بلاغة آية وحديث - الموسم الثاني - بلاغة حديث "كنا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عنده "- 1

برنامج بلاغة آية وحديث - الموسم الثاني

د. إبراهيم السماعيل

ضمن برنامج الرسالة اليوم

تفريغ موقع إسلاميات حصريا

بلاغة حديث "كنا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عنده"-1

جلستنا هذا اليوم مع حديث صحيح رواه الإمام مسلم رحمه الله عن عائشة رضي الله عنها قالت: كنا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عنده لم يغادر منهن واحدة فأقبلت فاطمة رضي الله عنها تمشي ما تخطئ مشيتها من مشية رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا، فلما رآها رحّب بها فقال: "مرحبًا بابنتي"، ثم أجلسها عن يمينه أو عن شماله، ثم سارّها فبكت بكت بكاء شديدًا، فلما رأى جزعها سارّها الثانية فضحكت فقلت لها (أي عائشة) خصّك رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين نسائه بالسرار ثم أنت تبكين؟ فلما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم سألتها: ما قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت فاطمة رضي الله عنها: ما كنت أفشي على رسول الله صلى الله عليه وسلم سرّه، قالت: فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: عزمت عليك بما لي عليك من الحق لَما حدّثتني ما قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت فاطمة: أما الآن فنعم، أما حين سارّني في المرة الأولى فأخبرني أن جبريل كان يعارضه القرآن في كل سنة مرة أو مرتين وإنه عارضه الآن مرتين وإني لا أرى إلا أن الأجل قد اقترب فاتقي الله واصبري فإنه نعم السلف أنا لك، قالت: فبكيت بكائي الذي رأيتِ فلما رأى جزعي سارّني الثانية فقال: يا فاطمة، أما ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين أو سيدة نساء هذه الأمة؟ قالت: فضحكتُ ضحكي الذي رأيتِ.

"كنا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عنده" هذا المقطع من الحديث يبيّن الجو الطبيعي من اجتماع النساء الضرائر مع بعض، بمعنى أن النساء يجتمعن في بيت واحد، نساء ضرائر زوجات زوج واحد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومع ذلك يجتمعن مع بعض وهذه هي الحياة الطبيعية التي ينبغي أن تسود بين الضرائر بالوضع الطبيعي لا بالغيرة الشديدة ولا بالمقاطعة الشديدة ولكن بالطبيعي فيما بين النساء مع الاحتفاظ طبعًا بخصوصية كل امرأة.

المقطع الذي يقول:" فأقبلت فاطمة رضي الله عنها تمشي ما تخطئ مشيتها من مشية رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا، فلما رآها رحّب بها فقال: "مرحبًا بابنتي"" في هذا الجزء من الحديث نستفيد الترحيب القولي واستحباب استقبال الضيف بما يحب وهذا من السنّة. السُنّة أن يقال الرجل للرجل القادم له أو المرأة للمرأة القادمة لها من الضيوف: مرحبا، أهلا وسهلا، والإكرام أُحادث ضيفي قبل إنزال رحله، الحديث مع الضيف قبل نزول الرَحْل وقبل الدخول للمنزل وهذا من الكرم وهذا ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قال: مرحبًا بابنتي.

قالت عائشة: "ثم أجلسها عن يمينه أو عن شماله" وهنا نستفيد الترحيب والإكرام الفعلي جمع الرسول صلى الله عليه وسلم بين الإكرام القولي بقوله: مرحبًا بابنتي والإكرام الفعلي عندما أجلسها عن يمينه أو عن شماله وفي ذلك منزلة عظيمة كبيرة، تصوروا هذه الصورة الجميلة النبي صلى الله عليه وسلم وهو أبٌ لفاطمة وزوج للزوجت البقية يُجلس البُنيّة عن يمينه أو عن شماله تلك منزلة أنزلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنته فاطمة.

قالت: "ثم سارّها" هنا علاقة حميمية بين الأب وابنته وحوار جميل من الإسرار والتناجي حال عدد من الجالسين بين النبي صلى الله عليه وسلم وابنته فاطمة وهذا يدل دلالة أنه إذا كان في المجلس أكثر من شخص فإنه لا بأس أن يُسرّ الواحد إلى آخر مع وجود الثالث والرابع والخامس لأن ليس في ذلك نجوى منهي عنها، المنهي عنه إذا كان المجموع ثلاثة، إذا كن ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث من أجل أن ذلك يُحزنه.

 قالت: "فبكيت بكاء شديدا فلما رأى جزعي سارّها الثانية" رسول الله صلى الله عليه وسلم لمّاح ويراعي المشاعر وهذا من البلاغة العظيمة إذ البلاغة هي مراعاة حال المخاطَب فإن النبي صلى الله عليه وسلم راعى مخاطبه وهي فاطمة رضي الله عنها. وفي هذا الحديث دلالة على حاجة البنت لوالدها حتى لو كانت متزوجة وأمًا لأولاد، إن فاطمة رضي الله عنها اجتمعت بأبيها وهي أم للحسن والحسين ومتزوجة ومع ذلك لم تستغني عن أبيها صلى الله عليه وسلم ورضي عنها.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل