بلاغة آية وحديث - الموسم الثاني - بلاغة آية (أفأمن أهل القرى) [الأعراف: 97-99]- 2

برنامج بلاغة آية وحديث - الموسم الثاني

د. إبراهيم السماعيل

ضمن برنامج الرسالة اليوم

تفريغ موقع إسلاميات حصريا

(أفأمن أهل القرى) [الأعراف: 97-99]- 2

(أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ ﴿٩٧﴾ أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ ﴿٩٨﴾ أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ ﴿٩٩﴾ الأعراف)

قال الله (أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ) ولم يقل: فلا يأمن مكره وإنما كرر الله سبحانه وتعالى باللفظ الصريح قال (مكر الله) بما يسميه علماء البللاغة وضع المُظهَر موضع المُضمر وهنا جاء التكرار مضافًا إلى الله تعالى (مكر الله) للتعجب من غفلتهم الزائدة الشديدة حتى كان الحسن البصري رحمه الله تعالى يقول: المؤمن يعمل بالطاعات وهو مُشفقٌ وجِلٌ خائفٌ والفاجر يعمل بالمعاصي وهو آمن. أفأمنوا أن يأتيهم الله بالهلاك والدمار وهم نائمون؟! والإنسان في نومه مسلوب الإرادة مسلوب القوة لا يملك أن يحتاط لنفسه بأدنى احتياط.

(أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ ﴿٩٧﴾ أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ ﴿٩٨﴾) وإذا جاء  البأس والناس يلعبون فلا يستطيعون ردّه لأنهم في لعبهم مشغولون وعن التفكر في عزلة وعن التدبر هم غفلون ولذلك جاء التعبير بالفعل المضارع في قوله (أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ) مع أنهم في زمن مضى، هم أمنوا وانتهوا، فلماذا لم يقل الله: أفأمن أهل القرى أن قد جاءهم أو أتاهم في الماضي، قال (أَنْ يَأْتِيَهُمْ) لأنها حكاية عما كانوا يعملونه وكأننا نستشعر الآن أمام أعيننا شريطًا لنرى فيه حال تلك القرى التي أمنت مكر الله وفي هذا الاستفهام تعريضٌ بالكفار المعاصرين لمحمد صلى الله عليه وسلم لأنه كما أهلك القرى السابقة يمكن أن يهلككم يا قريش يا كفار قريش كما أهلك من كان قبلكم لأن الله تعالى قادر أن يأخذ الناس في غفلة نوم أو في لهو ضحى وهم عن ردّ العذاب عاجزون كل العجز ولذلك قال الله في ختام الآية (فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ) ليس وراء الغفلة والاستهتار إلا الخسران! الذي يأمن مكر الله خاسر بل مستمر دائم في الخسران بدليل التعبير باسم الفاعل (الخاسرون) كأنهم المستمرون في خسرانهم المديمون عليه الذين تلبسوا بالخسران تلبّسًا لا يكاد ينفك عنهم أبدًا.

إذن ذكر الله تعالى في هاتين الآيتين في سورة الأعراف هذا الأمر وقد اشتمل على مناحٍ بلاغية عجيبة وفيه تخويف وزجر للذين عاصروا محمدا صلى الله عليه وسلم ولم يؤمنوا به أنه ممكن أن يأتيهم ما أتى الذين من قبلهم وأن يحلّ بهم ما حلّ بالكفار من قبل سواء كان هذا النزول للعذاب ضحى في غفلة اللعب أو ليلًا بياتًا وهم غافلون وكم جاءت المصائب ليلًا عافانا الله وإياكم على حد ما قال الشاعر المتنبي:

يا راقد الليل مسرورًا بأوله

إن الحوادث قد يطرقن أسحارا

ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ في مستهلّ الليل فيقول: لا طارق يطرق إلا بخير يا رحمن.

 نسأل الله تعالى أن يؤمّن روعاتنا وأن يستر عوراتنا وأن يرحمنا ووالدينا والمسلمين ويزيل عنا كل مكروه ويديم الأمن على بلاد المسلمين أجمعين. 

 

التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل