمعنى والله أعلم لما رجع موسى إليهم وهدّدهم ورأى أنهم قد عبدوا العجل كما ذُكر في سورة طه مفصّلًا لكنه في الأعراف هنا أوجز وهذا من بلاغة القرآن لأنه معلوم لمن سقط في أيديهم، سقط في أيديهم لأنهم اتخذوا العجل إله ورأوا أن العجل لا يصلح أن يكون إلهًا فندموا أشد الندم، كل هذا لم يذكر في هذه السورة ولم يذكر أنهم قالوا (لن نبرح عليه عاكفين) كما قالوا في سورة طه، ففي هذه السورة إيجاز واختصار لأن الأمر واضح سببه وأن ضلالهم بسبب عبادتهم للعجل الذي لا يسمن ولا يغني من جوع ولا ينفعهم ولا يضرهم وإنما هو عجل جسد له خوار أضلهم به السامري وجعلهم يتخذونه إلهًا من دون الله. (وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا) سقط في أيديهم من غاية الندم على هذا الأمر الذي اتخذوه به.

في الآية الكريمة بلاغة يذكرها علماء البلاغة في بلاغة القسم. القسم نوع من أنواع ما يسميه علماؤنا الإنشاء غير الطلبي وهو إنشاء بمعنى فن بلاغي لذلك قال الله (لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ). (لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا) هذا جواب لقسم مقدّر يعني والله أعلم: والله لئن لم يرحمنا ربنا وهم قد علّقوا ذلك بالقسم وأكدوه بالفعل الشرطي عن طريق القسم يعني أنه إذا الله سبحانه وتعالى لم يتداركنا برحمته فسنُصاب بغاية العقوبة.

كما أن في هذه الآية بلاغة جميلة في التقديم ذكرها علماؤنا الأجلاء في تفسيرهم لهذه الآية عندما قال (لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا) لماذا قدّمت الرحمة على المغفرة؟ لماذا لم يقل وإن لم يغفر لنا ويرحمنا، قال (لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا) قال العلماء لأن الرحمة سبب المغفرة فإذا رحم الله غفر، نسأل الله أن يرحمنا ووالدينا ويغفر لنا.

 

مجيء حرف الجر (من) هنا له بلاغة خاصة عندما قال الله تعالى (لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) جيء بـ(من التبعضية) لأن اللفظ بهذا الشكل أقوى، عندما يقال فلان من الخاسرين فهو أقوى من قولك فلان خاسر، وعندما يقال فلان ضلّ أقوى منها أن نقول: فلان من الضالين. وعندما نقول فلان من المهتدين فإنها إكرام له لأنه من المهتدين، قال تعالى (قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُم مِّنَ الْقَالِينَ (168) الشعراء) يعني من المبغضين لهذا العمل وقال العلماء إن هذا الأسلوب أبلغ لأنك تشهد لمن كان من المجموعة بأنه فردٌ فيهم قد تلبس بصفة سواءً كانت صفة مدح أو كانت صفة ذمّ وهذا هو الذي ورد في القرآن الكريم (قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُن مِّنَ الْوَاعِظِينَ (136) الشعراء) كما في سورة الشعراء فلو قال قائل: أوعظت أم لم تعظ قد يقول أحدهم هذا أخصر في الكلام لكن المعنى ليس بواحد، عندما نقول وعظت أو لم تعظ فرق بين أن نقول وعظت أو لم تكن من الواعظين يعني لست أصلًا أهلًا أن تكون في زمرة الواعظين الذين نأخذ عنهم القول ولذلك هذا التركيب المصحوب بـ(من التبعيضية) له بلاغته الاصة التي يعرفها من يتذوق القرآن الكريم ويعرف بلاغته نسأل الله تعالى أن يجعل القرآن الكريم ربيع قلوبنا وأن يجعله نورا لنا في حياتنا وفي قبورنا وأن يرحم به غربتنا ووحشتنا وأن يجمعنا بمن نحب من والد ووالدة والمسلمين أجمعين في جنات النعيم.




التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل