بلاغة آية وحديث - الموسم الثاني - بلاغة حديث "كنا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عنده "- 4

برنامج بلاغة آية وحديث - الموسم الثاني

د. إبراهيم السماعيل

ضمن برنامج الرسالة اليوم

تفريغ موقع إسلاميات حصريا

بلاغة حديث: "كنا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عنده" - 4

"كنا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عنده لم يغادر منهن واحدة فأقبلت فاطمة رضي الله عنها تمشي ما تخطئ مشيتها من مشية رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا، فلما رآها رحّب بها فقال: "مرحبًا بابنتي"، ثم أجلسها عن يمينه أو عن شماله، ثم سارّها فبكت بكت بكاء شديدًا، فلما رأى جزعها سارّها الثانية فضحكت فقلت لها (أي عائشة) خصّك رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين نسائه بالسرار ثم أنت تبكين؟ فلما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم سألتها: ما قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت فاطمة رضي الله عنها: ما كنت أفشي على رسول الله صلى الله عليه وسلم سرّه، قالت: فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: عزمت عليك بما لي عليك من الحق لَما حدّثتني ما قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت فاطمة: أما الآن فنعم، أما حين سارّني في المرة الأولى فأخبرني أن جبريل كان يعارضه القرآن في كل سنة مرة أو مرتين وإنه عارضه الآن مرتين وإني لا أرى إلا أن الأجل قد اقترب فاتقي الله واصبري فإنه نعم السلف أنا لك، قالت: فبكيت بكائي الذي رأيتِ فلما رأى جزعي سارّني الثانية فقال: يا فاطمة، أما ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين أو سيدة نساء هذه الأمة؟ قالت: فضحكتُ ضحكي الذي رأيتِ".

فاطمة رضي الله عنها مع أبيها صلى الله عليه وسلم في حوار عجيب ويتبين من هذا الحوار فطنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه عندما سارّها في المرة الأولى أخبرها أن جبريل كان يعارضه القرآن في كل سنة مرة أو مرتين وإنه عارضه الآن مرتين لم يقل جبريل يا محمد اقترب أجلك ولكن النبي صلى الله عليه وسلم لمّاح ومن فطنته عرف وفهم من هذه المعارضة أن جبريل ينعاه وأنه قد اقترب أجله صلى الله عليه وسلم وأن ذلك مؤذِن بقرب وفاته.

الرسول صلى الله عليه وسلم ركّز في هذا الحديث على الجانب الذي يعني فاطمة رضي الله عنها ولذلك اختار لها الأسلوب البليغ بالأمرين بالإنشاءين بفعلي الأمر: "فاتقي الله واصبري" "فاتقي الله" بالتقوى "واصبري" بالصبر ثم قال "فإنه نعم السلف أنا لك" ركّز النبي صلى الله عليه وسلم على الذي يعني فاطمة رضي الله عنها من الموضوع وهو التحلي بالصبر بعد فراق أبيها صلى الله عليه وسلم. والتقوى تقوّي وهذا من حنان الأب الرحيم وكأني به صلى الله عليه وسلم يتراءى ابنته الحبيبة التي لازمت طول حياتها لازمته طفلة وشابة وفرح بها عروسًا عندما زفّها إلى علي رضي الله عنهما وشاركها فرحها عندما أنجبت وطالما لاعب أولادهما وحملهما على كتفه صلى الله عليه وسلم وأثنى عليهم فأولاد فاطمة هما سيدا شباب الجنة الحسن والحسين. يتراءى صلى الله عليه وسلم لوعة فراق فاطمة رضي الله عنها لأمها خديجة  يستحضر عندما فارقت البنت أمها وما أصعب فراق الأم وما أقساه وما أشد وقعه على الأولاد ولو كانوا رجالًا فضلًا عن البنيّات الرقيقات.

وفي هذا الحديث يتبين لنا عاطفة الآباء مع بناتهم وهي عاطفة مأثورة من النبي صلى الله عليه وسلم ومن غيره من كل إنسان كما قال الشاعر في ابنته أو ابنة أخت له كان قد ربّاها، قال الشاعر فيها في أبيات مؤثرة:

لولا أميمةُ لم أجزعْ من العـَدَمِ **** ولم أقاسِ الدُّجُى في حنِدسِ الظلمِ

وزادني رغبةً في العيشِ معرفتي **** ذُلَّ اليتيمةِ يجفوها ذوو الرحــمِ

أُحَاذرُ الفَقْرَ يوماً أن يلـمَّ بهـا **** فيهتكَ السترَ عن لَحْمٍ على وَضَمِ

تَهْوى حياتي وأهوى مَوْتَها شفقاً **** والموتُ أكرمُ نَزَّالٍ على الحُـرُمِ

أَخْشَى فَظاظةَ عمٍ أو جَفـاءَ أخٍ **** وكنتُ أبقي عليها من أَذى الكِلَمِ

اذا تذكرت بنتي حين تندبني **** فاضت لرحمة بنتي عبرتي بدم

متعنا الله وإياكم بذرياتنا.

 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل