مقاصد سورة الملك - الشيخ عدنان عبد القادر

مقاصد سورة الملك

الشيخ عدنان عبد القادر

تفريغ سمر الأرناؤوط – موقع إسلاميات حصريًا

جميع الخلق والعباد من رجال ونساء وجماعات وأفراد من جميع الطوائف والفئات من المسلمين والكفار ينبغي عليهم التأمل والتفكر وأن يكون لهم بعد نظر فمن أجل ذلك قيل نزلت سورة الملك ومن أجل ذلك قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: "سورة تبارك هي المانعة من عذاب القبر" إن سورة في القرآن ثلاثون آية شفعت لرجل حتى غفر له وهي تبارك الذي بيده الملك " لأن فيها النظر إلى ما وراء الأحداث، يحثنا الله عز وجلّ على النظر إلى وراء الأحداث التي نراها أمامنا وكذلك هذه السورة تحثنا على أن نتعرف على القواعد الإلهية والمقاصد الإلهية من وراء هذه الأحداث ليحصل للعباد تصور شامل يتجاوز هذه الأحداث الظاهرة. فعليهم النظر والتفكر في المقاصد الإلهية التي من أجلها خلق الله الخلق وبثهم في هذه الحياة وقدر الله عز وجلّ فيها المقادير للتفكر في المقاصد التي من وراء هذه المقادير فكلها خيرات وبركة وعليهم التفكر لماذا خلق الله الموت ولماذا خلق الحياة (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿١﴾ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ﴿٢﴾) فينظر إلى ما وراء هذه الحياة الظاهرة وينظر لماذا وينظر إلى المقاصد من تقدير الموت وتقدير كل هذه الأحداث. بل لماذا قدم الله عز وجلّ الموت على الحياة الموت ينبه الإنسان لأنه مُحزن بينما الحياة فيها يفرح فينسى الإنسان نفسخ وسنى ربه وينسى من قدم له خيرا فيغيب في هذه الفرحة عن كل هذه المقاصد بينما الموت ينبه فيجعل الإنسان يفكر ويتراجع ويعيد حساباته (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا)

على العبد أن يتفكر في الأدلة العقلية الصحيحة ودلالاتها سواء كانت آيات سمعية أو عقلية، يتفكر في الآيات والأدلة ودلالات هذه الأدلة والآيات (الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ ﴿٣﴾) دلالات على وحدانية الله عز وجلّ في ربوبيته وألوهيته وفي كمال اسمائه وصفاته

يتفكر في فوائد ودلالات الآيات والمخلوقات، لا تدل دلالة واحدة على ربوبية الله ليست لها فائدة واحدة فقط وإنما لها فوائد فهذه النجوم وهذه الكواكب التي هي زينة السماء عليه أن يتفكر فيها فهي ليست فقط هي زينة لهذه السماء بل لها أكثر من فائدة خلقها الله عز وجلّ رجوما للشياطين لتحفظ الدين وتحفظ الأرض من الشياطين وتحفظ الديانات الأخرى من الأحاديث الكاذبة والروايات الكاذبة وما ادّعوه مما سمعوه من السماء وينقلوه إلى السحرة والكهنة وغيرهم، فهي تحفظ العباد والناس وهي ليست زينة فقط. انظر إلى ما وراء الأمور

التفكر في النصوص الشرعية وهي الأدلة السمعية هي التي تجعل المتفكر يتجاوز في فكره إلى ما وراء الحياة وإلى سبب استقرار هذا الكون، يتفكر ويتساءل ما هو الأصل الذي قام عليه هذا الكون والذي من أجله خلق الخلق قبل أن يتحسر قائلا (وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴿١٠﴾) (وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴿٦﴾ إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ ﴿٧﴾ تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ ﴿٨﴾ قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ ﴿٩﴾ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴿١٠﴾ فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴿١١﴾) لو كنا نسمع الأدلة السمعية في كتاب الله وفي سنة النبي صلى الله عليه وسلم ونتفكر بما وراءها ما كنا في أصحاب السعير! (فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ) أما الذي يتفكر فهو يتنعّم في الآخرة (إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ﴿١٢﴾)

التفكر في ما وراء هذا الرزق وهذا الكرم كيف يتعامل مع من جعل له الأرض ذلولا ورزقه كل صغيرة وكبيرة، كيف يتعامل مع من رزقه؟ (جاء رجل صالح إلى العبد الصالح " إبراهيم بن أدهم" رحمه الله، فقال: يا أبا إسحاق : إني رجل مسرف على نفسي بالذنوب والمعاصي ، فأعرض علي ما يكون زاجراً لي عنها، وهادياً لقلبي !! فقال "إبراهيم " : إن قبلت مني خمس خصال وقدرت عليها لم تضرك معصية قط، ولم توبقك لذة!! فقال الرجل: هات يا أبا سحاق!! قال: أما الأولى : فإذا أردت أن تعصي الله عز وجل، فلا تأكل رزقه ، فقال الرجل: فمن أين آكل؟، وكل ما في الأرض من رزقه ؟!! فقال إبراهيم : يا هذا أفيحسن أن تأكل رزق الله وتعصيه؟ قال: لا !! هات الثانية. قال " إبراهيم": يا هذا إذا أردت أن تعصيه فلا تسكن شيئاً من بلاده!! فقال الرجل: هذه أعظم من الأولى ، يا أبا إسحاق: إذا كان المشرق والمغرب وما بينهما له تعالى، فأين أسكن؟!! قال: يا هذا أفيحسن أن تأكل رزقه وتسكن بلاده ثم تعصبه؟ قال: لا !! هات الثالثة!! قال" إبراهيم" : إذا أردت أن تعصيه وأنت تأكل رزقه وتسكن بلاده، فانظر موضعاً لا يراك فيه مبارزاً له فاعصه فيه !! قال: يا إبراهيم!! كيف هذا وهو مطلع على ما في السرائر والضمائر ؟ قال إبراهيم : يا هذا أفيحسن أن تأكل من رزقه وتسكن في بلاده وتعصيه وهو يراك ويرى ما تجاهره به ؟ قال الرجل : لا ، هات الرابعة. قال " إبراهيم " : إذا جاءك ملك الموت ليقبض روحك ، فقل له: أخرني حتى أتوب توبة نصوحاً وأعمل لله عملاً صالحاً، فقال الرجل: لا يقبل مني ولا يؤخرني !! فقال إبراهيم :يا هذا !! فأنت إذا لم تقدر أن تدفع عنك الموت لتتوب ، وتعلم أنه إذا جاء لم يكن له تأخير، فكيف ترجو وجه الخلاص؟!! قال الرجل: هات الخامسة!! قال " إبراهيم" : إذا جاءتك الزبانية يوم القيامة ليأخذوك إلى النار، فلا تذهب معهم !! قال الرجل: إنهم لا يدعونني ولا يقبلون مني!! فقال إبراهيم: فكيف ترجو النجاة إذن؟ فقال الرجل: يا إبراهيم " حسبي حسبي !! أنا أستغفر الله وأتوب إليه!!

على الإنسان أن يتفكر بهذه النعم وصاحب هذه النعم وكيف يتعامل مع الذي أكرمه ورزقه (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ﴿١٥﴾) إن أردت أن لا تتعامل بالمروءات مع الله تبارك وتعالى فلا تستجب لملك الموت إذا أتاك!

التفكر والتجاوز في النظر إلى السماء وإلى الكون والتفكر في التغيرات السماوية والأرضية فعليه أن يمشي في مناكب الأرض فيمر على آثار الأمم ليتجاوز في تفكيره إلى السباب التي انتهت بهم إلى هذه النهاية، يمر على البحر الميت، ديار لوط يمر على أطلال قوم ثمود وقوم هود وعلى أطلال الفراعنة وينظر لماذا كانت هذه النتيجة ولماذا كانت العقوبات الإلهية، يتجاوز بتفكيره إلى الأسباب التي أودت بهم إلى هذه النهاية (أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ ﴿١٦﴾ أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ ﴿١٧﴾) هل نحن لنا برآءة وهل لنا صك إلهي بعدم العقوبات إذا أعرضنا عن الله عز وجلّ (وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ ﴿١٨﴾) لذلك كانت هذه نهاياتهم.

في مقابل هؤلاء قوم عاد، قوم فرعون، قوم ثمود، من يفوقنا في مثل التقنيات العالية في نحت الجبال العالية، هذه المخلوقات التي تراها مستقرة خسف الله بها وفي المقابل انظر إلى المخلوقات الضعيفة التي لا تملك لنفسها شيئا وليست مستقرة كيف جعلها الله عز وجلّ مستقرة، هذه المخلوقات الضعيفة جعل الله لها استقرارا في السماء رفعتهم رحمة الله وأحاطت بهم رحمة الله (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ) صافات، كمال ضعفها وخفتها لكنها مستقرة برحمة الله عز وجلّ (مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ)

التفكر في إمكانيات الدول العاصية المعرضة عن الله عز وجلّ عاندت وأعرضت هل وقفت قوتها التي يمتلكونها حائلا بينها وبين العقوبات الإلهية؟! سابقا كانت الأمم اقوى من الأمم الموجودة حاليا لكنها ما استطاعت أن تقف أمام العقوبات الإلهية (أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ ﴿٢٠﴾)

على العبد أن لا يقف عند هذه النعم وأن لا يغتر بها ويعمى عما وراءها بل عليه أن يتفكر في ما وراء هذه النعم. ماذا لو توقفت عنه هذه النعم وأمسكت عنه هذه النعم ما الذي سيحصل له (أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ ﴿٢١﴾) ماذا لو انتكس عقله (أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴿٢٢﴾)؟ انتكس عقله فسار منتكسا والعياذ بالله ما الذي يرده؟! لا أحد يستطع أن يردّ انتكاس عقله ليس أمامه إلا رحمة الله عز وجلّ. ماذا لو أمسك الله عز وجلّ نعمته في هذا الإنسان أمسك نعمته في دمه، أمسك نعمته في سمعه وفي بصره كيف سيتحول هذا الإنسان؟! ليتفكر العبد في خلقه وفي أعضائه وفي حواسه لماذا أُكرم بها وماذا لو سلبت منه؟! (قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ ﴿٢٣﴾)

ليتفكر العبد في البشر لماذا انتشروا في أرجاء الأرض؟ من وراء ذلك وما الحكمة من وراء ذلك؟ (قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴿٢٤﴾) فلا يكن نظر العبد قصيرًا فيقف عند العناد والتحدي يتحدى ويعاند بل ينظر ويتفكر في هذه الأمور، وعلى العبد أن لا يسبق لسانه عقله، يرد ويتحدى بلسانه قبل أن يتفكر بعقله! بل يفكر بعقله ولا يكون قصير النظر ويسبق لسانه عقله كقول بعضهم إذا ذُكّروا بالنظر والتفكر (وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴿٢٥﴾) (فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ ﴿٢٧﴾) فمن الذي سيجيركم من الله تبارك وتعالى؟

ليتفكر العبد ماذا لو اختل الأصل المادي لبقاء الإنسان في الأرض وهو الماء؟! لو اختل الماء والآن أزمة ماء في العالم ماذا لو اختل هذا الصل ماذا سيحصل لأهل الأرض؟ (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ ﴿٣٠﴾)

هذا مقصد سورة تبارك وهي دعوة لأن يكون للعبد بعد نظر وينظر إلى ما وراء الأحداث ويتأمل في الأسباب والنتائج وأن لا يقف عندها الآن لو نظر إلى العالم ما وراء هذه الأحداث المتجهة في الشرق الأوسط وما هي القواعد الإلهية وراء هذه الأحداث؟ لا ننظر إلى قواعد أعداء هذه الأمة التي تنتكس ولكن ننظر إلى ما وراء الأحداث من القواعد الإلهية الصارمة الصادقة التي لا تخطئ  يعلم أن ما يحصل لهذه الأمة كله خير لها وكله خير لنشر الدعوة وأن القواعد الإلهية فوق القواعد التي أنشأها أعداء الأمة ولكن علينا نحن أن نبذل السباب التي بين أيدينا والله يتكفل بنا كما تكفل بنوح وبموسى وببني إسرائيل الذين كانوا مستضعفين وكيف تكفل بهود وصالح، علينا أن نبذل الأسباب   ودائما نستبشر على رغم المصائب بما قدره الله عز وجلّ ونبذل السباب حتى يرقينا الله عز وجلّ إلى أفضل النتائج. 

 

https://t.co/UYmGwifYMx



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل