تدبر سورة الأعراف - 2 - د. رقية العلواني

تدبر سورة الأعراف – 2

د. رقية العلواني

تفريغ سمر الأرناؤوط - موقع إسلاميات حصريًا

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

نكمل ما قد بدأناه في الحلقة السابقة ونحن لا زلنا في بدايات الحديث عن سورة الأعراف وتكلمنا عن المناسبة بين آخر سورة الأنعام وأوائل سورة الأعراف. وتكلمنا عن مقصد سورة الأعراف وقلنا أن المقصد العام لهذه السورة الحديث عن رحلة الإنسان الخليفة الذي عيّنه الله سبحانه وتعالى، الرحلة بدأت منذ الكلام عن آدم أبو البشرية إلى الكلام عن المصير والجنة والنار ووزن الأعمال، هذه التفاصيل التي جاءت في سورة الأعراف. لكن دعونا نعود إلى أوجه التناسب بين أول سورة الأعراف وبين آخر سورة الأعراف، البحث في التناسب فيما بين السور أو ما بين أوائل الآيات وأواخر الآيات في نفس السورة مبحث عظيم ودقيق جدًا وعلى درجة كبيرة من الأهمية تعطي القارئ والمتدبر تصورًا كاملًا عن مباحث هذه السورة إضافة إلى ما تعطيه من طبيعة الإعجاز الذي اتسم به هذا الكتاب، الإعجاز في وحدة بنائه، الإعجاز في التكامل "الوحدة البنائية" كما يطلق عليها بعض العلماء للقرآن العظيم ما جاءت هكذا، جاءت لتحقيق غاية، وقلنا في السابق أن هذه الغاية هي بناء الإنسان في مجموعه البشري في المجموعة التي يعيش فيها، في الزمن الذي يحيا فيه، القرآن يخاطب كل البشر في كل الأزمنة وحين يخاطب البشر في كل الأزمنة فعلى القارئ المتدبر أن يحاول أن يدرك طبيعة الأجواء التي نزل فيها القرآن أول ما نزل وبعدها ينظر في واقعه وفي حياته في الزمن الذي يعيش فيه في المكان الذي يعيش فيه، يدرك ويقف على تلك المقاصد وهو لم يُحط بها علمًا ولكن على أقل تقدير يحاول أن يقف على تلك المقاصد فيعبر من هذه المقاصد إلى واقعه فينفعل بهذا الواقع، ينفعل بما تعلم من القرآن الكريم وما وقف عليه من آيات عظيمة ويبدأ بعملية التغيير في الواقع الإنساني التغيير الإيجابي، المسؤولية، مباشرة المهام التي أوكلت إليه كفرد في مجتمع في فرد في عائلة في أسرة ضمن الأُطر التي يعيش فيها.

ربي عز وجلّ في أوائل سورة الأعراف قال (المص ﴿١﴾ كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿٢﴾ اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ ﴿٣﴾) كتاب أنزل إليك يا محمد صلى الله عليه وسلم، واقع الأمر أن هذه الآية الأولى لا ينبغي أن تُقرأ بدون الآية الثانية قال في الأولى (أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ) والحرج في أصل المعنى اللغوي المكان الضيق المتشابك الذي لا يستطيع السالك أن يجد فيه طريقا، شجر متشابك لا يستطيع أن يخرج منه الإنسان، يستخدم في الحسيات وهذا المعنى في الحسيات انتقل إلى المعنويات، صحيح كثير من المفسرين قالوا الحرج يأتي بمعاني منها الضيق، منها الشك لكن واضح من سياق الآية في كتاب الله عز وجلّ ومقارنة هذه الاية بآيات أخر لأن كلمة الحرج ذكرت في 15 موضعا في كتاب الله عز وجلّ، هذه المواضع التي ذكرت في كتاب الله مع بعض الآيات الأخرى التي جاء في سياق الضيق (وضائق به صدرك) تعطينا فكرة أن هذه الآية العظيمة جاءت منذ البداية وقد نزلت في مكة لتبين للنبي صلى الله عليه وسلم وتسلّي قلبه صلى الله عليه وسلم وتبين كذلك للمؤمنين بهذا القرآن أن قضية الاتباع وتنزيل القرآن في واقع الحياة في واقع الفرد في واقع المجتمع عملية لها ثمرات لها نتائج تهيئ القلوب وتهيئ العقول والأفكار لما يمكن أن يأتي به هذا القرآن وتطبيق القرآن في حياتك يمكن أن يسبب لك ردود فعل البشر من حولك وكيفية تلقيهم لهذا الكتاب على عظمته يمكن أن تسبب لك في أي وقت من الأوقات شيء من الضيق أن هذا الكتاب على عظمته وعلى قدر نفعه للبشرية فيمكن للبشر أن لا يلتفتوا إليه بل يمكن للبشر أن يجادلوا فيه بل يمكن للبشر أن يرفضوه جملة وتفصيلًا كما فعل غالب أهل مكة ولا ننس السورة مكية نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يعايش ويعاني أجواء الرفض من قبل قومه لهذا القرآن العظيم، شيء طبيعي أن يكون هناك شي من الضيق والحرج من ردود أفعالهم! يكفيه أنه كان يعايش الواقع الأليم القاسي وهو كان يفعل ذلك صلى الله عليه وسلم قبل نزول القرآن إلى الحد الذي كان يفزع فيه إلى غار حراء ليخرج نفسه من تلك البيئة الموبوءة موبوءة بأمراض الجاهلية الاجتماعية والأخلاقية والاعتقادية والفكرية، شيء طبيعي، فإذا كان قبل نزول القرآن عليه يشعر بهذا الضيق نتيجة لما يراه في واقعه ألا يشعر بعد ذلك بالضيق وهو يرى أن القرآن الحق نزل على قلبه صلى الله عليه وسلم ولكن القوم لا يسمعون ويجادلون ويصدون عنه صدودا. ولكن الله سبحانه وتعالى ومنذ بداية سورة الأعراف أعطى الإنسان الخليفة أولًا النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال (اتبعوا) مباشرة، تدبروا في الآيتين: أعطى الإنسان تنبيهًا أن قضية الشعور بالضيق لا ينبغي أن تكون حاجزًا عن المهمة الأساسية التي لأجلها أنت على هذه الأرض: تنذر به وذكرى للمؤمنين. يتضايق الإنسان؟ طبيعي لأنه بشر لديه مشاعر أحاسيس تأتي عليه لحظات يشعر فيها بالضيق ولكن هذا الضيق لا ينبغي أن يمنعه عن إيصال مهمته ورسالته (لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ)

منذ الآية الثانية بعد ذلك أن هذا المنهج نزل للاتباع، حتى التدبر في كتاب الله عز وجلّ وهو غاية عظيمة ربي عز وجلّ أنزله لنتدبر فيه إنما هو مرحلة تليها مرحلة التطبيق والاتباع (اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ) أمر، المطلوب مني وقد عينني الله أن أكون خليفة في الأرض أن أسير وفق المنهج أن أتبع المنهج الذي هو القرآن العظيم. ثم قال (مِنْ رَبِّكُمْ) هو ما جاء من عند النبي صلى الله عليه وسلم النبي صلى الله عليه وسلم مبلّغ رسول (بلغ ما أنزل إليك) ممن؟ من ربك، فالإنزال لهذا الكتاب والمنهج العظيم من الله سبحانه وتعالى الذي خلق الذي قدر فهدى الذي أعطى الذي أنزل الذي صنع الذي عيّن وهنا تأتي الإجابة على عشرات الأسئلة في ذهن الإنسان وهو يسير في حياته.

تدبروا في أواخر سورة الأعراف ولا زلنا نتكلم عن التناسب وقلنا هناك تناسب واضح

أول سورة الأعراف قال (كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿٢﴾) في أواخر سورة الأعراف قال (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴿٢٠٤﴾ وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ ﴿٢٠٥﴾ إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ ۩﴿٢٠٦﴾) علاج الحرج، الضيق الذي نحتاج إليه اليوم، كثير من الناس في زماننا الذي نعيش فيه رغم تطور الإنسان في اختراع وسائل التسلية والترفيه إلا أن حالة الضيق والحرج المعنوي والتأفف والضجر والسأمة والملل أصبحت ظاهرة أقرب ما تكون ظاهرة إنسانية تلازم حتى الطفل حتى الصغير، الصغير والكبير، الذي يملك ولا يملك، الذي لديه فعلا ما يستحق أن يشتكي منه والذي لا يستحق على الأقل ظاهرا، ضجر، حرج وأواخر سورة الأعراف تعطيني علاج هذا الحرج والعلاج هو القرآن.

تدبروا وانظروا في التناسب في أولها (فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ) القرآن حين يطبق وتتبعه في حياتك أنت في الواقع تعالج عشرات بل كل حالات الحرج والضيق التي يمكن أن تعترض طريقك كإنسان، الحرج مع القرآن غير موجود، كحالة إنسانية أو بشرية هي حالة طارئة عارضة لكنها ليست ملازمة للإنسان المؤمن. وإذا أصابك الحرج افزع إلى القرآن (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا) استمع للقرآن وفرق بين الاستماع والإنصات. العلاج للحرج الإنصات للقرآن وبعدها (وَاذْكُرْ رَبَّكَ) ذكر الله عز وجلّ الذكر الكثير المتواصل أن تذكره في الرخاء وفي الشدة في السراء وفي الضراء في الصحة والمرض في الليل والنهار في القيام والقعود حتى تصبح عادة لقلبك ولسانك وسائر الجوارح. الذكر لا يكون فقط باللسان، ليس تمتمة باللسان هذا جزء يسير لكن الذكر الذي تحدثنا عنه سورة الأعراف الذكر الذي تتحرك به المشاعر والجوارح فتصبح خاضعة للمنهج، خاضعة للقرآن سائرة وفق تعاليمه وأوامره. ذلك الخضوع والذكر الذي يحرك في الإنسان الخضوع للجوارح حتى تسجد، خضوع خشوع لا يستكبرون عن عبادته وله يسجدون. ذكر وإنصات يحرك الإنسان حتى يسجد والسجود هو موضع الخضوع لله سبحانه وتعالى والخشوع، تدبروا في ذلك التناسب العجيب! الذكر يفترض به أن يبني في الإنسان خضوعًا وخشوعا حتى تسجد وتخر تلك الجبهة على الأرض خضوعا وإيمانًا لله، ولكن القرآن لا يريد فقط جباها تخر على الأرض سجودا له لكنه يريد قلوبا عقولا مفكرة تبني تعمل ولكنها ساجدة في محراب الكون إعمارا وإصلاحا وعطاءً، هذه سورة الأعراف في التناسب بين أولها وآخرها.

 https://t.co/6HwEUX7RrV



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل